[المستدرك]
٣٨ فقرة، ج ١ ص ٢٠٣
- عن علي رضي الله عنه قال:
-
قال أبو جهل للنبي ﷺ : قد نعلم يا محمد! أنك تصل الرحم، وتصدق الحديث، ولا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به. فأنزل اللَّه عز وجل : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
-
أخرجه الترمذي (٥٠٥٨) ، والحاكم (٢/ ٣١٥) وقال: "صحيح على شرط الشيخين" (٢) .
- وعن ابن عباس رضي الله عنهما :
-
أن أبا معيط كان يجلس مع النبي ﷺ بـ (مكة) لا يؤذيه، وكان رجلًا حليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط.
-
وقدم خليله من الشام ليلًا، فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشد مما كان أمرًا. فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبا.
-
فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه، فلم يرد عليه التحية. فقال: ما لك لا ترد عليَّ تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوتَ؟!
قال: أو قد فعلتها قريش؟ ! قال: نعم.
قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟
قال: تأتيه في مجلسه، وتبزق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم!
-
ففعل، فلم يزد النبي ﷺ أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال:
"إن وجدتك خارجًا من جبال (مكة) أضرب عنقك صبرًا" .
-
فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج.
فقال له أصحابه: اخرج معنا.
قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجًا من جبال (مكة) أن يضرب عنقي صبرًا.
ج ١ ص ٢٠٥فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه.
-
فخرج معهم، فلما هزم اللَّه المشركين، وحل به جمله في جدد (١) من الأرض؛ فأخذه رسول اللَّه ﷺ أسيرًا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال:
"نعم؛ بما بزقت في وجهي" .
- (١)(الجدد) بالفتح: الأرض المستوية.
-
فأنزل اللَّه في أبي معيط (٢) : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩] .
- (٢)قلت: الظاهر أنها كنية عقبة بن أبي معيط؛ كما تقدم في رواية ابن إسحاق (ص ٢٠٠)، وذكرت هناك أن هذا شاهد له.
-
أخرجه ابن مردويه، وأبو نعيم في "الدلائل" بسند صحيح من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس؛ كما في "الدر المنثور" (٥/ ٦٨) .
- وعن ابن عباس أيضًا:
-
إن قريشًا وعدوا رسول اللَّه ﷺ أن يعطوه مالًا؛ فيكون أغنى رجل بـ (مكة) ، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد! وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء.
-
فإن لم تفعل؛ فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح.
قال: "ماهي؟ " .
ج ١ ص ٢٠٦قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة. قال: "حتى أنظر ما يأتي من عند ربي" .
-
وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) ﴾ [الحج: ٥٢] .
-
وذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحًا؛ لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضعها (١) .
- (١)قلت: عبارة المصنف في (تفسير آية الحج) أصرح في رد القصة وأتم؛ حيث قال: "قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة؛ ظنًا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. واللَّه أعلم". قلت: وقد حققت ذلك رواية ودراية بما لم أسبق إليه -فيما علمت- في رسالتي "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق"، وهي مطبوعة، فلتراجع فإنها هامة. ولا بد من التنبيه هنا إلى خطأ فاحش وقع فيه الشيخ (أبو زهرة)؛ حيث عزا في موضعين من كتابه (١/ ٤١٥ و ٤١٧) قصة الغرانيق هذه لـ"صحيح البخاري"! وإنما عنده ما يأتي قريبًا مما لا صلة له بها!
-
إلا أن أصل القصة في "الصحيح" .
- روى البخاري دون مسلم عن ابن عباس قال:
-
فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل اللَّه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ
ج ١ ص ٢٠٧الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦] .
-
أخرجه ابن جرير (٣٠/ ٣٣١) ، وابن أبي حاتم، والطبراني؛ كما في "الدر" (٦/ ٤٠٤) ، وإسناده حسن. [انتهى المستدرك] .
- ج ١ ص ٢٠٨
ثم ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى (مكة) .
-
وذلك حين بلغهم إسلام أهل (مكة) ، وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب.
-
وهو ما ثبت في "الصحيح" وغيره: أن رسول اللَّه ﷺ جلس يومًا مع المشركين، وأنزل اللَّه عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ. . .﴾ يقرؤها عليهم حتى ختمها، وسجد، فسجد من هناك من المسلمين والمشركين، والجن والإنس (١) .
- (١)قلت: سجود المشركين هذا معه ﷺ صحيح بلا ريب؛ كما يأتي قريبًا تخريجه، ولكن السياق المذكور وعزوه لـ "الصحيح لا فيه عندي نظر؛ لأنه ليس فيه، ولا في شيء من الروايات الأخرى التي وقفت عليها، وظني أنه من كلام المؤلف رواه بالمعنى. وأما بلوغ ذلك إلى مهاجرة الحبشة؛ وأنهم عادوا من أجل ذلك إلي (مكة)؛ فما لم أقف عليه في رواية صحيحة، وإنما هي مراسيل لا تقم بها حجة، وفيها ذكرت قصة الغرانيق الآتي الإشارة إليها.
-
سجد النبي ﷺ بـ (النجم) ، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس (٢) .
- (٢)البخاري (رقم ١٠٧١ و ٤٨٦٢)، واستدركه عليه الحاكم (٢/ ٤٦٨) فوهم، وأخرجه الترمذي أيضًا (٥٧٢)، وقال: "حديث حسن صحيح".
