ذكر دخولهم البلدة، وكيف خرجوا اليها ونزلوا بها وحروبهم لمن حاربهم من الملوك
٢٦٩ فقرة، ج ١ ص ١٣٧
الصفحة ٤ من ٧
- ج ١ ص ١٥٤
فلما فرغ مما أراده من ذلك، قال لها فكيف لي بأن أراك في الأوقات التي أريد وأحتاج أن أسألك عما يطرأ من الأمور فأسير اليك؟ قالت له اما هذا المكان فلا تقربه بعد وقتك هذا، ولكن إذا احببت ان تراني فدخن في الوقت الذي علمته لك بكذا وكذا، اشياء ذكرتها له: منها عظام ما يقربه من القرابين والذبائح، وصموغ الأشجار.
-
فاني اتخيل لك واخبرك بكل حق وباطل يكون في بلدك.
-
فلما سمع ذلك منها سر به سروراً عظيما، وغابت الصور، وظهرت الافعى، وخرج هاربا، فلما نجا جعل على الكوة سداً ولم يؤخر ما فعلته به.
-
وأخرج كنوز جده وعمل بأمسوس وغيرها من العجائب ما يطول به الذكر، فمنها القبة المركبة على سبعة أركان، في بعض مصاحف القبط أن هذه القبة يقال لها قبة القضاء.
- ج ١ ص ١٥٥
وكان السبب في بنيانها أن بعض الكهنة جار في قضية قضاها، وذلك أن بعض العامة أتاه يشكو امرأته، ويذكر أنها تأباه وهو يحبها وتبغضه، وسأل أن يقومها له بالاظهار، وكانت المرأة من أهل بيت الكاهن، فأما لها عن زوجها وأمره بتخليتها فلم يفعل، وحبسه وشدد عليه، وكان من اهل الصناعات.
-
فاجتمع من اهل صناعته من كان قد عرف حاله، وحال المرأة معه، وأنها ظالمة له وهو لها منصف، وعلموا ظلم الكاهن له، فاستعدوا عليه عند خليفة الملك فأحضره وسأله عما ذكروه فذكر أنه لم يحكم إلا بواجب.
-
فأحضر بعض رؤساء الكهنة، واظهر القوم الذين شهدوا للرجل، فوقف على ظلم الكاهن.
-
فأخرج الرجل من الحبس وحبس الكاهن مكانه، وامر بالمرأة أن تعاقب وترد عليه.
-
ورفع ذلك إلى الملك فأمر أن يخرج ذلك الكاهن من رسم الكهان، وأن يحبس إلى أن يرى رأيه فيه، واهتم الملك لذلك وخاف ان يجري من غير ذلك الكاهن مثل ما جرى منه، وأن يكون ما قد أبرمه من امر المملكة واهلها لا يتحكم له حسبما أحب، وبات مهموماً مفكراً.
-
فلما أصبح اصطبح وتطيب وتكلم ودخن بالدخنة التي أمر بها فتجلت له تلك الصورة وخاطبته فسألها أن تعمل له عملاً يقف به على حقيقة الظلم وخفيه، ويعرف المظلوم من الظالم.
-
فأمرته أن يبني بيتاً مركباً على سبعة أركان، ويجعل له سبعة أبواب، على كل ركن باباً، ويعمل في وسطه قبة من صفر، ويصور في أعلاها صور الكواكب السبعة.
-
ويعمل على الباب الاول من القبة مثال اسد رابض وحذاءه من الجانب
ج ١ ص ١٥٦الآخر لبوة رابضة من صفر ويقرب لهما جر وأسد، ويبخرهما بشعره.
-
وعلى الباب الثاني، تمثال ثور وبقرة، ويذبح لهما عجلا، ويبخرهما بشعره وعلى الباب الثالث صورة خنزير وأنثاه، ويذبح لهما خنوصاً، ويبخرهما
بشعره.
-
وعلى الباب الرابع صورة جمل وشاة، ويذبح لهما سخلة، ويبخرهما بشعرها.
-
وعلى الباب الخامس صورة ثعلب وحدأة وانثاه، ويذبح لهما فرخ عقاب، ويبخرهما بريشه، ويلطخ وجوه جميعها بدم القربان، ثم يحرق بقية القرابين ويجعل رمادها تحت عتبة ابواب القبة، ويجعل لها سدنة يوقدون فيها المصابيح ليلا ونهارا سبعة أيام.
-
فاذا فرغت من ذلك كله، فاجعل لكل مرتبة من تلك المراتب التي قسمتها وجعلتها على سبع طبقات باباُ من تلك الأبواب، وليكن باب الاسد لاهل المملكة وسائر الأبواب لسائر المراتب، فانه إذا تقدم إلى شئ من تلك الصور أهل الخصومات التصق الظالم بها، وشدت الصورة عليه شداً عنيفاً وآذته وآلمته حتى يخرج لخصمه من حقه، الذكر للذكر، والأنثى للانثى، فتعرف بذلك الظالم من المظلوم.
