[المستدرك]
٥٦ فقرة، ج ١ ص ١٣٧
الصفحة ١ من ٢
- عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت:
-
لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فِهْرٌ (٢) ، وهي تقول:
مذممًا أبينا … ودينه قلينا … وأمره عصينا
ج ١ ص ١٣٨والنبي ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول اللَّه! قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول اللَّه ﷺ :
"إنها لن تراني" .
- (٢)[أي: حَجَرٌ]. الناشر.
-
وقرأ قرآنًا، فاعتصم به كما قال [تعالى] ، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] ، فوقفتْ على أبي بكر، ولم تر رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا أبا بكر! إني أخبرت أن صاحبك هجاني. فقال: لا ورب هذا البيت؛ ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها.
-
أخرجه الحاكم (٢/ ٣٦١) وقال: "صحيح الإسناد" ، ووافقه الذهبي، وابن حبان (٢١٠٣) ، وأبو نعيم (ص ٦١) من طريق أخرى عن ابن عباس نحوه. وصححه ابن أبي حاتم أيضًا؛ كما في "الدر المنثور" (٤/ ١٨٦) ، وله عنده شاهد من حديث أبي بكر.
- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
-
جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ ذات يوم وهو جالس حزينًا؛ قد خضب بالدماء؛ ضربه بعض أهل (مكة) ، قال: فقال له: ما لك؟ قال: فقال له: "فعل بي هؤلاء وفعلوا" .
قال: فقال له جبريل عليه السلام : أتحب أن أريك آية؟ قال: "نعم" .
قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بتلك الشجرة. فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. فقال: مرها فلترجع. فأمرها
ج ١ ص ١٣٩فرجعت إلى مكانها. فقال رسول اللَّه ﷺ : "حسبي" .
-
أخرجه أحمد (٣/ ١١٣) ، وابن ماجه (٤٠٢٨) بسند صحيح (١) .
- (١)(تنبيه): نقل محمد فؤاد عبد الباقي عن "الزوائد" أنه قال: "فإذا إسناد صحيح إن كان أبو سفيان -واسمه طلحة بن نافع- سمع من جابر". كذا قال: "جابر"! وهو خطأ، والحديث حديث أنس عند ابن ماجه كأحمد، وقال الشيخ الساعاتي في "الفتح الرباني" (٢٠/ ٢٢١): "لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، ورجاله رجال (الصحيحين) "! ففاته أنه عند ابن ماجه.
- وعن عبد اللَّه بن الحارث بن جزء الزبيدي:
-
أنه مر وصاحب له بـ (أيمن) (٢) وفئة (٣) من قريش قد حلوا أزرهم؛ فجعلوها مخاريق (٤) يجتلدون بها وهم عراة، فلما مررنا بهم قالوا: إن هؤلاء قسيسون؛ فدعوهم.
- (٢)هو ابن أم أيمن، وهو أيمن بن عبيد بن زيد، وكان ممن بقي مع رسول اللَّه ﷺ يوم حنين ولم ينهزم؛ كما قال ابن عبد البر. والظاهر أنه تصادف وجود أيمن في هذا المكان، فشاركهم في عملهم، أو يكون ذلك قبل إسلامه. واللَّه أعلم. كذا في "الفتح الرباني".
- (٣)كذا في "المسند"، وفي "النهاية" و"الإصابة": "فتية"، ولعله الصواب.
- (٤)جمع مخراق، وهو في الأصل: ثوب يلف، ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا؛ كما في "النهاية".
-
ثم إن رسول اللَّه ﷺ خرج عليهم، فلما أبصروه تبددوا، فرجع رسول اللَّه ﷺ مغضبًا حتى دخل، وكنت أنا وراء الحجرة، فسمعته يقول:
ج ١ ص ١٤٠"سبحان اللَّه! لا من اللَّه استحيوا؛ ولا من رسوله استتروا! " .
-
وأم أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول اللَّه!
