ذكر دخولهم البلدة، وكيف خرجوا اليها ونزلوا بها وحروبهم لمن حاربهم من الملوك

٢٦٩ فقرة، ج ١ ص ١٣٧

الصفحة ٥ من ٧

  1. فلما عملوا ذلك وتحققوه قال انظروا أيضاً هل يكون بعد هذه الآفة آفة أخرى تنزل من السماء الى الأرض تكون ضد الأخرى التي تنزل أولا.

    ج ١ ص ١٦١
  2. وهي النار التي تحرق أقطار العالم، فعرفوه فقال انظروا متى يكون الكون الآخر وهو المضمر؟ فنظروا فوجدوا أنه يكون إذ نزل قلب الأسد في آخر دقيقة من الدرجة الخامسة عشرة من الأسد فتكون الشمس معه في دقيقة واحدة متصلة بزحل تثليث الرأس، ويكون المشتري في الأسد غير مستقيم السير، وعطارد معه في دقيقة، ويكون القمر في الدلو متصلاً بالذنب في اثني عشر جزءا، وتكون الزهرة في بعدها الأبعد مستقيمة السير ويكون المريخ في الاسد مستقيم السير، ويكون في ذلك الشمس تنطبق منه [على] الأرض [انطباقاً] لم يعهد مثله.

  3. فعرفوا الملك بما ظهر لهم من ذلك، وقالوا إن قلب الأسد إذا قطع ثلاثة أدوار لم يبق من حيوان الارض شئ متحرك إلا تلف وهلك وإذا استتم أدواره تحللت أمر الفلك، فأمر الملك بقطع الاساطين العظام وبنشر البلاطات الهائلة واستخراج الرصاص من أرض المغرب، وإحدار الصخور من ناحية اسوان وكانت سوداء عظاما تساق في العجل، فجعل منها آساس الاهرام الثلاثة الشرقي والغربي والملون وجميعه من الحجر الملون الأسود والأبيض.

  4. وقيل كانت لهم صحائف من خواص اشياء وعليها كتابات، فاذا قطع الحجر وتم احكامه وضعوا عليه تلك الاشياء وضربوه فيغدو بتلك الضربة ما يغيب به عنهم ثم يعاودون ذلك حتى يصل.

  5. أخبار الزمان م (١١)

  6. فوضعت آساس الاهرام بالدهشور منها الهرم الشرقي والهرم الغربي والهرم الملون.

    ج ١ ص ١٦٢
  7. وكانوا يمدون البلاطة ويجعلون في وسطها قضيب حديد قائم، ثم يركبون عليها بلاطة اخرى مثقوبة الوسط، فيدخل ذلك في ذلك الثقب، ثم يذاب الرصاص ويصب حول البلاطة وفي الثقب بهندمة واتقان بعد تأليف ما فيها من النقوش والكتابة والصور، حتى بلغوها من ذلك الى ما يحار فيه الوهم، وجعل ابوابها تحت الأرض بأربعين ذراعا في آزاج مبنية بالرصاص والحجارة، طول كل أزج منها مائة وخمسون ذراعا.

  8. فأما باب الهرم الشرقي، فإنه من الناحية الشرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم.

  9. وأما باب الهرم الغربي فمن الناحية الغربية، وهو ايضا على قياس مائة ذراع من وسط الحائط، حتى تنزل الى باب الأزج المبني فتدخل منه.

  10. وأما باب الهرم الملون بلونين من الحجارة فمن الناحية الجنوبية يقاس أيضاً من وسط الحائط الجنوبي مائة ذراع، ويحفر حتى يوصل الى باب الأزج والمبنى له، ويدخل منه إلى باب الهرم، وجعل طول كل واحد منهما في الهوى مائة ذراع بالذراع الملكي، وهو خمسمائة ذراع عندنا بذراعنا اليوم، وجعل ضلع كل واحد من جهاته مائة ذراع ورفعها في الاستواء حتى بلغ أربعين ذراعا فوق الأرض، ثم هندمها من كل جانب حتى تحددت أعاليها عند آخر طولها.

  11. وكان ابتداؤهم لبنائها في وقت سعد اجتمعوا عليه وتخيروه، فلما فرغ منها كساها ديباجاً ملوناً من فوقها إلى أسفلها، وعمل لها عيداً لم يبق في المملكة أحد إلا حضره.

  12. ثم أمر بعمل ثلاثين مخزناً بنيت من حجارة صوان ملونة في الهرم الغربي، وملئت بآلات الزبرجد والتماثيل المعمولة من الجواهر الغالية، والطلسمات الغريبة، وآلات الحديد الفاخر والسلاح الذي لا يصدأ، والزجاج الذي يطوى فينطوي ولا ينكسر، وأصناف العقاقير المفردات والمؤلفات، والسموم القاتلات وغير ذلك مما يطول وصفه، ولا يدرك عده.