-
ومن كان له قبل أحد حق ودعاه إلى بعض الصور فلم يجئ معه، فأتاها المظلوم فعرفها بذلك أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه، ولم يتحرك من مكانه حتى ينصف صاحبه.
-
فلم يؤخر الملك عمل القبة على ما أمرت به وشرع فيها من حينه، وأتمها على ما أحسن ما يكون هيئة وصلاحاً، واستراح من الاهتمام بامور الناس، فلم يتظلم بعضهم من بعض.
- ج ١ ص ١٥٧
وعلم أنه لا يجوز لبعضهم ظلم بعض، مع تلك الصورة، فلم تزل تلك الصورة باقية إلى أن أزالها الطوفان مع ما أزال من اعمالهم وعجائبهم.
-
وعملت في وقت سهلون اعمال كثيرة، وكتب سيرته وما ابتدعه من العجائب في مصحف، وعمل ادوية وعقاقير كثيرة وتماثيل متحركات.
-
وأمر ان يحمل ذلك كله مع المصحف الذي كتب فيه سيرته ومع كنوزه وذخائره إلى ناووسه الذي يجعل فيه إذا مات، وهو قد عمله في الجانب الغربي ووضع فيه غرائب وحكمة، فلما مات عمل فيه ذلك.
-
وملك بعد ابنه سوريد بن سهلون الملك، وحزن عليه هو وأهل مملكته ورعيته، حزناً عظيماً لم يحزن على ملك قبله، وكان ملكه مائة وتسعاً وتسعين سنة.
-
وأقام دولته ورعيته عند ناووسه شهراً ينوحون ويبكون، وأقاموا في ناووسه خدمة يخدمون أموره وسدنة يحفظون ما يجب حفظه منه، وجلس ابنه على سرير الملك، واقتفى سيرة أبيه في العدل والصلاح وعمارة الأرض، وسياسة الناس والانصاف بينهم، والأخذ لهم من نفسه وأهل بيته.
-
وهو أول من جبى الخراج بمصر، وألزم أهل الصناعات على اقدارهم، وأول من أمر بالانفاق على المرضى والزمنى من خزائنه وبنى المنارات، ونصب الاعلام والطلسمات والهياكل، وحسن عمارتها على أحسن ما تقدم لسواه، فأحبه الناس وحمدوا أمره، وعمل مرآة من أخلاط كثيرة، كان ينظر اليها فيرى الاقاليم، وما أخصب منها وما أجدب، وكلما يحدث فيها.
-
وكانت على منارة من نحاس في وسط مدينة أمسوس.
-
وتقول القبط إنه عملها لمصر خاصة، وكان يرى فيها جميع من يقصدها من
ج ١ ص ١٥٨كل ناحية، ويعلم بذلك جميع من يقصدها (١) فكان يأخذ أهبته لذلك، وهو أول من عمل صحيفة في كل يوم يكتب فيها جميع ما يكون في يومه، وما يعمل
فيه ثم ترفع إليه وتودع في خزائنه يوما فيوما، فاذا مضى الشهر نقلت صحائف أيامه إلى مصحف الملك وختم بخاتمه، وخلد في خزائنه وما صلح منه أن يزبره في الحجارة زبره.
-
وكذلك ما عمل من الصنائع وما أحدث منها، وكان يعطي الرغائب على الصناعات العجيبة والحكم الغريبة.
-
وعمل وسط المدينة صورة امرأة جالسة في حجرها صبي كأنها ترضعه، فكل امرأة أصابتها علة في جسمها مست من جسد تلك الصورة الممثلة، فيزول عنها ما تجده على ما كان.
-
وكذلك إن قل لبنها، مسحت ثديها فكثر، وكذلك إن أحبت أن تعطف عليها زوجها مسحت وجهها بدهن طيب، وقالت لها افعلي كذا وكذا.
-
وإن قلت حيضتها وفرقت منه مسحت تحت ركبها، وان اصاب ولدها شئ فعلت بالصبي كذلك فيبرأ، وإن عسرت ولادتها مسحت رأسي الصبي سهل، وكذلك البكر يسهل عليها افتضاضها، وإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تكف عن فجورها، وما كان من أعمال الليل يحدث ليلا، وما كان من النهار يحدث نهارا، وكانت تعمل اعمالا كثيرة إلى أن ازالها الطوفان.
