ذكر عزم الصديق على الهجرة إلى أرض الحبشة
١٢ فقرة، ج ١ ص ٢١٢
- ج ١ ص ٢١٢
قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه -كما حدثني محمد بن مسلم الزهري عن عروة عن عائشة- حين ضاقت عليه (مكة) ، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ما رأى؛ استأذن رسول اللَّه ﷺ في الهجرة؛ فأذن له.
-
فخرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجرًا؛ حتى إذا سار من (مكة) يومًا أو يومين لقيه ابن الدَّغِنَة -أخو بني الحارث بن يزيد؛ أحد بني بكر بن عبد مناة بن كنانة- وهو يومئذ سيد الأحابيش.
-
[قال ابن إسحاق: و (الأحابيش) : بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهُون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة.
قال ابن هشام: تحالفوا جميعًا، فسموا الأحابيش؛ لأنهم تحالفوا بوادٍ يقال له: (الأحبش) بأسفل (مكة) للحلف].
فقال [ابن الدغنة] : إلى أين يا أبا بكر؟
قال: أخرجني قومي، وآذوني، وضيقوا عليّ.
قال: ولم؟ واللَّه؛ إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكسب المعدوم، ارجع فإنك في جواري.
-
فرجع معه، حتى إذا دخل (مكة) قام معه ابن الدَّغِنة فقال: يا معشر قريش! إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير.
ج ١ ص ٢١٣قال: فكفوا عنه.
قالت: وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمَح، فكان يصلي فيه، وكان رجلًا رقيقًا؛ إذا قرأ القرآن استبكى.
قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء؛ يعجبون لما يرون من هيئته.
قال: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدَّغنة، فقالوا: يا ابن الدَّغنة! إنك لم تُجِر هذا الرجل ليؤذينا! إنه رجل إذا صلى وقرأ يرقّ وكانت له هيئة، ونحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء.
قالت: فمشى ابن الدَّغِنَة إليه فقال: يا أبا بكر! إني لم أجرك لتؤذي قومك، وقد كرهوا مكانك الذي أنت به، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت.
قال: أو أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه.
قال: فاردد عليّ جواري. قال: قد رددته عليك.
قال: فقام ابن الدَّغنة فقال: يا معشر قريش! إن ابن أبي قحافة قد رد عليّ جواري، فشأنكم بصاحبكم (١) .
- (١)قلت: إسناده جيد، ويقويه رواية البخاري التي بعده.
-
وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث منفردًا به (٢) ، وفيه زيادة حسنة،
ج ١ ص ٢١٤أخرجه عن عُقيل: قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت:
لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللَّه ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ (بَرك الغِماد) (١) لقيه ابن الدَّغنة، وهو سيد (القارة) (٢) ، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي.
فقال ابن الدَّغنة: فإن مثلك يا أبا بكر! لا يَخْرُجُ، ولا يُخْرَجُ مِثْلُهُ، إنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك.
- (٢)أي: ولم يروه مسلم، وهو كما قال، أخرجه البخاري (٤٧٦ و ٢١٣٨ و ٢٢٦٣ و ٢٢٦٤ و ٢٢٩٧ و ٣٩٠٥ و ٤٠٩٣ و ٥٨٠٧ و ٦٠٧٩) مختصرًا ومطولًا، وروى أحمد (٦/ ١٩٨) بعضه.
- (١)موضع وراء (مكة) بخمس ليال مما يلي البحر.
- (٢)قبيلة مشهورة، يضرب بهم المثل في قوة الرمي، فيقال: قد أنصف القارة من راماها.
-
فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ، أتخرجون رجلًا يُكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويَقْرِي الضيف، ويعين على نوائب الحق؟!
-
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغِنة، وقالوا لابن الدَّغِنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصلَّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يَفْتِنَ نساءنا وأبناءنا.
-
فقال ابن الدَّغِنة ذلك لأبي بكر.
- ج ١ ص ٢١٥
فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره.
-
ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدأ بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف [عليه] (١) نساء المشركين وأبناؤهم؛ يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءًا لا يملك عينه إذا قرأ القرآن.
- (١)قلت: وفي لفظ: "فيتقصّف"؛ أي: يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر، وأطلق (يتقصف) مبالغة، قال الخطابي: "هذا هو المحفوظ". كذا في "الفتح" (٧/ ٢٣٤).
-
فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك؛ فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا، فانْهَهُ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك؛ فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فأتى ابن الدَّغِنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إليّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أُخفرتُ في رجل عقدتُ له.
فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه عز وجل .
-
ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر رضي الله عنه مع رسول اللَّه ﷺ ؛ كما سيأتي مبسوطًا.