ذكر الخبر عن عمرة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي صده المشركون فيها عن البيت، وهي قصة الحديبية

٤٧ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. ٢٠٠ - وقالوا جميعًا في حديثهم عن الزُّهْرِي، عن عُروة، عن المِسْور ومروان: فلما قدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، جاءه أبو بَصير؛ - رجل من قريش - قال ابن إسحاق في حديثه: أبو بصير عُتْبة بن أسَيد بن جارية - وهو مسلمٌ، وكان ممن حُبِس بمكة، فلمّا قدِم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عَوْف والأخنس بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفيّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبعث رجلًا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم. فقدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتاب الأزهر

    ج ٢ ص ٢٢٥والأخنس، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا بصير؛ إنَّا قد أعْطينا هؤلاء القوم ما قد علمت؛ ولا يصلح لنا في ديننا الغَدْر، وإنّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرَجًا ومخرجًا.

    قال: فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحُلَيفة، جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارمٌ سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ قال: نعم، قال: انظر إليه؟ قال: إن شئت! فاستلّه أبو بَصير، ثمّ علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعًا حتى أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله طالعًا، قال: إنَّ هذا رجل قد رأى فَزَعًا، فلمّا انتهى إلى رسولِ الله قال: ويلك! مالك! قال: قتَل صاحبُكم صاحبي؛ هو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشِّحًا السيف، حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ الله، وفتْ ذمّتك، وأدِّيَ عنك، أسلمتني ورددتَني إليهم ثمَّ أنجاني الله منهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ويلُ أمِّه مِسْعَرُ حَرْب! - وقال ابن إسحاق في حديثه: محَشّ حَرْب - لو كان معه رجالٌ! فلمّا سمع ذلك عرف أنَّه سيرُدّه إليهم. قال: فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المَرْوة على ساحل البحر بطريق قريش الذي كانوا يأخذون إلى الشام. وبلغ المسلمين الذين كانوا احتُبسوا بمكة قولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بصير: "ويل أمّه محشّ حرب لو كان معه رجال" ، فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص؛ وينفلت أبو جندل بن سُهَيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير؛ فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلًا منهم؛ فكانوا قد ضيّقوا على قُرَيش؛ فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يناشدونه بالله وبالرّحم لَمَا أرسل إليهم! فمن أتاه فهو آمِن، فآواهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقدموا عليه المدينة.

    ج ٢ ص ٢٢٤
  2. زاد ابن إسحاق في حديثه: فلمَّا بلغ سهيلَ بن عمرو قتلُ أبي بصير صاحبَهم العامريّ أسند ظهرَه إلى الكعبة، وقال: لا أؤخّر ظهري عن الكعبة؛ حتى يُودُوا هذا الرجل؛ فقال أبو سفيان بن حرب: والله إنّ هذا لهو السَّفه! والله لا يُودَى! ثلاثًا (١) . (٢: ٦٣٨/ ٦٣٩) .

    1. (١)لقد ذكرنا سابقًا أن البخاري أخرج حديث مروان ومسور - رضي الله عنهما - وفي آخر الحديث قصة أبي بصير. (صحيح البخاري / كتاب الشروط / ح ٢٧٣١) والله تعالى أعلم.
  3. ٢٠١ - وقال ابن عبد الأعلى ويعقوب في حديثهما: ثمَّ جاءه -يعني رسولَ الله- نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ عليه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} - حتى بلغ: {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} . قال: فطلَّق عمر بن الخطّاب يومئذ امرأتين كانتا له في الشرْك. قال: فنهاهم أن يردّوهنّ، وأمرهم أن يردُّوا الصَّداق حينئذ.

    قال رجل للزهريّ: أمِنْ أجل الفُروج؟ قال: نعم؛ فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صَفْوان بن أميّة (١) . (٢: ٦٤٠) .

    1. (١)هذا الجزء مكمل لحديث ابن عبد الأعلى ويعقوب السابق، وإسناد الحديث صحيح وكذلك أخرجه البخاري كما مرّ بنا في صحيحه من حديث طويل ذكرناه بطوله في قسم الصحيح فليراجع والله تعالى أعلم.
    ج ٢ ص ٢٢٦
  4. ٢٠١ - زاد ابن إسحاق في حديثه: وهاجرتْ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمّ كلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيط في تلك المدّة؛ فخرج أخواها عُمارة والوليد ابنا عُقْبة؛ حتى قَدِما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألانِه أن يردّها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية؛ فلم يفعل، أبَى الله عَزَّ وَجَلَّ ذلك (٢) . (٢: ٦٤٠) .