قال عبد اللَّه: فَبِلأْيٍ ما (١) استغفر لهم.
- (١)أي: بعد مشقة وجهد وإبطاء. "نهاية".
-
أخرجه أحمد (٤/ ١٩١) ، وإسناده صحيح، ورواه إبراهيم الحربي، والطبراني؛ كما في "الإصابة" .
-
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"ألا تعجبون كيف يصرف اللَّه عني شتم قريش ولعنهم؟! " . [قالوا: كيف يا رسول اللَّه؟ قال: ]
-
"يشتمون مذممًا، [وأنا محمد] ، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد" .
-
أخرجه البخاري (٣٥٣٣) ، والنسائي في "الطلاق" ، وأحمد (٢/ ٢٤٤ و ٣٤٠ و ٣٦٦) من طرق عنه. [انتهى المستدرك] .
-
وعن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير عن أبيه قال:
جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمر به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه؛ لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت.
-
فاستغضب، فجعلت أعجب! ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال:
ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرًا غيَّبه اللَّه عنه؛ لا يدري لو شهده
ج ١ ص ١٤١كيف كان يكون فيه؟! واللَّه؛ لقد حضر رسول اللَّه ﷺ أقوام أكبهم اللَّه على مناخرهم في جهنم؛ لم يجيبوه ولم يصدقوه.
-
أو لا تحمدون اللَّه إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم؛ مصدقين لما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم؟!
-
واللَّه؛ لقد بَعَثَ اللَّه النبي ﷺ على أشد حال بُعِثَ عليها فيه نبيٌّ من الأنبياء؛ في فترة وجاهلية؛ ما يرون أن دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرًا -وقد فتح اللَّه قفل قلبه للإيمان- يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها لَلَّتِي قال اللَّه عز وجل : ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] .
-
أخرجه أحمد (٦/ ٢ - ٣) ، وابن حبان (١٦٨٤) بسند صحيح رجاله كلهم ثقات.
-
والمقصود أن رسول اللَّه ﷺ استمر يدعو إلى اللَّه تعالى ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهرًا، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حر وعبد، وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء.
-
وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداءُ الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية.
- ج ١ ص ١٤٢
وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان.
-
وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسول اللَّه ﷺ أحب خلق اللَّه إليه طبعًا، وكان يحنو عليه، ويحسن إليه، ويدافع عنه ويحامي، ويخالف قومه في ذلك؛ مع أنه على دينهم وعلى خلتهم؛ إلا أن اللَّه قد امتحن قلبه بحبه حبًّا طبعيًّا لا شرعيًّا.
-
وكان استمراره على دين قومه من حكمة اللَّه تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية؛ إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولا جترؤوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء بليه، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٢٨] ، وقد قسم خلقه أنواعًا وأجناسًا.
-
فهذان العمان كافران: أبو طالب وأبو لهب، ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من النار، وذلك في الدرك الأسفل من النار، وأنزل اللَّه فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، وتقرأ في المواعظ والخطب، تتضمن أنه ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٣ و ٤] .
-
روى الإمام أحمد (١) ، والبيهقي عن ربيعة بن عباد من بني الديل -وكان جاهليًّا فأسلم- قال:
ج ١ ص ١٤٣رأيت رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية في سوق (ذي المجاز) وهو يقول:
"يا أيها الناس! قولوا: (لا إله إلا اللَّه) تفلحوا" .
- (١)في "المسند" (٣/ ٤٩٢ و ٤/ ٣٤١)، والطبراني في "الكبير" (٤٥٨٢) من طريق عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد. . . وهذا إسناد جيد. ثم أخرجاه من طرق أخرى عن ربيعة به، ويأتي أحدها بعده، وله شاهد من حديث طارق بن عبد اللَّه المحاربي. أخرجه ابن سعد (٦/ ٤٢)، والحاكم (٢/ ٦١٢) وصححه، ووافقه الذهبي، وابن حبان (١٦٨٣).
