فصل
٨ فقرات، ج ١ ص ٢٢٦
- ج ١ ص ٢٢٦
وذكر البيهقي هاهنا دعاء النبي ﷺ على قريش حين استعصت عليه بسبع مثل سبع يوسف.
-
وأورد ما أخرجاه في "الصحيح" عن ابن مسعود قال:
خمس [قد] مضين: اللزام، والروم، والدخان، والبطشة، والقمر (١) .
- (١)البخاري (٤٧٦٧ و ٤٨٢٠ و ٤٨٢٥)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٤١)، وابن جرير في "التفسير" (٢٥/ ١٢).
-
وفي رواية عن ابن مسعود. قال:
إن قريشًا لما استعصت على رسول اللَّه ﷺ ، وأبطؤوا عن الإسلام؛ قال:
"اللهم! أَعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف" .
قال: فأصابتهم سَنَة حتى حَصَّتْ (٢) كلَّ شيء، حتى أكلوا الجيف، وحتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، ثم دعا، فكشف اللَّه عنهم، ثم قرأ عبد اللَّه هذه الآية: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) ﴾ [الدخان: ١٥] .
قال: فعادوا فكفروا، فَأُخِّرُوا إلى يوم بدر (٣) .
ج ١ ص ٢٢٧قال عبد اللَّه: إن ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم؛ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) ﴾ [الدخان: ١٦] ؛ قال: يوم بدر (١) .
- (٢)[أىِ: استأصلت]. الناشر.
- (٣)الأصل: "فَأُخِّرُوا إلى يوم القيامة، أو قال: فَأُخِّرُوا إلى يوم بدر". وهو خطأ ظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يكون من كلام ابن مسعود وهو يجزم عقبه مباشرة برد أن ذلك يكون يوم القيامة، ويقطع بأنه كان يوم بدر، وهو الذي تدل عليه كل روايات الحديث عند الشيخين وغيرهما؛ بل في بعضها أنه إنما ساق الحديث للرد على من تأول آية الدخان بأنها يوم القيامة، فعند مسلم = = (٢٧٩٨/ ٤٠) عن مسروق قال: جاء إلى عبد اللَّه رجل فقال: تركت في المسجد رجلًا يفسر القرآن برأيه، يفسر هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]؛ قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان، فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام. فقال عبد اللَّه: من علم علمًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: اللَّه أعلم. فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: اللَّه أعلم. إنما كان هذا؛ أن قريشًا لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد؛ حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء؛ فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام. . . الحديث. وزاد البخاري في رواية بعد آية العذاب: "أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء؟! ". ونحوه لمسلم.
- (١)الحديث عند البخاري (١٠٠٧ و ١٠٢٠ و ٤٦٩٣ و ٤٧٧٤ و ٤٨٠٩ و ٤٨٢٠ و ٤٨٢١)، ومسلم (٢٧٩٨/ ٣٩ و ٤٠)، وكذا الترمذي (٣٣٠٧) وصححه، وابن جرير (٢٥/ ١١١ - ١١٢)، والطيالسي (٢٩٣)، وأحمد (١/ ٣٨٠ - ٣٨١ و ٤٣٤ و ٤٤١) مختصرًا ومطولًا بمعنى ما ذكره المؤلف لا بلفظه، وبعض رواياته مركبة من أكثر من رواية.
-
وفي رواية عنه قال:
لما رأى رسول اللَّه ﷺ من الناس إدبارًا قال:
"اللهم! سبع كسبع يوسف" .
-
فأخذتهم سَنَةٌ؛ حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل (مكة) ، فقالوا: يا محمد! إنك تزعم أنك بعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا؛ فادع اللَّه لهم.
- ج ١ ص ٢٢٨
فدعا رسول اللَّه ﷺ ، فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعًا، فشكا الناس كثرة المطر، فقال:
"اللهم! حوالينا ولا علينا" .
-
فانحدرت السحابة (١) عن رأسه، فَسُقِيَ الناس حولهم.
قال: لقد مضت آية الدخان، وهو الجوع الذي أصابهم، وذلك قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) ﴾ [الدخان: ١٥] ، وآية الروم، والبطشة الكبرى، وانشقاف القمر، وذلك كله يوم بدر (٢) .
ج ١ ص ٢٢٩قال البيهقي: يريد -واللَّه أعلم- البطشة الكبرى، والدخان، وآية اللزام كلها حصلت بـ (بدر) .
قال: وقد أشار البخاري إلى هذه الرواية (١) .
- (١)الأصل: "فانجذب السحاب"، والتصحيح من "البخاري"و "الدر".
