ذكر إسلام أبي ذر رضي الله عنه
١٦ فقرة، ج ١ ص ١٢٥
- ج ١ ص ١٢٥
روى البيهقي عن الحاكم (١) بسنده عن أبي ذر قال:
كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي تلاثة نفر، وأنا الرابع، أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه! أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه. فرأيت الاستبشار في وجه رسول اللَّه ﷺ .
- (١)قلت: قد أخرجه في "المستدرك" (٣/ ٣٤٢)، فكان عزوه إليه أولى، وله مثل هذا النزول كثير، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي.
-
هذا سياق مختصر.
-
وقد رواه البخاري (٢) عن ابن عباس قال:
لما بلغ أبا ذر مبعث رسول اللَّه ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي؛ فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني.
- (٢)رقم (٣٥٢٢ و ٣٨٦١)، والسياق للموضع الثاني منهما، وهو رواية لمسلم (٧/ ١٥٥ - ١٥٧)، واستدركه الحاكم (٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩) فوهم.
-
فانطلق الأخ (٣) ، حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع قال أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر.
فقال: ما شفيتني مما أردت.
- (٣)هذا لفظ البخاري، وفي الأصل: "الآخر"، وهو لفظ مسلم.
- ج ١ ص ١٢٦
فتزود وحمل شَنَّةً [له] فيها ماء، حتى قدم (مكة) ، فأتى المسجد، فالتمس رسول اللَّه ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل (١) ، فرآه عليٌّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.
- (١)زاد مسلم: "فاضطجع"، وقد زادها محقق الأصل قائلًا فى التعليق: "ليست في البخاري"! ولم يزد!
-
حتى إذا كان يوم الثالث فعاد عليٌّ على مثل ذلك، فأقام معه، فقال: ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلتُ. ففعل، فأخبره. قال: فإنه حق، وإنه رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيتُ شيئًا أخاف عليك؛ قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ :
"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري" .
فقال: والذي نفسي بيده (٢) ؛ لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه. ثم قام القوم، فضربوه حتى أضجعوه (٣) ، فأتى العباس، فأكب عليه، فقال: ويلكم!
- (٢)الأصل: "والذي بعثك بالحق"، والتصحيح من "البخاري" و"مسلم"،
- (٣)كذا الأصل، وهو مطابق لرواية مسلم، وزاد: "على الأرض"، ولفظ البخاري: "أوجعوه".
- ج ١ ص ١٢٧
ألستم تعلمون أنه من غفار؛ وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟! فأنقذه منهم.
-
ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه.
-
هذا لفظ البخاري.
-
وقد جاء إسلامه مبسوطًا في "صحيح مسلم" وغيره، فروى أحمد عن عبد اللَّه بن الصامت [قال:] قال أبو ذر:
خرجنا من قومنا غفار -وكانوا يُحلون الشهر الحرام- أنا وأخي أُنَيْسٌ وأُمُّنا، فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا ذي مال وذي هيئة، فأكرمنا خالنا، وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس. فجاء خالنا فَنَثَى (١) عليه ما قيل له، فقلت له: أما ما مضى من معروفك؛ فقد كدرته، ولا جماع لنا فيما بعد.
قال: فقربنا صِرْمَتَنَا (٢) فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثَوْبَهُ، وجعل يبكي.
قال: فانطلقنا حتى نزلنا بِحَضْرَةِ (مكة) ، قال: فَنَافَرَ أنيس [رجلًا] عن صِرْمَتِنا وعن مثلها (٣) ، فأتيا الكاهن، فخيَّر أنيسًا، فأتانا بصرمتنا ومثلها.
- (١)أي: أظهره وحدث به.
- (٢)هي القطعة من الإبل، وتطلق أيضًا على القطعة من الغنم.
- (٣)معناه: تراهن هو وآخر أيهما أفضل؟ وكان الرهن صرمة ذا وصرمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين، فتحاكما إلى الكاهن، فحكم بأن أنيسًا أفضل، وهو معنى قوله: "فخير أنيسًا"؛ أي: جعله الخيار والأفضل. نووي.
-
وقد صليت يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول اللَّه ﷺ ثلاث سنين.
ج ١ ص ١٢٨قال: قلت: لمن؟ قال: للَّه. قال: فأين تَوَجَّهُ؟ قال: حيث وجهني اللَّه. قال: وأصلي عشاء، حتى إذا كان من آخر الليل أُلْقِيتُ كأني خِفاء (١) حتى تعلوني الشمس.
قال: فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني (٢) حتى آتيك.
قال: فانطلق فراث عليَّ، ثم أتاني، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا يزعم أن اللَّه عز وجل أرسله على دينك. قال: فقلت: ما يقول الناس له؟ قال: يقولون: إنه شاعر وساحر [وكاهن] . وكان أنيس شاعرًا.
قال: فقال: قد سمعت قول الكهان، فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على أقراء الشعر (٣) ، فواللَّه؛ ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، واللَّه؛ إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.
قال: فقلت له: هل أنت كافيَّ حتى أنطلق فأنظر؟ قال: نعم، وكن من أهل (مكة) على حذر؛ فإنهم قد شَنِفوا له (٤) ، وتجهموا له.
قال: فانطلقت حتى قدمت (مكة) ، فتضعفت رجلًا منهم، فقلت: أين هذا الرجل الذي تدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إليَّ. [قال: الصابئ. قال: ] فمال أهل الوادي عليَّ بكل مَدَرَة وعظم، حتى خررت مغشيًّا عليّ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر (٥) .