-
وروى هو ومسلم وأبو داود والنسائي (٣) عن عبد اللَّه (ابن مسعود) قال:
ج ١ ص ٢٠٩قرأ النبي ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بـ (مكة) ، فسجد فيها وسجد من معه؛ غير شيخ أخذ كفًّا من حصًا أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. فرأيته بَعْدُ قُتِلَ كافرًا (١) .
- (٣)قلت: النسائي إنما رياه مختصرًا جدًا بلفظ: "قرأ (النجم) فسجد فيها". وأخرجه بتمامه البخاري (١٠٦٧ و ١٠٧٠ و ٣٨٥٣ و ٣٩٧٢ و ٤٨٦٣)، ومسلم (٥٧٦)، وأبو داود (١٤٠٦)، والدرامي (١/ ٣٤٢) أيضًا، والطيالسي في "مسنده" (٢٨٣)، وأحمد (١/ ٣٨٨ و ٤٠١ و ٤٣٧ و ٤٤٣ و ٤٦٢)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
- (١)قلت: زاد البخاري في رواية: "وهو أمية بن خلف"، وانظر: "مختصر البخاري" (٥٥٦). وأمية هذا قتل في غزوة بدر؛ كما سيأتي فيها. قال الحافظ (٢/ ٥٥١): "ووقع في "سيرة ابن إسحاق": أنه الوليد بن المغيرة، وفيه نظر؛ لأنه لم يقتل". قلت: بل هو باطل لمخالفته لرواية البخاري هذه. وعن ابن إسحاق رواه ابن جرير في "التفسير" (١٧/ ١٨٧).
-
وروى أحمد وعنه النسائي عن المطلب بن أبي وداعة قال:
قرأ رسول اللَّه ﷺ بـ (مكة) سورة (النجم) ، فسجد، وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد.
-
ولم يكن أسلم يومئذٍ المطلب، فكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا يقرؤها إلا سجد معه (٢) .
- (٢)"المسند" (٣/ ٤٢٠)، وعنه النسائي (٢/ ١٢٣)، وكذا الحاكم (٣/ ٦٣٣)، وإسناده صحيح؛ كما قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٦١٥)، ومن العجيب أن الحاكم والذهبي بيضا له!!
-
وقد يجمع بين هذا والذي قبله بأن هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارًا، وذلك الشيخ الذي استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية. واللَّه أعلم.
-
والمقصود أن الناقل لا رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول اللَّه ﷺ ؛ اعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع بينهم.
-
فطار الخبر بذلك، وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها، فظنوا صحة ذلك،
ج ١ ص ٢١٠فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة، وكلاهما محسن مصيب فيما فعل.
وقال البخاري:
وقالت عائشة: قال رسول اللَّه ﷺ :
"أريت دار هجرتكم؛ ذات نخل بين لابتين" .
-
فهاجر من هاجر قِبلَ (المدينة) ، ورجع من كان هاجر بأرض الحبشة إلى (المدينة) .
-
وفيه عن أبي موسى وأسماء رضي الله عنهما عن النبي ﷺ (١) .
- (١)قلت: هذا كله من قول البخاري علقه في "صحيحه" (٧/ ١٨٦ - ١٨٧) تحت (٣٧ - باب هجرة الحبشة)، وحديث عائشة قد وصله البخاري في موضعين منه، وسأشير إليهما حين يسوقه المؤلف بتمامه في (هجرته ﷺ إلى المدينة). وحديث أبي موسى تقدم موصولًا هناك، وأما حديث أسماء؛ فسيأتي في رواية لأبي موسى؛ حيث أشار إليه المؤلف رحمه اللَّه تعالى.
-
وقد تقدم حديث أبي موسى (ص ١٧٠) ، وهو في "الصحيحين" ، وسيأتي حديث أسماء بنت عميس بعد فتح (خيبر) حي قدم من كان تأخر من مهاجرة الحبشة؛ إن شاء اللَّه، وبه الثقة.
-
وروى البخاري -واللفظ له- ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد اللَّه قال:
كنا نسلم على النبي ﷺ وهو يصلي، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا. فقلنا: يا رسول اللَّه! إنا كنا نسلم عليك فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي لم تردَّ علينا؟ قال:
ج ١ ص ٢١١"إن في الصلاة شغلًا" (١) .
- (١)قلت: وهو مخرج في كتابي "صحيح أبي داود" (٨٥٦).
-
وهو يقوي تأويل من تأول حديث زيد بن أرقم الثابت في "الصحيحين" :
كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام (٢) .
- (٢)قلت: وهو مخرج في "إرواء الغليل" (٣٩٣).
-
على أن المراد جنس الصحابة، فإن زيدًا أنصاري مدني، وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بـ (مكة) ، فتعين الحمل على ما تقدم.
-
وأما ذكره الآية -وهي مدنية- فمشكل، ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك، وإنما كان المحرم له غيرها معها. واللَّه أعلم (٣) .
- (٣)قلت: إنما جاء الإشكال من توهم أن رجوع ابن مسعود كان إلى (مكة)، ولا دليل على ذلك، والذي رجحه الحافظ أن رجوعه إلى (المدينة)، واستدل على ذلك بأمرين؛ أحدهما: حديثه الطويل في الهجرة إلى الحبشة، وقد مر (١٦٤ - ١٦٦)، وفي آخره: "ثم تعجل ابن مسعود حتى أدرك بدرًا". وراجع "الفتح" (٣/ ٧٤).