ذكر دخولهم البلدة، وكيف خرجوا اليها ونزلوا بها وحروبهم لمن حاربهم من الملوك

٢٦٩ فقرة، ج ١ ص ١٣٧

الصفحة ٣ من ٧

  1. وطلب امرأته الساحرة وابنها ليقتلهما فلم يقع لهما على خبر لأن أمه

    ذهبت به الى مدينة أهلها بالصعيد وكانوا كلهم سحرة وكهانا.

    ج ١ ص ١٤٨
  2. فامتنعت بهم وداخلت الناس واعلمتهم أن ابنها هو الملك بعد أبيه لان أباه قلده الملك وأمرها أن تدبر الناس، واعلمتهم فصدقوها وأجابوها وقالوا ان الغلام مغلوب على ملكه وان النمرود متغلب غاصب فاجتمع من حمايتها ونصرتها بشر كثير.

  3. وزحف ابن الساحرة الى نمرود بجموع كثيرة وقد عمل له السحرة أصنافا من التماثيل المهلكة والنيران المحرقة فخرج اليه نمرود واخوته فيمن معهم من الاجناد والاتباع فانهزم الملك واخوته وتعلقوا ببعض الجبال.

  4. ونزل ابن الساحرة بدار الملك وجلس على سريره ولبس تاج ابيه وطافت به بطارقته وكان اسمه توسدون (٢) ملك وهو حدث وكانت أمه تدبر أمره

    ج ١ ص ١٤٩فقتل كل من كان صحب النمرود وجد في طلب ومحاربته حتى ظفر به وسيق اليه أسيرا واجتمع الناس لينظروا اليه فشدت رأسه برأس اسطوانة قائمة وشدت رجله (١) باسطوانة اخرى، وكان طوله فيما تذكره القبط عشرين ذراعا واودعته بيتا ووكلت به رجالا من حرسها لتقتله يوم عيدها وكان قويا فصاح في الليل صيحة مات منها بعض الحرس وهرب الباقون، فلما بلغها ذلك أمرت بانزاله واحضرته وامرت بنار توقد فأوقدت وجعلت تأمر فيقطع منه عضو بعد عضو فيلقى في النار حتى فرغ منه.

  5. وكبر ابنها فخرج كاهناً منجما ساحراً، فعملت له الشياطين قبة من زجاج كرية (٢) مدبرة دائرة على دوران الفلك وصوروا عليها صور الكواكب،

    وكانوا يعرفون بها أسرار الطبائع، وعلوم العالم بطلوعها وأفولها.

  6. وبعد ستين سنة من ملكه ماتت أمه الساحرة، وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر بعد أن يطلى بما يدفع عنه النتن، وكانت وهي ميتة تخبرهم بالعجائب وتجاوبهم على كل ما يسألون، فهاب الناس لابنها وفزعوا له، وكان يتصور لهم في صور كثيرة وملكهم مائة سنة، ولما حضرته الوفاة أمر أن يعمل له شكل صنم من زجاج، يكون شفيفا (٣) ويطلى جسده بالأدوية الممسكة له، ويدخل في تلك الصورة التي من الزجاج، ويلحد ما بين الشفتين وينام في هيكل الأصنام ويعمل له في كل سنة عيد تقرب فيه القرابين، وتدفن تحته كنوزه، ففعل ذلك كما أمر.

  7. وملك بعد، ابنه سرباق (٤) الملك فعمل بسيرة ابيه وجدته، واجتمع

    ج ١ ص ١٥٠عليه، وزحف رجل من بني طربيس بن آدم من ناحية العراق فتغلب على الشام.

  8. وأراد أن يزحف إلى مصر فعرف أنه لا يصل إليها لسحر أهلها، فأراد أن يدخلها متنكراً ليعرف أهلها، ويقف على سحر بعض أهلها، فخرج ومعه نفر حتى وصلوا إلى حصن من أول حدود مصر، فسألهم الموكلون به عن أمورهم فعرفوهم أنهم تجار يقصدون بلدا يسكنونها، ومعهم أموالهم ليحترفوا كيف ظهر لهم بها، فحبسوهم وأرسلوا إلى الملك بخبرهم.

