ذكر دخولهم البلدة، وكيف خرجوا اليها ونزلوا بها وحروبهم لمن حاربهم من الملوك
٢٦٩ فقرة، ج ١ ص ١٣٧
الصفحة ٦ من ٧
- ج ١ ص ١٦٩
وحكي بعض القبط أن سوريد الملك لما أخبره منجموه بما أخبروه قال انظروا بلدنا هذا هل تلحقه آفة؟ فنظروا وقالوا يلحقه طوفان يأتي على أكثره، ويلحقه خراب يقيم فيه عدة سنين، ثم يغلب عليها العمران.
-
قال وكيف يكون خرابها؟ قال يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم مالها، قال ثم ماذا؟ قالوا يكون عمارتها [على يد] من قتله قال ثم ماذا؟ قالوا يقصدها قوم مشوهون من ناحية النيل فيملكون أكثرها قال ثم ماذا؟ قالوا انقطع نيلها وتخلو من أهلها، فأمر أن يكتب ذلك ويزبر على الاهرام والاسطوانات والحجارة العظيمة.
-
وذكر رجل من أهل المغرب ممن يختلف الى الواحات، ويحمل الاسماك إلى الواحات على جمل له أنه بات قرب الهرم، فما زال يسمع الضوضاء والغطغطة فهاله ذلك، وتباعد عن الهرم بجمله ذلك، فكان يرى حول الهرم شبه النيران تتألق، فلم يزل مذعوراً إلى أن غلبته عيناه فنام، فلما أصبح في الموضع الذي فيه السمك رأى سماكاً آخر بحياله موضوعاً فعجب من ذلك
وشد سمكه على جمله وكر راجعاً إلى الفسطاط، وحلف أن لا يقرب من الهرم بعد ذلك.
-
وأما البرابي فلها أخبار يطول ذكرها وشرحها، وتحكي القبط في أمور الروحانيين الغالبين على الاهرام والبرابي.
-
فذكروا أن روحاني الهرم الجنوبي في صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج حسناء لها ذؤابتان فإذا أردات أن تستهوي الانسان ضحكت في وجهه واجتلبته الى نفسها فيدنو اليها فتستهويه ويزول عقله ويهيم.
- ج ١ ص ١٧٠
وقد رأى جماعة هذه المرأة تدور حول الهرم وقت القائلة، وعند غروب الشمس.
-
وروحاني الهرم الآخر غلام أمرد أصفر عريان له ذؤابتان، وقد رأوه أيضاً [بعد المغرب] (١) مراراً يطوف حوله.
-
وروحاني الهرم الملون في صورة شيخ نوتي عليه قرطلة (٢) ، وفي يديه مجمر من مجامر الطاس وهو يبخره وكذلك في جميع الأبرونيات.
-
وأما بربا أخميم فمعروف عند أهلها ان روحانيها غلام أسود عريان.
-
وروحاني بربا سميرا هو في صورة شيخ أدم طوال أشيب صغير اللحية.
-
وأما بربا قفط فروحانيته في صورة جارية سوداء، تحمل صبياً أسود صغيراً.
-
وأما بربا دنونية فروحانيته في صورة إنسان رأسه رأس أسد وله قرنان.
-
وأما بربا بوصير فهو في صورة شيخ أبيض عليه زي الرهبان، ومعه مصحف يحمله.
-
وأما بربا عدنا فروحانيته في صورة راع عليه كساء ومعه عصا.
-
ولأهرام دهشور روحانيون يراهم من قرب منها من نواحيها، على طول الأيام، ولكلها قرابين وبخور يظهر بها كنوزها، وتؤلف بين الناس وبين الروحانيين الذين بها.
-
فأقام سوريد مائة سنة وسبع سنين، وقد كان كهانه عرفوه الوقت الذي يموت فيه، فأوصى إلى ابنه هو جيف (٣) وعرفه بما احتاج إليه وأمره أن يدخل جسده الهرم ويجعله في الجرن الذي قد اعده لنفسه ويغشيه بكافور، ويحمل معه ما اعد من فاخر المتاع ومن السلاح والآلات، فامتثل هوجيت (٤) جميع ما امره به.