    1. (٢)جزء من حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه فقد قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثني إسحاق أخبرنا يعقوب حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه أخبرني عروة بن الزبير أنَّه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبرًا من خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرة الحديبية فكان فيما أخبرني عروة عنهما أنَّه لما كاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنَّه قال: لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه وأبي سهيل أن يقاضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على ذلك فكره المؤمنون ذلك وأمعضوا فتكلموا فيه فلما أبي سهيل أن يقاضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على ذلك كاتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فردَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا جندل بن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا وجاءت المؤمنات مهاجرات فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل. قال ابن شهاب: وأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ}. = = وعن عمِّه قال: بلغنا حين أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم وبلغنا أن أبا بصير. . . فذكره بطوله. (صحيح البخاري / كتاب المغازي / باب ٣٥ / ح ٤١٨٠ - ٤١٨١) وانظر فتح الباري (ح / ٢٧١٢).
  5. ٢٠٢ - وقال أيضًا في حديثه: كان ممَّن طلَّق عمر بن الخطّاب؛ طلق امرأتَيه قُرَيبَة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سفيان؛ وهما على شِرْكهما بمكَّة، وأمّ كلثوم بنت عمرو بن جَرْوَل الخُزاعيّة أمّ عُبيد الله بن عمر؛ فتزوّجها أبو جَهْم بن حُذافة بن غانم، رجلٌ من قومها؛ وهما على شركهما بمكة (١) . (٢: ٦٤٠) .

    1. (١)ذكرنا سابقًا حديث البخاري الطويل في غزوة الحديبية وفيه: (فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية). قال الحافط ابن كثير: وفي رواية عقيل عن الزهري وهو عند البخاري تعليقًا أنها قريبة بنت أبي أمية، تزوجها معاوية، والأخرى بنت جرول، تزوجها أبو الجهم، وهكذا قال ابنُ إسحاق (البداية والنهاية ٣/ ٣٩٢).
    ج ٢ ص ٢٢٧
  6. ٢٠٣ - وأما الرواية الأخرى عن سلَمة بن الأكوع في هذه السريّة، أن أميرها كان أبا بكر بن أبي قحافة؛ حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا أبو عامر، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عَمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: أمَّرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - علينا أبا بكر؛ فغزونا ناسًا من بني فَزارة، فلمَّا دنوْنا من الماء أمرَنا أبو بكر فعرّسنا؛ فلمَّا صلَّينا الصبح، أمرنا أبو بكر فشنَنَّا الغارة عليهم. قال: فوردنا الماء فقتلنا به من قتلنا. قال: فأبصرت عُنُقًا من الناس؛ وفيهم النّساء والذراريُّ قد كادوا يسبقون إلى الجبل، فطرحت سهمًا بينهم وبين الجبل، فلمَّا رأوا السَّهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر؛ وفيهم امرأة من بني فَزارة عليها قَشْعُ أدَم، معها ابنة لها من أحسن العرب. قال: فنفَّلني أبو بكر ابنتها، قال: فقدمت المدينة، فلقيني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالسوق، فقال: يا سلَمة، لله أبوك! هب لي المرأة! فقلت: يا رسولَ الله؛ والله لقد أعجبَتْني وما كشفت لها ثوبًا. قال: فسكت عني حتى إذا كان من الغد لقيَني في السّوق، فقال: يا سلَمة، لله أبوك! هبْ لي المرأة، فقلت: يا رسولَ الله؛ والله ما كشفت لها ثوبًا؛ وهي لك يا رسولَ الله. قال: فبعث بها رسول الله إلى مكَّة؛ ففادى بها أسارى من المسلمين

    ج ٢ ص ٢٢٨كانوا في أيدي المشركين. فهذه الرواية عن سلمة (١) . (٢: ٦٤٣/ ٦٤٤) .

    1. (١)إسناده حسن صحيح والحديث أخرجه الإمام أحمد من طريق بهز عن عكرمة بن عمار به. وكذلك أخرجه مسلم في صحيحه والبيهقيُّ في الدلائل (٢/ ٢٩٠) والله أعلم. ولفظ مسلم: (غزونا فزارة وعلينا أبو بكر - رضي الله عنه - أمّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرَّسنا، ثمَّ شن الغارة فورد الماء، فقتل من قتل عليه وسبى، وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم - قال: القشع النطع - معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر - رضي الله عنه - فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا فلقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السوق فقال: يا سلمة، هب لي المرأة، فقلت: يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، ثمَّ لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغد في السوق فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك، فقلت: هي لك يا رسول الله. فوالله ما كشفت لها ثوبًا فبعث بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسروا بمكة) (مختصر صحيح مسلم / ح ١١٤٥ / باب في التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى / كتاب السير).
  7. ٢٠٤ - قال محمَّد بن عمر: وفيها سريّة كُرز بن جابر الفهريّ إلى العُرنيِّين الذين قتلوا راعي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، واستاقوا الإبل في شوّال من سنة ستّ؛ وبعثه رسول الله في عشرين فارسًا (٢) . (٢: ٦٦٤) .

    1. (٢)ذكر الطبري سرية كرز إلى العُرنيِّين عن الواقدي بلا إسناد دون التطرق إلى التفاصيل وقصة عكل وعرينة صحيح كما أخرجه البخاري قال: حدثني عبد الأعلى بن حماد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة أن أنسًا - رضي الله عنه - حدثهم أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكلموا بالإِسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الذود فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة: بلغنا بعد ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. قال أبو عبد الله وقال شعبة وأبان وحماد عن قتادة من عرينة: وقال يحيى بن أبي كثير وأيوب عن أبي قلابة عن أنس: قدم نفر من عكل أخرجه البخاري في (كتاب المغازي / باب قصة عكل وعرينة / ح ٤١٩٢) والحديث أخرجه مسلم (باب حكم المحاربين والمرتد ح / ٦٧١) وأحمد (١/ ١٠٧) وابن ماجه (ح ٢٥٧٨) وغيرهم.