- (١)أي: كساء؛ وزنًا ومعنى.
- (٢)الأصل: "فألقني"، والتصويب من "المسند" و"مسلم"، والزيادة منهما.
- (٣)أي: طرقه وأنواعه.
- (٤)الأصل: "شنعوا"، والتصويب من "المسند" و"مسلم"؛ أي: أبغضوه.
- (٥)أي: من كثرة الدماء.
- ج ١ ص ١٢٩
فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عني الدم، ودخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت به ابنَ أخي! ثلاثين من بين يوم وليلة؛ وما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سُخْفة جوع (١) .
قال: فبينا أهل (مكة) في ليلة قمراء إضحيان، فضرب اللَّه على أصمخة أهل (مكة) ، فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا عليَّ وهما تدعوان (إساف) (ونائلة) ، فقلت: أنكحوا أحدهما الآخر! فما ثناهما ذلك، قال: فأتتا عليَّ، فقلت: وَهَنٌ مثل الخشبة. غير أني لم أَكْنِ (٢) .
قال: فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا!
قال: فاستقبلهما رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وهما هابطان من الجبل، فقال: "ما لكما؟ " . فقالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قالا: "ما قال لكما؟ " . قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم!
قال: فجاء رسول اللَّه ﷺ هو وصاحبه حتى استلم الحجر، فطاف بالبيت، ثم صلى.
قال: فأتيته، فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام، فقال:
"عليك السلام ورحمة اللَّه (٣) ، ممن أنت؟ " .
ج ١ ص ١٣٠قال: قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضعها على جبهته. قال: فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار. قال: فأردت أن آخذ بيده، فَقَدَعَنِي (١) صاحبه، وكان أعلم به مني، قال:
"متى كنت هاهنا؟ " .
قال: قلت: كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم. قال:
"فمن كان يطعمك؟ " .
قلت: ما كان إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سُخْفَة جوع. قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"إنها مباركة، وإنها طعام طُعم" (٢) .
قال: فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول اللَّه! في طعامه الليلة. قال: ففعل.
قال: فانطلق النبي ﷺ ، [وانطلق أبو بكر] (٣) ، وانطلقت معهما، حتى فتح أبو بكر بابًا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. قال: فكان ذلك أول طعام أكلته بها، فلبثت ما لبثت، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"إني قد وجِّهتُ إلى (٤) أرض ذات نخل، ولا أحسبها إلا (يثرب) ، فهل أنت مبلغ عني قومك؛ لعل اللَّه عز وجل ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ " .
ج ١ ص ١٣١قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أُنيسًا، قال: فقال لي: ما صنعتَ؟ قال: قلت: إني صنعتُ أني أسلمتُ وصَدَّقْتُ. قال: قال: فما لي رغبة عن دينك؛ فإني قد أسلمتُ وصَدَّقْتُ.
- (١)بفتح السين وضمها، وهي: رقة الجوع وضعفه وهزاله.
- (٢)الأصل: "وهنَّ مثل الخشبة. غير أني لم أركن"! والتصويب من "المسند"، ونحوه في "مسلم". و (الهن) و (الهنة) بتخفيف نونهما هو: كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفرج والذكر، فقال لهما أو مثل الخشبة في الفرج، وأراد بذلك سب إساف ونائلة وغيظ الكفار بذلك. نووي.
- (٣)كذا الأصل، وفي "المسند": "عليك ورحمة اللَّه"، وفي مسلم: "وعليك. . .".
- (١)أي: كفني، ووقع في الأصل: "فقذفني"، وهو خطأ.
- (٢)زاد الطيالسي وغيره: "وشفاء سُقم". وبعضهم يعزوها لمسلم، وهو وهم.
- (٣)سقطت من الأصل، واستدركتها من "المسند"، ونحوه في "مسلم".
- (٤)في "مسلم": "لي".
-
ثم أتينا أُمَّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما؛ فإني قد أسلمتُ وصَدَّقْتُ.
-
فتحملنا حتى أتينا قومنا (غفارًا) ، فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول اللَّه ﷺ (المدينة) ، وكان يؤمهم خُفَاف بن (١) إيماء بن رَحَضة، وكان سيدهم يومئذٍ، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول اللَّه ﷺ أسلمنا. فقدم رسول اللَّه ﷺ (المدينة) ، فأسلم بقيتهم.
قال: وجاءت (أسلم) ، فقالوا: يا رسول اللَّه! إخوانُنا؛ نُسْلِمُ على الذي أسلموا عليه. فأسلموا، فقال رسول اللَّه ﷺ :
" (غفار) غفر اللَّه لها، و (أسلم) سالمها اللَّه" (٢) .
- (١)سقط من "مسلم": "خفاف بن"، وهو رواية لأحمد.
- (٢)"مسند أحمد" (٥/ ١٧٤ - ١٧٥)، ومسلم (٧/ ١٥٣ - ١٥٥)، وأبو نعيم (ص ٨٤ - ٨٦)، ورواه الحاكم (٣/ ٣٣٩ - ٣٤١) من طريق أخرى عن أبي ذر نحوه. وقال الذهبي: "إسناده صالح".
-
ورواه مسلم نحوه، وقد روى قصة إسلامه على وجه آخر، وفيه زيادات غريبة. فاللَّه أعلم.
-
وتقدم ذكر إسلام سلمان الفارسي في (كتاب البشارات بمبعثه عليه الصلاة والسلام (٣) .
- (٣)(ص ٦٢).