- ج ١ ص ١٧١
وتولى أمر الملك بعده أبنه هوجيت الملك فسار سيرة أبيه في العمارة والعدل والرقة والرأفة بالناس فأحبوه.
-
وبنى الهرم الأول من أهرام دهشور، وحمل إليه كثيراً من الأموال والجوهر، وكان غرضه جمع المال وعمل الكيمياء وإخراج المعادن ودفن كل ما تهيأ له من الكنوز في كل سنة.
-
وكانت له قصة مع بعض جواريه (١) فنفاها إلى ناحية الغرب، وأمر فبنيت لها هناك مدينة وأمر أن يقام فيها علم ويزبر عليها اسمها وقصتها، وأسكن معها كل امرأة مسنة من أهل بيته.
-
وشج في أيامه رجل رجلاً فامر بقطع أصابعه، وسرق سارق مالاً لرجل فملك رقه للذي سرق منه.
-
وعمل منارات ومصانع وطلسمات، وملكهم تسعاً وتسعين سنة ومات.
-
وملك عليهم ابنه مناوس الملك، وكان جباراً عظيماً وعذابا أليما (٢) فآذى الناس، وسفك الدماء، واغتصب النساء، واستخرج كنوز بابل، وبنى قصوراً بذهب وفضة، وفجر فيها الانهار، وجعل حباءها من صنوف الجواهر وتمخرق في الهبات على غير ما يجب، وأغفل العمارات.
-
وأباح أصحابه غصب نساء العامة، وكان هو يفتض النساء قبل أزواجهن، وأطاف به أهل الشر من كل ناحية، فأبغضه الناس وكرهوا أيامه.
-
وامتنع عليه قوم في شئ أمرهم به فأحرقهم بالنار، وسلط رجلاً من الجبارين يقال له قرناس من ولد إدريس بن آدم على محاربة الامم القريبة في الماء فقتل منهم عالماً كثيراً وحده.
- ج ١ ص ١٧٢
وكان أشجع اهل زمانه، ثم هلك فاغتم عليه الملك، وأمر أن يدفن مع الملوك في الهرم، ويقال بل عمل له وأقام عنده أعلاماً، وزبر عليه اسمه وما عمل في وقته من الحروب.
-
وأقام مناوس ملكا ثلاثا وسبعين سنة، ومات وجعل في الهرم مع أجداده في حوض من صوان أبيض مصفح بالذهب والجوهر، وجعل معه كثير (١) من ذخائره وأمواله وعجائبه.
-
وملك عليهم ابنه افراوس (٢) الملك، وكان عالماً محنكاً فخالف أباه في فعله، وعدل في الناس ورد النساء اللاتي غصبهن أبوه إلى أزواجهن.
-
وعمل في وقته قبة طولها خمسون ذراعاً وعرضها مائة ذراع، وركب في
جوانبها أطياراً تصفر بأصناف الأصوات المطربة لا تفتر، وعمل في وسط المدينة مناراً من صفر عليه صورة رأس إنسان من صفر كلما مضت ساعة من الليل والنهار صاح ذلك الرأس فيعلم بصياحه دخول ساعة ويعرف من كل سمعه عدة الساعات.
-
وجعل مناراً آخر وجعل فيه قبة من صفر مذهب ولطخه بلطوخات، فاذا غربت الشمس اشتعلت تلك القبة نورا فيضئ لها كثيراً من المدينة مشبهاً بالنار لا تطفيها الرياح، ولا الأمطار، فاذا كان النهار قل ضوؤها لنور الشمس.
-
ويقال إنه أهدى الى الدرمشيل الملك ببابل مدهنة من زبرجد قدر خمسة أشبار، وكان استهداه ذلك ليجعلها في بيت القربان.
