باب أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام وأمره له بالصبر والاحتمال والإعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم وإرسال الرسول الأعظم إليهم وذكر ما لقي من الأذية منهم هو وأصحابه رضي الله عنهم
٧ فقرات، ج ١ ص ١٣٤
- ج ١ ص ١٣٤
قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢٢٠] .
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] ؛ أي: إن الذي فرض عليك وأوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة، وهي المعاد، فيسألك عن ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) ﴾ [الحجر: ٩٢ و ٩٣] .
-
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا "التفسير" ، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة (الشعراء) :
ج ١ ص ١٣٥﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وأوردنا أحاديث جمة في ذلك.
-
فمن ذلك ما أخرجه أحمد والشيخان (١) عن ابن عباس قال:
لما أنزل اللَّه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى النبي ﷺ (الصفا) ، فصعد عليه، ثم نادى: "يا صباحاه! " . فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه؛ وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول اللَّه ﷺ :
"يا بني عبد المطلب! يا بني فهر! يا بني لؤي! (٢) أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ " . قالوا: نعم. قال:
"فإني ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] " .
فقال أبو لهب -لعنه اللَّه-: تبًا لك سائر اليوم! أما دعوتنا إلا لهذا؟ ! وأنزل الله عز وجل : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
- (١)أحمد (١/ ٢٨١ و ٣٠٧)، والبخاري (١٣٩٤ و ٣٥٢٥ و ٣٥٢٦ و ٤٧٧٠ و ٤٨٠١ و ٤٩٧١ و ٤٩٧٢ و ٤٩٧٣)، ومسلم (رقم ٣٥٥ و ٥٥٦ - عبد الباقي)، وابن جرير أيضًا (٩/ ٣١٢).
- (٢)الأصل: "بني كعب"، والتصويب من "المسند"، والسياق له، وكذلك وقع عند البلاذري من وجه آخر عن ابن عباس؛ كما في "الفتح" (٨/ ٥٠٢).
-
وأخرج أحمد (٣) -والسياق له- والشيخان عن أبي هريرة قال:
لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دعا رسول اللَّه ﷺ قريشًا، فعم وخصَّ، فقال:
ج ١ ص ١٣٦"يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب [بن لؤي] ! أنقذوا أنفسكم من النار، [يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار] ، يا معشر بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني -واللَّه- لا أملك لكم من اللَّه شيئًا؛ إلا أن لكم رَحِمًا سأبلها ببلالها" .
- (٣)في "المسند" (٢/ ٣٦٠ و ٥١٩)، ومسلم (٣٤٨) من طريق موسى بن طلحة، وأحمد أيضًا (٢/ ٣٥٠ و ٣٩٨ و ٤٤٨)، والبخاري (٢٧٥٣ و ٣٥٢٧ و ٤٧٧١)، ومسلم (٣٥١) من طرق أخرى؛ كلهم عن أبي هريرة.
- وروى أحمد ومسلم (١) عن عائشة رضي الله عنها قالت:
-
لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قام رسول اللَّه ﷺ فقال:
"يا فاطمة بنت محمد! يا صفية بنت عبد المطلب! يا بني عبد المطلب! لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم" .
-
وروى الإمام أحمد في "مسنده" (٢) عن علي [قال: جمع رسول اللَّه ﷺ - أو: دعا رسول اللَّه ﷺ بني عبد المطلب؛ فيهم رهط كلهم يأكل
ج ١ ص ١٣٧الجَذَعَة (١) ، ويشرب الفَرَق، قال: فصنع لهم مدًّا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، قال: وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغُمَر، فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب، فقال:
"يا بني عبد المطلب! إني بعثت لكم خاصة؛ وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ " .
قال: فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت إليه، وكنت أصغر القوم، قال: فقال: "اجلس" ، قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: "اجلس" ، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي].
- (٢)(١/ ١٥٩)، وإسناده جيد، ورواه ابن جرير (٢/ ٣٢١). واعلم أن هذا الحديث لم يسق المؤلف متنه، وإنما أشار إليه كشاهد لمتن حديث آخر أتم وأطول من هذا؛ ساقه من طريق أخرى عن علي، أعرضت عن ذكره لأنه ليس على شرطي؛ لأن في سنده من لم يسم، وفي متنه نكارة. ثم ذكره من رواية ابن جرير -يعني: في "التاريخ" (٢/ ٣١٩ - ٣٢١) - وفيه شيعي كذاب، ثم من رواية ابن أبي حاتم، وفيه شيعيان ضعيفان، وهي إلى ذلك روايات مختلفة يزيد بعضهم على بعض، وفي بعضها: "أيكم يقضي عني ديني، ويكون خليفتي في أهلي؟ ". قلت: أنا يا رسول اللَّه! ثم قال المؤلف: = = "وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم. وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عباد بن عبد اللَّه الأسدي، وربيعة بن ناجد عن علي نحو ما تقدم، أو كالشاهد له. واللَّه أعلم". قلت: حديث ربيعة خيرها إسنادًا، وهو هذا الذي سقته، ولا يصلح شاهدًا؛ لأنه مختصر جدًّا بالنسبة للمتن الذي ساقه المؤلف، وحديث عباد بن عبد اللَّه الذي أشار إليه مختصر أيضًا عند أحمد (١/ ١١١) -مع ضعف عباد- وفيه: "ويكون خليفتي في أهلي". وقد رواه بعض الشيعة بلفظ: "خليفتي من بعدي"، وهو من موضوعاتهم؛ كما كنت بينته في "الضعيفة".
- (١)["الجَذَعَة": التي يُضَحَّى بها. و"الفَرَق": إناء. و"دعا بغُمَر": دعا بقدح]. الناشر.