  9. وقد كان رأى الملك في منامه كأنه كان قائما على منار لهم عال، وكأن

    طائراً عظيماً قد انقض عليه ليختطفه فحاد عنه حتى كاد (١) أن يسقط عن المنار، فجاوزه الطائر ولم يضره فانتبه مذعوراً، وبعث إلى رأس الكهنة، فقص عليه رؤياه فعرفه أن ملكا يطلب ملكه، فلا يصل إليه.

  10. فنظر في علمه فرأى ذلك الملك الذي يطلب ملكه قد دخل بلده ووافق ذلك دخول الرسل من ذلك الحصن يذكر القوم، فعلم الملك أنه فيهم فوجه بجماعة من أصحابه معه، فاستوثقوا منهم وحملوهم إليه.

  11. وقد كان الملك أمرهم ان يطوفوا بهم على أعمال مصر (٢) كلها، ليروا ما فيها من الطلسمات والأصنام والعجائب والمعجزات فبلغوا بهم الى الاسكندرية، ثم ساروا بهم إلى أمسوس، فاوقفوهم على عجائبها ثم ساروا بهم إلى الجنة التي عملها مصرام وأمر السحرة باظهار التماثيل فجعلوا يتعجبون مما يرون حتى وصلوا إلى سرباق الملك، والكهنة حوله قد أظهروا صنوف العجائب، وجعلوا بين يديه ناراً لا يصل إليها إلا من كان من خاصته.

  12. ولا تضر الا من أضمر للملك غائلة وامر فشقوها واحدا بعد واحد فلم تضر منهم احدا.

  13. وكان ذلك الملك آخر من دخلها منهم.

    ج ١ ص ١٥١
  14. فلما دنا من النار أخذته فولى هاربا فأتى به سرباق فسأله عن أمره وتوعده فأقر فأمر بقتله، وحمله الى الحصن الذي أخذ به فصلب هناك من جهة الشأم على اسطوانة عظيمة من حجر وزبر عليها هذا فلان بن فلان المتغلب على الشأم أضمر غائلة للملك وطلب ما لم يصل إليه تعديا منه عليه وظلما له فعوقب بهذا.

  15. وأمر باطلاق الباقين.

  16. وقيل لهم قد وجب عليكم القتل، لصحبتكم لمن أراد

    الفساد في الأرض.

  17. ولكن الملك بفضله عفا عنكم وأمر أن تخرجوا من بلاده، ولا تعدوا إليها أبداً فخرجوا هاربين.

  18. مسرورين بالسلامة فكانوا لا يمرون بأحد إلا حدثوه بما رأوا من العجائب.

  19. فانقطعت اطماع الملوك في الوصول الى مصر والتعرض لها.

  20. وعملت في وقت سرباق عجائب كثيرة.

  21. منها أنه عمل عرباق في مدينته بطة من نحاس قائمة على اسطوانة، فاذا دخل الغريب من ناحية من النواحي أو باب من الأبواب صفقت بجناحيها، وصرخت فيؤخذ [الداخل] ويكشف عن أمره ومقصده، وشق الى مدائن الغرب نهراً من النيل، وبنى على عبريه منازل واعلاما، وغرس فيها غروسا يتنزه عليها، وملكهم مائة سنة وثلاثين سنة.

  22. وملكهم بعده ابنه سهلون بن سرياق، وكان سهلون عالما منجما كاهنا، فأفاض العدل وقسم ماء النيل قسما موزونا، صرف الى كل ناحية قسطا، ورتب الدولة وجعلها على سبع طبقات.

  23. (الطبقة الأولى) الملك وولده وأهل بيته ومن يلي عدله، ورأس الكهان، والوزير الاكبر، وصاحب خاتم الملك، وصاحب خزائنه.

  24. (والطبقة الثانية) مراتب العمال والمتولين لجباية الأموال، والأشراف على النفقات في أمر المملكة، ومصالح البلاد والعمارات، وقسمة المياه.

  25. (والطبقة الثالثة) الكهان وأصحاب الهياكل وخدمتها، ومتولي الفراش والمشرف على ما يقرب من بوادر الفاكهة والرياحين وصغار البقر والغنم والفراريج الذكور، وما يعرف من مثل ذلك في طعام الملك وخوابي الشراب، وغير ذلك مما يشبهه.

    ج ١ ص ١٥٢
  26. (والطبقة الرابعة) المنجمون، والأطباء، والفلاسفة، ونحوهم.