-
ويقال انها وجدت بعد الطوفان، ويقال إنه عمل في الجبل الشرقي صنماً عظيماً قائماً على قاعدة مصبوغاً بلطوخ أصفر مموه بالذهب وجهه إلى الشمس
ج ١ ص ١٧٣يدور معها الى أن تغرب في الغرب ثم يدور ليلاً حتى يحاذي الشمس مع الصبح.
-
ويقال إن أفروسا كان يطلب الولد في وقته فنكح ثلاثمائة امرأة يبتغي أن يولد له منهن فلم يكن ذلك.
-
ويقال إن في وقته عقمت أرحام النساء والبهائم، ووقع الموت لما كان الله عزوجل قدره من هلاك العالم بالطوفان.
-
وقيل إن الأُسد كثرت في وقته حتى كادت ان تدخل البيوت، فاحتالوا لها بالطلسمات المانعة والحيل المضرة بها، وكانت تغيب شيئاً وتعود، فرفعوا
ذلك الى الملك وقالوا هذه علامة مكروهة، فأمر أن يعمل لها أخاديد وتملأ ناراً وجلبوا اليها الأسد بالدخن التي تجذب روحانيتها اليها، وألقوها على النيران فاحترقت.
-
وبنى في وقته مدائن في ناحية الغرب تلفت في الطوفان مع أكثر مدنهم، وارتفعث الأمطار عنهم، وقل الماء في النيل فأجدبوا وهلكت الزروع بالحر والريح الحارة وغير ذلك، فأضر ذلك بهم فاحتالوا لدفع النار بطلسماتهم، وكانت تذهب ثم تعود.
-
وقيل ان الذي فعل ذلك بهم ساحر من سحرتهم كان مناوس قد غصب امرأته فاعمل الحيلة قليلاً قليلاً في افساد طلسماتهم، لأن لكل طلسم شيئاً يقوي روحانيته وشيئاً آخر يفسدها.
-
ولهذه العلة دخل بخت نصر الفارسي مصر، وكانت ممتنعة من جميع الملوك فلما أفسد الساحر طلسماتهم سلط عليهم تلك الآفات وأفسد طلسم التماسيح فهاجت عليهم ومنعتهم الماء، وعذبتهم عذاباً كثيراً الى أن فطنوا به من قبل تلاميذه.
- ج ١ ص ١٧٤
وذلك أن بعض تلاميذه لامه على ما يفعل من المضرة بقومه، فانتهره ونفخ في وجهه، فأظلم عليه بصره فرفع التلميذ أمره الى وزير الملك، فعرف الوزير الملك بالأمر، فأمر الملك بادخال التلميذ اليه، فدخل وعرفه بصورة الحال، فأنفذ الملك الى الساحر جيشاً لياتوه به، فلما نظر الساحر الى القوم مقبلين اليه دخن بدخنة أغشت أبصارهم، وارتفعت منها عجاجة صارت ناراَ مضرمة حالت بينهم وبين الساحر، فهالهم أمره وخافوا على أنفسهم منه فرجعوا الى ملكهم، وعرفوه بما جرى، فأمر الملك باحضار جميع السحرة.
-
وكان رسم السحرة عندهم أن يعاهدوا ملوكهم على أن يكونوا أبداً معهم ولا يخالفوهم ولا يقصدوهم بمكروه ولا يبغونهم الغوائل، فمن فعل ذلك منهم سلب منزلته وما يملكه، وكان للملك أن يسفك دمه ودم أهل بيته، وكانوا مع الملوك على هذه الحالة، وكانوا مع ذلك يوفون بعهدهم ولا ينقضون شيئاً من عهدهم.
-
فلما اجتمع السحرة عند الملك أخبرهم خبر الساحر، وكان يقال له أجناس وما فعله من الفساد ونقضه للعهد، وقال لهم إن لم تحضروه أهلكت جميعكم، فسألوه النظر في الأمر، فأخذ أولادهم ونساءهم رهائن بذلك وأنظرهم.