القول فيما خلق الله في كل يوم من الأيام الستة التي ذكر الله في كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما
٨ فقرات، ج ١ ص ١٧٩
- ج ١ ص ١٧٩
وقال آخرون: خلق الله عزَّ وجلَّ الأرض قبل السماء بأقواتها من غير أن يَدْحُوَها، ثم استوى إلى السماء فسواهنَّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك.
- * ذكر من قال ذلك:
-
حدثني عليّ بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله عزّ وجلّ حيث ذكر خلْق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوَها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهنَّ سبع سموات، ثم دحا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} (١) . (١: ٤٨) .
- (١)بين علي وابن عباس انقطاع إلا أن المتن يشهد له ما أخرجه البخاري كما سنذكر.
-
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) }، يعني أنه خلق السموات والأرض، فلمّا فرغ من السماء قبل أن يخلق أقوات الأرض بثَّ أقوات الأرض فيها بعد خلق السماء؛ وأرسى الجبال -يعني بذلك دحوَها- ولم تكن تصلح أقواتُ الأرض ونباتُها إلا بالليل والنهار، فذلك قوله عزَّ وجلّ: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} ألم تسمع أنه قال: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} (٢) ؟ (٤٨: ١) .
- (٢)إسناده ضعيف إلا أن البخاري أخرج في صحيحه ما يؤيده كما سنذكر بعد الآتي.
-
وغير مستحيل ما روينا في ذلك عن ابن عباس من القول، وهو أن يكون الله تعالى ذكره خلقَ الأرض ولم يدحُها، ثم خلَق السموات فسواهنَّ، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، بل ذلك عندي هو الصواب من القول في ذلك؛ وذلك أن معنى الدَّحْو غيرُ معنى الخلق، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا
ج ١ ص ١٨٠وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) } (١) . (١: ٤٨/ ٤٩) .
- (١)صحيح.
-
فإن قال قائل: فإنَّك قد علمتَ أن جماعةً من أهل التأويل قد وجهَت قول الله: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} إلى معنى "مع ذلك دحاها" ، فما برهانُك على صحة ما قلت، من أن "ذلك" بمعنى "بَعْد" التي هي خلاف "قبل" ؟
-
قيل: المعروف من معنى "بعد" في كلام العرب هو الذي قلنا من أنها بخلاف معنى "قبل" لا بمعنى "مع" ؛ وإنما تُوَجَّه معاني الكلام إلى الأغلب عليه من معانيه المعروفة في أهله، لا إلى غير ذلك (٢) . (١: ٤٩) .
- (٢)رجح الطبري هنا أن الأرض خلقت قبل السموات (ولكن بدون دحو) ثم خلق الله سبحانه السموات ثم دحا الأرض واعتمد على المعنى اللغوي واستشهد بروايتين ضعيفتين عن ابن عباس.
-
وإذا كان الأمرُ كذلك كان خلقُ الأرض قبل خلق السموات، ودَحْوُ الأرض وهو بسطها بأقواتها ومراعيها ونباتها، بعد خلْق السموات، كما ذكرنا عن ابن عباس (٣) . (١: ٥٠/ ٥١) .
- (٣)صحيح. لقد ذكر الطبري رحمه الله آثارًا عن عدد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم تبين جميعها أن كل يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض تعادل ألف سنة مما يعد البشر، وهي أخبار راجحة فيها. وهي تفاسير متأثرة بروايات أهل الكتاب، والله سبحانه يقول في محكم التنزيل: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ}. فلا حجة إلا بخبر صحيح عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وتبقى هذه الأقوال والأخبار احتمالات لا دليل لها سواء كانت راجحة عند الطبري أو غير راجحة عند غيره كابن الأثير (١/ ٤١). ولقد روى غير واحد من الأئمة عن ابن عباس خبرًا لم يذكره الطبري في تأريخه حول هذه الآية: قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عبد الله بن أبي مليكة قال: (دخلت على عبد الله بن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان فقال له ابن = = فيروز: يا أبا عباس قوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ}. فكأن ابن عباس اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ قال: إنما سألتك لتخبرني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب فسأله عنهما إنان فلم يخبره، ولم يدر. فقلت: ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس؟ قال: بلى، فأخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس قد أبى أن يقول فيها، وهو أعلم مني (فتح القدير ٤/ ٣٠٢). قلنا: ولو كان في بيان حقيقة الأيام الستة فائدة للمكلفين لذكره سبحانه في كتابه أو بينه على لسان نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام.