[ذكر الخبر عن غزوة مؤتة]
٨ فقرات، ج ٢ ص ٢٦٤
- ج ٢ ص ٢٦٤
٢٣٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزبير، قال: بعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَعثَهُ إلى مؤتة في جُمادي الأولى من سنة ثمانٍ؛ واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب علي الناس، فإن أصيبَ جعفر فعبد الله بن رواحة علي الناس.
- ج ٢ ص ٢٦٥
فتجهّز الناسُ، ثم تهيَّؤوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم وَدَّع الناسُ أمراء رَسُول اللهِ وسلموا عليهم وودّعوهم فلمّا ودّع عبد الله بن رَواحة مع من ودّع من أمراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكَى، فقالوا له: ما يُبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حبّ الدنيا، ولا صبابة بكم؛ ولكني سمعتُ رسول الله يقرأ آيةً من كتاب الله يذكر فيها النار: {وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} .
-
فلست أدري كيف لي بالصَّدَرِ بعد الورود! فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردّكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكنَّنِي أسْأَلُ الرّحْمنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِف الزَّبَدَا
أو طَعْنَةً بيَدَي حَرَّانَ مُجْهِزَةً ... بحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأحْشاءَ والكَبدا
حتى يقولوا إذَا مَرُّوا علي جَدَثي ... أَرْشَدَهُ اللهُ مِنْ غَازٍ وقد رَشَدَا! (١)
- (١)إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٢٥٦) عن عروة وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلي عروة. وكذلك أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٣٥٩) وللحديث شواهد سنذكره بعد قليل. ولكننا نذكر بإيجاز ما قاله أئمة المغازي والسير في تحديد تأريخ الغزوة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٥١١): وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجيش إلي مؤتة في جمادي من سنة ثمان. وكذا قال ابن إسحاق وموسي بن عقبة وغيرهما من أهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلّا ما ذكره خليفة في تأريخه أنها كانت سنة سبع. اهـ. وأصل الخبر عن غزوة مؤتة وتأمير الأمراء الثلاثة في صحيح البخاري فقد أخرج في صحيحه كتاب المغازي / باب غزوة مؤتة من أرض الشام: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلي ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية. وأخرج كذلك في صحيحه في الباب نفسه: عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعي زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.
-
(٣: ٣٦/ ٣٧) .
-
٢٣٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة وأبو تُمَيلة، عن محمد بن
ج ٢ ص ٢٦٦إسحاق، عن يحيى بن عبّاد، عن أبيه، قال: حدّثني أبي الذي أرضعني -وكان أحد بني مرّة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مُؤتة- قال: والله لكأنّي أنظرُ إلي جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء؛ فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتِل؛ فلما قتل جعفر أخذ الرّايَة عبدُ الله بن رَواحة؛ ثمّ تقدّم بها وهو علي فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التردد، ثم قال:
أقسمْتُ يا نَفْسُ لَتَنزِلنّهْ ... طَائِعَةً أوْ فَلَتُكْرَهِنَّهْ
إن أجْلَبَ الناسُ وشَدُّوا الرَّنّهْ ... ما لِي أَراكِ تَكْرَهِين الجَنَّهْ!
قد طَالمَا قد كنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... هَلْ أَنْتِ إلا نُطْفَةٌ في شَنَّهْ!
وقال أيضًا:
يا نَفْس إلَّا تُقْتَلي تَمُوتي ... هذَا حِمَامُ المَوْتِ قد صَلِيتِ
وما تَمَنَّيتِ فقدْ أعْطِيتِ ... إنْ تَفْعَلي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
قال: ثم نزل؛ فلمّا نزل أتاه ابنُ عمٍّ له بعظم من لحم؛ فقال: شُدَّ بها صلبك؛ فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت؛ فأخذه من يده؛ فانتهس منه نهسَةً ثم سمع الحطْمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه؛ فتقدّم فقاتل حتى قتل؛ فأخذ الراية ثابتُ بن أقرم؛ أخو بَلْعجلان؛ فقال: يا معشَر المسلمين اصطلحوا علي رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل؛ فاصطلح الناس علي خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية دافع القوم؛ وحاشي بهم، ثم انحاز وتحيّز عنه حتى انصرف بالناس (١) . (٣: ٣٩/ ٤٠) .
- (١)إسناده إلي ابن إسحاق ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٣٧٨) وصرّح بالتحديث. قلنا: والحديث أخرجه أبو داود في (سننه / كتاب الجهاد / ح ٢٥٧٣) ولفظه (حدثني أبي الذي أرضعني، وهو أحد بني مرة بن عوف وكان في الغزاة غزاة مؤتة، قال: والله لكأني أنظر إلي جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل حتى قتل). وقال: هذا الحديث ليس بالقوي. اهـ. قلنا: والحديث أورده الهيثمي ورواه الطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٦٠) وكذلك حسّنه الحافظ (فتح الباري ٧/ ٥١١) وأما من المعاصرين فقد حسّنه العمري وقال: وفيه جهالة اسم الصحابي ولا تضر (السيرة النبوية / ٢/ ٤٦٨) والألباني (صحيح سنن أبي داود ح ٢٢٤٣) والله تعالى أعلم.
- ج ٢ ص ٢٦٧
٣٣٤ - فحدّثني القاسم بن بِشْر بن معروف، قال: حدَّثنا سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا الأسود بن شيبان، عنِ خالد بن سُمَير، قال: قَدِم علينا عبد الله بن رَبَاح الأنصاريّ -وكانت الأنصار تُفقّهُه- فغشيَه الناس، فقال: حدَّثنا أبو قتادة فارسُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: بعث رسول الله جيشَ الأمراء، فقال: عليكم زيد بن حارثة؛ فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب؛ فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة؛ فوثب جعفر فقال: يا رسولَ الله؛ ما كنت أذهبُ أن تستعمل زيدًا عليَّ! قال: امض؛ فإنك لا تدري أيّ ذلك خير!
-
فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله. ثم إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صعد المنبر، وأمر فنودي: الصّلاة جامعة! فاجتمع الناس إلي رسول الله، فقال: باب خير، باب خير، باب خير! أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؛ إنّهم انطلقوا فلقُوا العدوّ، فقتل زيد شهيدًا -واستغفر له- ثمّ أخذ اللواء جعفر، فشدّ علي القوم حتى قتل شهيدًا -فشهد له بالشهادة واستغفر له- ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة؛ فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا -فاستغفر له- ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد -ولم يكن من الأمراء هو أمَّر نفسه- ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهمّ إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره -فمنذ يومئذ سمّي خالد سيف الله- ثم قال رسول الله: أبكروا فأمدُّوا إخوانكم ولا يتخلّفنّ منكم أحد، فنفروا مُشاةً ورُكْبَانًا، وذلك في حرّ شديد (١) . (٣: ٤٠/ ٤١) .
- (١)حديث أبي قتادة هذا حديث صحيح أخرجه البيهقي من طريق الفضل بن الحباب الجمحي ثنا سليمان بن حرب به (دلائل النبوة ٤/ ٣٦٧). وقال الحافظ ابن كثير بعد أن أورده: ورواه النسائي وفيه زيادة حسنة، وهو أنه عليه الصلاة والسلام لما اجتمع إليه الناس قال: باب خير، باب خير وذكر الحديث - (البداية والنهاية / ٣/ ٤٨٦) قلنا: والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٠) وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير وهو ثقة. (مجمع الزوائد ٦/ ١٥٦).
-
٢٣٥ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: لما أتي رسولَ الله مصابُ جعفر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد مرّ