كتاب مبعث رسول الله ﷺ تسليما كثيرا وذكر شيء من البشارات بذلك
٢٢ فقرة، ج ١ ص ٥١
- ج ١ ص ٥١
قال محمد بن إسحاق رحمه اللَّه تعالى:
وكانت الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول اللَّه ﷺ . قبل مبعثه لما تقارب زمانه.
-
أما الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى: فمما وجدوا في كتبهم من صفته، وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وقال اللَّه تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
ج ١ ص ٥٢آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] .
وقال اللَّه تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] .
-
وفي "صحيح البخاري" (١) عن ابن عباس قال:
"ما بعث اللَّه نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعِثَ محمدٌ وهو حي لَيُؤْمِنَنَّ به ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق: لئن بُعثَ محمدٌ وهم أحياء لَيُؤْمِنُنَّ به وَلَيَنْصُرُنهُ" .
- (١)لم أره فيه، وقد جهدت في الكشف عنه عبثًا، وذكره المؤلف في تفسير آية (آل عمران) من حديث علي وابن عباس دون عزو مطلقًا، وقلده الدكتور الهراس (ص ١٤)، وذكره السيوطي في "الخصائص" (١/ ٢٢) عن السدي قوله من رواية ابن أبي حاتم.
-
يعلم من هذا أن جميع الأنبياء بشروا به، وأمروا باتباعه.
-
وقد قال إبراهيم عليه السلام فيما دعا به لأهل مكة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
- وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال:
-
قلت: يا رسول اللَّه! ما كان بدء أمرك؟ قال:
ج ١ ص ٥٣"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام" (١) .
- (١)"المسند" (٥/ ٢٦٢)، وإسناده جيد في الشواهد، والطريق التي بعده من شواهده.
-
ورواه محمد بن إسحاق من طريق أخرى عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ! عنه مثله (٢) .
- (٢)قد ساق المؤلف متنه بتمامه فيما تقدم (ص ١٦) مُجَوِّدًا إسناده، وطرفه الأول (ص ١٣)، وقد خرجته هناك مُصَحِّحًا.
-
ومعنى هذا أنه أراد بدء أمره بين الناس واشتهار ذكره وانتشاره، فذكر دعوة إبراهيم الذي تنسب إليه العرب، ثم بشرى عيسى الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل. يدل هذا على أن مَنْ بينهما من الأنبياء بشروا به أيضًا.
-
وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى، وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة، وللَّه الحمد والمنة.
-
ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام، وكان فتحها صلحًا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه .
-
أما في الملأ الأعلى؛ فقد كان أمره مشهورًا مذكورًا معلومًا مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدم عليه الصلاة والسلام : كما فيما روى أحمد بسنده عن العرباض بن سارية قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"إني عند اللَّه خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول
ج ١ ص ٥٤ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت. . . " (١)
- (١)"المسند" (٤/ ١٢٧ و ١٢٨) بإسناد فيه جهالة، وفي متنه نكارة؛ فإن في آخره زيادة بلفظ: "وكذلك أمهات النبيين ترين" (١): لأنها مع ضعف إسنادها لم ترد -فيما علمت- في طريق أخرى، ولذلك خرجت الحديث في "الضعيفة" (٢٠٨٥)، وأوردت سائره هنا: لأن له شواهد تقدم بعضها، وبعضها يأتي عقبه.
- وروى الإمام أحمد أيضًا عن ميسرة الفجر قال:
-
قلت: يا رسول اللَّه! متى كنت نبيًّا؟ قال:
"وآدم بين الروح والجسد " (٢) .
- (٢)قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم، وله شواهد خرجتها في "الصحيحة" (١٨٥٦)؛ منها: حديث أبي هريرة الآتي بعده.
-
إسناده جيد.
-
وقد رواه ابن شاهي في "دلائل النبوة " من حديث أبي هريرة قال:
سئل رسول اللَّه ﷺ : متى وجبت لك النبوة؟ قال:
"بين خلق آدم ونفخ الروح فيه " (٣) .
- (٣)قلت: وأخرجه ابن حبان أيضًا، وهو مخرج في المصدر الآنف الذكر. _________ (١) في الأصل تبعًا لأصله: "المؤمنين" دون قوله: "ترين"، والتصويب من "المسند"، وقد أعاده فيما بعد مع بعض الأحاديث التالية على الخطأ أيضًا، فكأنه من المؤلف. واللَّه أعلم.
-
وفي رواية:
"وآدم منجدل في طينته".
- ورَوَى من حديث ابن عباس:
-
قيل: يا رسول اللَّه! متى كنت نبيًّا؟ قال:
"وآدم بين الروح والجسد" (١) .
- (١)قلت: وأخرجه ابن حبان أيضًا، وهو مخرج في "الصحيحة" (١٨٥٦).
- ج ١ ص ٥٦
وأما الكهان من العرب؛ فأتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع، إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض (١) أموره، ولا يلقي العرب لذلك فيه بالًا حتى بعثه اللَّه تعالى، ووقعت تلك الأمير التي كانوا يذكرون فعرفوها.
- (١)الأصل تبعًا لأصله: "بعض ذكر" على القلب! والتصحيح من "ابن هشام" (١/ ٢١٧).
-
فلما تقارب أمر رسول اللَّه ﷺ وحضر زمان بعثه: حُجِبَتِ الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الشياطين أن ذلك لأمر حدث من أمر اللَّه عز وجل .
قال [ابن إسحاق] :
وفي ذلك أنزل اللَّه على رسوله ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ و ٢] إلى آخر السورة.
-
وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا "التفسير" ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ و ٣٠] الآيات. ذكرنا تفسير ذلك كله هناك.