  27. (والطبقة الخامسة) أصحاب عمارة الأرض، والمتولون أمر الزراعة، والغرس.

  28. (والطبقة السادسة) أصحاب الصناعات والمؤن، والمشيدون في كل سنة في كل فن، والمشرفون على أعمالهم، ونقل نما يستحسن من أعمالهم إلى خزائن الملك.

  29. (الطبقة السابعة) أصحاب الصيد من السباع والوحش والطير والهوام، والمشرفون على أخذ دمائها ومرارتها وشحومها، وحملها الى الأطباء لاصلاح العقاقير، وتأليف الأدوية.

  30. وتقدم اليهم ألا يدخل أهل صناعة في دلسة ولا مهنة في غير ما هو فيه، ومن قصر في عمله عوقب، ومن أحسن في عمله جوزي.

  31. وكانت رتبة أهل الملاهي والألحان في قسمة الملك.

  32. وتقدم في بناء المدائن ونصب الاعلام والمنارات، وابتدع ما يستغرب من الصناعات، وإجراء المياه، وتوليد غرائب الاشجار.

  33. وأقام على أعالي الجبال سحرة يقسمون الريح، ويمنعون من أراد بلدهم بأذى، وكذلك يمنعون كل طائر وسبع ووحش وهوام، وجرى في الناس على السداد والاعتدال.

  34. وجعل لكل صنف من الناس صنفا من الكهنة يعلمونهم الدين، ودينهم يومئذ الصابئة الأولى ويرفع كل صنف منهم ما يجري من جميع ما يقولونه إلى الملك في كل يوم، وعمل البيت ذي القباب النورية، وأوقد فيها النار الدائمة تعظيما للنور.

    ج ١ ص ١٥٣
  35. والقبط تزعم أنه أول من عمل بيتاً لتعظيم النار، وقيل إن حمير (١)

  36. الفارسي بنى بيتاً للنار، وهو أول من عمل ذلك للفرس اقتداء بسهلون الملك بمصر.

  37. وكان السبب لعمل سهلون أنه رأى في منامه كأن أباه أتاه، فقال له انطلق إلى جبل كذا من جبال مصر، فان فيه كوة من صفتها كذا، فانك واجد على باب الكوة أفعى لها رأسان، فانها إذا رأتك كثرت في وجهك، فليكن معك طائران صغيران ذكر (٢) وأنثى، فاذا رأيت الأفعى فاذبح لها الطائرين وألقهما اليهما فانها تأخذ برأسيهما، وتنحاش بهما إلى سرب قريب من الكوة فتدخل فإذا غابت عنك فادخل الكوة تنتهي في آخرها امرأة عظيمة من نور حار يابس، فسوف يسطع لك وجهها وتحمى بحرارتها، فلا تدنو إليها فتحترق، وقف حذاءها، وسلم عليها، فانها تخاطبك، واسكن الى خطابها، وانظر ما تقوله لك فاعمل به فانك تتشرف به.

  38. وهي حافظة كنوز جدك مصرام التي رفعها تحت مدائن العجائب المعلقة وهي تدلك عليها، وتنال مع ذلك شرفاً وطاعة من قومك ورعيتك، ثم مضى وتركه.

  39. فانتبه سهلون، وجعل يتفكر فيما رأى وتعجب منه وعزم أن ينفذ ما أمره به، فمشى إلى الجبل وحمل الطائرين معه وامتثل ما أمره به أبوه إلى أن وقف حذاء المرأة فسلم عليها، فقالت له أتعرفني؟ قال لا، لأني ما رأيتك قبل وقتي هذا، قالت له: أنا صورة النار المعبودة في الأمم الخالية، وقد أردت أن تحيي ذكري، وتتخذ لي بيتا وتوقد لي فيه ناراً دائمة، بقدر واحدة،

    وتتخذ لي عيدا في كل سنة تحضره أنت وقومك، فانك تتخذ بذلك عندي أنلك بها شرفاً الى شرفك، وملكا إلى ملكك، وامنع عنك وعن قومك من يطلبك ويعمل الحيلة عليك، وأدلك على كنوز جدك مصرام.

    ج ١ ص ١٥٤
  40. فضمن لها أن يفعل ذلك فدلته على الكنوز التي كنزها جده تحت المدائن المعلقة وكيف يصير اليها، وكيف يمتنع من الأرواح الموكلة بها وما ينجيه منها.