- (٢)هذه الرواية ليست للشيخين؛ وإنما هي للبيهقي؛ كما في "الفتح" (٢/ ٥١١)، و"الدر المنثور" (٦/ ٢٨)، وإنما للبخاري الشطر الثاني منها معلقًا، ووصلها الجوزقي والبيهقي، وفي إسنادها أسباط بن نصر؛ قال في "التقريب": "صدوق كثير الخطأ"، وفي روايته نكارة ظاهرة؛ وهي قوله: "وذلك كله يوم بدر"؛ لأن انشقاق القمر إنما كان في (مكة)؛ كما هو معلوم في أحاديث كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، وقد لاحظ هذا الإمام البيهقي، ولهذا فسر الرواية بأن راويها لم يرد آية القمر. ولا يخفى أن هذا نوع من التأويل قد يستساغ حين تكون الرواية سالمة من الضعف، وهذه ليست كذلك؛ كما سبق بيانه. على أنه قد خفي على البيهقي أن فيها نكارة أخرى؛ وهي جعله آية الدخان مما وقع يوم بدر، وهي إنما وقعت في (مكة)؛ كما هو الظاهر من روايات الحديث؛ بل قد صرح بذلك ابن مردويه في روايته عن ابن مسعود: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: "جوع أصاب الناس بـ (مكة) "؛ كما في "الدر" (٦/ ٢٨). على أن فيه نكارة أخرى؛ وهي قوله: "فشكا الناس. . . فسقي الناس حولهم"، فإن هذا في حديث أنس في استسقائه ﷺ في (المدينة) (انظر مختصر البخاري ٤٩٧)، فاختلط على الراوي هذا بحديث الباب فأدخله فيه، وذلك مما جزم به الداودي وغيره، ونسبوا أسباط بن نصر إلى الغلط فيه. وقد حاول الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥١١) تبرئته من ذلك بشاهد ذكره من حديث كعب بن = = مرة أو مرة بن كعب، ويأتي بيان ما فيه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. وأما آية الروم ففيها قول آخر؛ وهو أنها وقعت عام الحديبية، ولم أجد ما يرجح أحدهما على الآخر، وقد ذكرهما المؤلف في "تفسيره"، وقال: "والأمر في هذا سهل قريب".
- (١)قلت: وذلك في تعليقه إياها كما تقدم.
-
ثم أورد من حديث ابن عباس قال:
جاء أبو سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ يستغيث من الجوع؛ لأنهم لم يجدوا شيئًا حتى أكلوا العهن (٢) ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) ﴾ [المؤمنون: ٧٦] .
قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ حتى فرج اللَّه عنهم (٣) .
ثم قال الحافظ البيهقي:
وقد روي في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة، ولعله كان
ج ١ ص ٢٣٠مرتين. واللَّه أعلم (١) .
- (٢)كذا الأصل، والصواب: "العِلهز"؛ كما في "المستدرك" وغيره من المصادر الآتية، قال ابن الأثير: "هو شيء يتخذونه في سني المجاعة؛ يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه".
- (٣)قلت: وإسناده صحيح، وقد رواه النسائي، وابن أبي حاتم -كما في "تفسير المؤلف"- وابن جرير (١٨/ ٤٥)، وصححه الحاكم (٢/ ٣٩٤)، ووافقه الذهبي.
- (١)قلت: كأنه يشير إلى ما أخرجه في "الدلائل"؛ كما في "الفتح" (٢/ ٥١١)؛ قال الحافظ: "ثم وجدت في "الدلائل" للبيهقي من طريق شبابة عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة -أو مرة بن كعب- قال: دعا رسول اللَّه ﷺ . على مضر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع اللَّه لقومك؛ فإنهم قد هلكوا. ورواه أحمد (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، وابن ماجه (١٢٦٩) من رواية الأعمش عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد عن كعب بن مرة ولم يشك، فأبهم أبا سفيان؛ قال: جاءه رجل فقال: استسق اللَّه لمضر. فقال: "إنك لجريء! ألمضر؟! ". قال: يا رسول اللَّه! استنصرت اللَّه فنصرك، ودعوت اللَّه فأجابك. فرفع يديه فقال: "اللهم! اسقنا غيثًا مغيثًا مريعًا مريئًا طَبَقًا عاجلًا غير رائث، نافعًا غير ضار". قال: فأجيبوا. فما لبثوا أن أتوه فشكوا إليه كثرة المطر، فقالوا: تهدمت البيوت. فرفع يديه وقال: "اللهم! حوالينا ولا علينا". فجعل السحاب يتقطع يمينًا وشمالًا. فظهر بذلك أن الرجل هو أبو سفيان؛ لكن يظهر لي أن قائل:"قال: يا رسول اللَّه! استنصرت اللَّه. . " إلخ هو كعب بن مرة راوي هذا الخبر؛ لما أخرجه أحمد أيضًا والحاكم من طريق شعبة أيضًا عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد إلى كعب قال: دعا رسول اللَّه ﷺ على مضر، فأتيته فقلت: يا رسول اللَّه! إن اللَّه قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا. . . الحديث. فعلى هذا كأن أبا سفيان وكعبًا حضرا جميعًا، فكلمه أبو سفيان بشيء وكعب بشيء، فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله: "إنك لجريء"، ومن قوله: "اللهم! حوالينا ولا علينا"، وغير ذلك، وظهر بذلك أن أسباط بن نصر لم يغلط في الزيادة المذكورة، ولم ينتقل من حديث إلى حديث. وسياق كعب بن: مرة يشعر بأن ذلك وقع في (المدينة) بقوله: "استنصرت اللَّه فنصرك"؛ لأن كلًا منهما كان بـ (المدينة) بعد الهجرة؛ لكن لا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصة مع قصة أنس. . . ". قلت: هذا الأخير مُسَلَّم؛ لكن استشعاره بأن قصة كعب وقعت في (المدينة) -وهو الظاهر- ينافي اتحاد قصته مع قصة أبي سفيان المتقدمة؛ فإنها كانت في (مكة). واللَّه أعلم.