-
والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيءُ الوجه أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب.
-
ثم رواه البيهقي (١) من طريق أخرى عن ربيعة الديلي قال:
رأيت رسول اللَّه ﷺ بـ (ذي المجاز) يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى اللَّه، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: يا أيها الناس! لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم.
قلت: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب.
- (١)قلت: وفاته أن الإمام أحمد رواه أيضًا (٣/ ٤٩٢) من هذه الطريق، وهي عن محمد بن المنكدر عن ربيعة، وإسناده حسن أيضًا، وكذا رواه الطبراني (٤٥٨٣ - ٤٥٨٧).
-
وأما أبو طالب؛ فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي؛ كما سيظهر من صنائعه وسجاياه واعتماده فيما يحامي به عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم .
-
وروى البخاري في "التاريخ" ، والبيهقي عن الحاكم (٢) من حديث عقيل بن أبي طالب قال:
ج ١ ص ١٤٤جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنا. فقال: يا عقيل! انطلق فأتني بمحمد. فانطلقت فاستخرجته من كنس، أو خنس - يقول: بيت صغير- فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلق رسول اللَّه ﷺ ببصره إلى السماء، فقال: "ترون هذه الشمس؟ " . قالوا: نعم. قال:
"فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة" .
فقال أبو طالب: واللَّه؛ ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا.
- (٢)قلت: وقد أخرجه في "المستدرك" (٣/ ٥٧٧) من وجه آخر غير الوجه الذي رواه عند البيهقي، ومدارهما على طلحة بن يحيى عن موسى بن طلحة: أخبرني عقيل. وإسناده حسن كما بينته في "الصحيحة" (٩٢)، وأما حديث: "يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني. . "؛ فلم أورده هنا لضعفه على شهرته، وقد بينت ذلك في "الضعيفة" (٩١٣).
-
وفي ذلك دلالة على أن اللَّه تعالى عصمه بعمه؛ مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما يشاء، لا معقّب لحكمه.
- وروى الإمام أحمد، والبخاري (١) عن ابن عباس قال:
-
قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال:
"لو فعل ذلك لأخذته الملائكة عيانًا" .
-
وفي رواية عنه قال:
مر أبو جهل بالنبي ﷺ وهو يصلي، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد!
- ج ١ ص ١٤٥
[فانتهره النبي ﷺ ، فقال له أبو جهل: لم تنهرني يا محمد! فواللَّه؛] لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديًا مني.
-
[قال:] فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) ﴾ [العلق: ١٧ و ١٨] .
-
[قال: فقال ابن عباس:] واللَّه؛ لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب.
-
رواه أحمد (١) ، والترمذي وصححه، والنسائي (٢) .
- (١)في "المسند" (١/ ٢٤٨ و ٢٥٦ و ٣٢٩)، والزيادات له، وسنده صحيح، والترمذي (٣٤٠٧)، وابن جرير أيضًا (٣٠/ ٢٥٦ - البابي الحلبي).
- (٢)الأصل: "وصححه النسائي"، وهو خطأ.
-
وروى أحمد (٣) ، ومسلم، والنسائى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن أبي هريرة قال:
قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ ! قالوا: نعم.
قال: فقال: واللات والعزى؛ لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسولَ اللَّه ﷺ وهو يصلي ليطأ رقبته. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه.
قال: فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه خندقًا من نار، وهولًا وأجنحة. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ :
"لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" .
ج ١ ص ١٤٦قال: وأنزل اللَّه تعالى -لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا-: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) ﴾ [العلق: ٦ و ٧] إلى آخر السورة.
- (٣)"المسند" (٢/ ٣٧٠)، ومسلم (٢٧٩٧)، وابن جرير (٣٠/ ٢٥٦)، وأشار إليه الترمذي (٥/ ١١٥)، وأبو نعيم (ص ٦٦).