٣ - لم سميت غزوة العسرة
٤ فقرات، ج ١ ص ٤٦٣
- ج ١ ص ٤٦٣
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: "أي وقت العسرة والمراد جميع أوقات تلك الغزوة، ولم يرد ساعة بعينها، وقيل: ساعة العسرة أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة. والعسرة صعوبة الأمر.
قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. قال الحسن: كانت العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم، وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة المنتنة، وكان النفر يخرجون ما معهم -إلا التمرات بينهم، فهذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمر فلاكها حتى جيد طعمها، ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة. فمضوا مع النبي ﷺ على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم . وقال عمر رضي الله عنه وقد سئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع لنا. قال: (أتحب ذلك) ، قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
-
وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا: كنا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فأصاب الناس مجاعة وقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله ﷺ : (افعلوا) ، فجاء عمر وقال: يا رسول الله إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة. قال: (نعم) ، ثم دعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل الأزواد، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع النطع من ذلك شيء يسير.
قال أبو هريرة: فحزرته فإذا هو قدر ربضة العنز، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: (خذوا في أوعيتكم) ، فأخذوا في أوعيتهم حتى والذي لا إله
ج ١ ص ٤٦٤إلا هو- ما بقي في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكل القوم حتى شبعوا، وفضلت فضلة فقال النبي ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍ فيهما فيحجب عن الجنة) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه والحمد لله.
قال ابن عرفة: سمي جيش تبوك جيس العسرة لأن رسول الله ﷺ ندب الناس إلى الغزو في حمارة القيظ، فغلظ عليهم وعسر، وكان إبان إبتياع الثمرة، قال: وإنما ضرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله ﷺ لم يغز قبله في عدد مثله. لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفًا وخمسماية، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حنين اثني عشر ألفًا، وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وزيادة، وهي آخر مغازيه ﷺ .
-
وخرج رسول الله ﷺ في رجب، وأقام بتبوك شعبان وأيامًا من رمضان، وبث سراياه وصالح أقوامًا على الجزية، وفي هذه الغزاة خلف عليًّا على المدينة فقال المنافقون: خلفه بغضًا له، فخرج خلف النبي ﷺ وأخبره فقال عليه السلام (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وبين أن قعوده بأمر النبي ﷺ يوازي في الأجر خروجه معه؛ لأن المدار على أمر الشارع.
-
وإنما قيل لها: غزوة تبوك لأن النبي ﷺ رأى قومًا من أصحابه يبوكون حسي تبوك، أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها بوكًا) فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك " الحسين (بالكسر) ما تنشفه الأرض من الرمل فهذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر عنه الرمل، فتستخرجه وهو الإحشاء قاله الجوهري" (١) .
- (١)القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ٢٧٨.