-
وفي بعض كتب القبط انها وجدت بعد الطوفان، وانهم استعملوها وعبدوها، وصورتها في جميع برابي مصر مصورة برسمها ملونة، والذي دلهم عليها كانوا
ج ١ ص ١٥٩قرابات فيلمون الكاهن، ودلوهم على جميع اعمال مصر، وسنذكر خبرهم في هذا الكتاب ان شاء الله تعالى.
-
وعمل ايضا سوريد في وقته غرائب كثيرة منها الصنم الذي يقال له بكوس المعمول من الأخلاط الكثيرة في الطب، وكان يعمل اعمالا كثيرة في دفع الأسقام والعلل عن اهلها، ويعرفون به من يبرأ منهم فيعالجونه فيعيش، و [يعرفون من يموت] بعلامات تظهر منه، فيقصرون عن علاجه، وكان يزيل الاوصاب بأن يغسل الموضع بأزاء أصحاب العلل منه، ويسقي ذلك الماء الذي يغسل به لصاحب الداء فيزول عنه، وكثير من هذه الأعمال.
-
وهو أول من عمل الابرقات الايرونيات، وزبر عليها جميع العلوم.
-
وهو الذي بنى الهرمين العظيمين المنسوبين الى شداد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلدهم، والعمالقة تقول سحرهم ومنعهم من ارادتهم بشر ما يريدونه بهم، وبذلك يقول الحرانيون، وقد نقل ذلك أبو معشر في كتاب الألوف.
-
وكان سبب بناء سوريد للهرمين انه رأى رؤيا أثبتها في موضعها، فأحضر كهنته ومنجميه، وقص عليهم من نزول المرآة في صورة امرأة وانقلاب الأرض بأهلها، وانكساف الشمس بأسرها، وهي الرؤيا بعد، فأخبروه خبر الطوفان أنه يكون على الصورة التي كان، وذلك مذكور في كتاب تاريخ يرويه المقربون عن آخرين من القبط وجد في بعض ذراريهم على صدر ميت، وذكر أنها من ولد رجل من اهل مصر الأوائل ممن نجا من الطوفان وركب مع نوح عليه السلام في السفينة، وكان ممن آمن به وحمل ابنيه وقيل بن مصرام بن حام وكان أبدع الناس فهما في العلوم.
-
وكان في الكتاب أن الملك سوريد بنى في الصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها
ج ١ ص ١٦٠عجائب كثيرة، وسنذكر شيئاً من أخبار هذين الأخوين أن شاء الله تعالى.
-
وكان في الكتاب أن الملك سوريد بن سهلون ملك مصر لما رأى في منامه ما رأى، أخبر فيلمون رأس الكهنة بما رآه من الأمور، أمرهم ان ينظروا فيما تدل عليه الكواكب من أحداث في العالم، فتصيب اكثره، فأقاموا لها في وقت مسألته اياهم مسألة امعنوا فيها النظر، فدلت على آية تنزل من السماء، وتخرج من الأرض فتعم اكثر الآرض، وهو طوفان عظيم لا يبقى به شئ.
-
قال فانظروا هل ينجز ذلك ويعود أم يبقى هو معمولا دائماً؟ فنظروا فظهر أنه يعود العمران والملك، وكل شئ كما كان وعرفوه بذلك، فأمر حينئذ ببناء بربى وأعلام عظام له ولأهل بيته، تحفظ أجسادهم، وما أو دعوه بها من أموالهم وزبروا فيها وفي سقوفها وفي حيطانها واسطواناتها، جميع العلوم الغامضة، التي يدعيها أهل مصر بين جميع الأمم، وصور فيها صور الكواكب العظام منها وصور الصغار منها، ورسم ذلك بعلامات تعلم بها.
-
وزبر فيها أسماء العقاقير ومنافعها، وعمل الطلسمات وأشكالها، وعلم الحساب والهندسة، وغير ذلك مما ينتفع به مزبوراً ومفسراً لمن عرف كتابهم ولغتهم.
-
وقالوا إن هذه نازلة وكائنة إذا كانت تكون من جميع أقطار العالم إلا اليسير منه، وذلك كائن إذا نزل قلب الأسد بأول دقيقة من رأس السرطان وتكون الكواكب عند ذلك في هذه المواضع من الفلك يكون القمر مع الشمس في أول دقيقة من الحمل، وراوس وهو المشتري في سبع وعشرين درجة من الحوت والمريخ في ثمان وعشرين درجة وخمس دقائق من الحوت، وأفردوين وهو الزهرة في سبع وعشرين درجة وثلاث دقائق من الحوت،
ج ١ ص ١٦١وهرمس وهو عطارد في سبع وعشرين دقيقة من الحوت، وزحل والجوزاء
في الميزان وأوج القمر في الأسد على خمس درجات ودقائق.