- (غزوة الرجيع) -
٣ فقرات، ج ٢ ص ١٤٩
- ج ٢ ص ١٤٩
١٤٠ - قال أبو جعفر: وأما غيرُ ابنِ إسحاق، فإنَّه قصّ من خبر هذه السريَّة غير الذي قصّه، والذي قصّه غيره من ذلك ما حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا جعفر بن عون العمريّ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عمرو -أو عمر- ابن أَسِيد، عن أبي هُريرة، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عشرة رهط، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، فخرجوا حتى إذا كانوا بالهَدْأة ذُكِرُوا لحيّ من هُذيل، يقال لهم: بنو لِحْيان، فبعثوا إليهم مئة رجل راميًا؛ فوجدوا مأكَلهم حيث أكلوا التَّمر، فقالوا: هذه نَوَى يثرب، ثمّ اتَّبعوا آثارهم؛ حتى إذا أحسّ بهم عاصمٌ وأصحابه التجؤوا إلى جبل، فأحاط بهم الآخرون، فاستنزلوهم، وأعطَوْهم العهدَ؛ فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافِرٍ، اللهمّ أخبر نبيَّك عنّا. ونزل إليهم ابن الدّثِنَة البيَاضِيّ، وخُبيب، ورجل آخر، فأطلق القوم أوتار قِسيِّهم،
ج ٢ ص ١٥٠ثمّ أوْثقوهم، فجرحوا رجلًا من الثلاثة، فقال: هذا والله أوّل الغَدْر؛ والله لا أتَّبعكم. فضربوه فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وابن الدثِنَة إلى مكَّة، فدفعوا خُبيبًا إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحُد؛ فبينما خُبَيب عند بنات الحارث؛ إذ استعار من إحدى بنات الحارث موسَى يستحدّ بها للقتل، فما راع المرأة - ولها صبيّ يدْرج - إلّا بخُبيب قد أجلَس الصبيَّ على فَخِذِه، والموسَى في يده، فصاحت المرأة، فقال خُبَيب: أتخْشَين أنِّي أقتُله! إنّ الغدر ليس من شأننا. قال: فقالت المرأة بعد: ما رأيتُ أسيرًا قطّ خيرًا منِ خُبيب؛ لقد رأيته وما بمكة من ثمرة، وإن في يده لقِطْفًا من عنب يأكله؛ إن كان إلّا رِزْقًا رزقه اللهُ خبيبًا.
-
وبعث حيّ من قريش إلى عاصم ليُؤْتَوْا من لحمه بشيء، وقد كان لعاصم فيهم آثار بأحُد؛ فبعث الله عليه دَبْرًا, فحصَتْ لَحمه، فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئًا، فلمَّا خرجوا بخُبَيب من الحرم ليقتلُوه، قال: ذَرُوني أُصلّي ركعتين، فتركوه فصلَّى سجدتين، فجرت سُنَّة لمن قُتل صبْرًا أن يصلِّيَ ركعتين. ثم قال خُبَيب: لولا أن يقولوا جَرعَ لزدت، وما أبالي:
"عَلَى أَيّ شِقٍّ كان لله مَصْرَعي"
ثم قال:
وذلك في ذاتِ الإله وإن يَشَأْ ... يُبَارِكْ على أوصالِ شِلْو مُمَزَّع
اللهم أحْصِهِم عددًا، وخذهم بَدَدًا.
-
ثم خرج به أبو سِرْوَعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف؛ فضربه فقتله (١) . (٢: ٥٤٠/ ٥٤١) .
- (١)حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه مع اختلاف يسير في الألفاظ. فقد أخرج البخاري في صحيحه كتاب المغازي -باب فضل من شهد بدرًا (ح ٣٩٨٩): عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة عينًا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، ختى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مئة رجل رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه. فقالوا: تمر يثرب فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع، = = فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا أيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا. فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنا نبيك - صلى الله عليه وسلم -، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة - يريد القتلى - فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم (فقتلوه) فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبًا -وكان خبيب قتل الحارث بن عامر بن نوفل يوم بدر- فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته، فأدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده. قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا؛ فلما خرجوا به من الحرم لقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا. ثم أنشأ يقول: فلست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب سن لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر -يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل، أن يؤتوا بشيء منه يعرف - وكان قتل رجلًا عظيمًا من عظمائهم - فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا". والحديث أخرجه البخاري في موضع آخر (باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان ح ٤٠٨٦) وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٢٣) وأحمد (٢/ ٢٩٥) وغيرهم.