    ج ١ ص ١٦٣
  13. ونقل إلى الهرم الآخر وهو الشرقي أصنام الكواكب والقباب الفلكية، وما عمل أجداده من التماثيل والدخن الذي يتقرب بها إليها ومصاحفها، وما عمل لها من التواريخ والحوادث التي مضت والأوقات التي تحدث منها ما ينتظر، وذكر من يلي مصر إلى آخر الزمان، وكون أدوار الكواكب الثابتة وما يحدث في دورانها وقتاً وقتاً، وجعل فيها المطاهر التي فيها المياه المدبرات وما أشبه ذلك من هذه الأشياء.

  14. وجعل في الهرم أجساد الكهنة في توابيت صوان أسود، ومع كل كاهن مصحف فيه عجائب صنعته وعمله وسيرته وما عمل في وقته.

  15. وكانوا على مراتب المرتبة الأولى القاطرون (١) وهم الذين تعبدوا للكواكب السبعة لكل كوكب سبع سنين، ومعنى القاطر عندهم جامع العلم.

  16. والمرتبة الثانية لمن تعبد لستة وله أيضاً اسم، والمرتبة الثالثة لمن تعبد لخمسة، والمرتبة الرابعة لمن تعبد لاربعة، والمرتبة الخامسة لمن تعبد لثلاثة، والمرتبة السادسة لمن تعبد لاثنين والمرتبة السابعة لمن تعبد لواحد (٢) ولكل واحد من أصحاب المراتب السبعة اسم يعرف به.

  17. وجعل في جهة من الهرم مرتبة من هذه المراتب في توابيتهم، وجعل مع

    ج ١ ص ١٦٤أجسادهم مصاحفهم كتبوها في ورق الذهب، ذكروا فيها جميع ما كان وما يكون وما قد عملوه من العجائب، وجعل في الحيطان من كل جانب كما تدور أصناماً تعمل بأيديها جميع الصناعات، على مراتبها وأقدارها وصفة كل صنعة وعلاجها، وما يصلح لها.

  18. وكتب مزبورا على الصور جميع علاجات الأشياء كلها، وعلم النواميس، وعلم كل علم ثم جعل فيها أموال الكواكب التي أهديت إليها، وأموال الكهنة وقدر ذلك لا يحصى عدداً ولا وزنا.

  19. وجعل لكل هرم منها خازناً، فصاحب الهرم الشرقي صنم مجزع من جزع أسد وأبيض له عينان مفتوحتان براقتان، وهو جالس على كرسي، ومعه شبه الحربة إذا نظر اليه ناظر سمع من جهته صوت يكاد ينزع قلبه فيهيم على وجهه ويختلس عقله، ولا يكاد يفارقه الهم حتى يموت منه.

  20. وجعل خازن الهرم الغربي صنماً من حجر صوان مجزعاً واقفاً معه شبه الحربة على رأسه حية مطوقة، من قرب منه وثبت اليه من ناحية قصده، فتطوقت على عنقه فقتلته ثم عادت إلى رأس الصنم.

  21. وجعل خازن الهرم الملون صنماً صغيراً من حجر البهت على قاعدة منه قائماً، من نظر إليه اجتذبه الصنم حتى يلصق به، فلا يفارقه حتى يموت.

  22. فلما فرغ من ذلك ضمدها بالأرواح الروحانية، وذبح لها الذبائح لتمنع من أنفسها من أراد الوصول إليها، إلا من قرب لها وعمل لها باعمال الوصول.

  23. وذكرت القبط أن عليها كتاباً منقوشاً تفسيره بالعربية " أنا سوريد الملك الملك، بنيت هذه الأهرام في وقت كذا من الزمان، وأتممت بنيانها في ست سنين، فمن أتى بعدي، وزعم أنه ملك مثلي فليهدمها في ستين سنة، وقد

    علم أن الهدم أيسر من البنيان، وإني قد كسوتها بالديباج فليكسها من أتى بعدي حصيراً! "

  24. فوجدوا أنه لا يقوم بهدمها شئ في الأزمان الطوال، وأن كسوتها أيضا بالديباج مما يشق على الملك، ويتعذر إلا بفساد عظيم، وبما لم يكن [فيه] صلاح.

    ج ١ ص ١٦٥
  25. فمنها أن الرشيد لما دخل مصر، فرأى الاهرام أحب أن يهدم بعضها ليعلم ما فيه، فقيل له إنك لا تقدر على ذلك، فقال لابد من فتح شئ منه ففتحت الثلمة المفتوحة بنار توقد وخل يرش ومجانيق يرمى بها وحدادين يعملون ما فسد منها وأنفق عليها مالاً عظيماً فوجدوا عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعاً، فلما انتهوا إلى آخر الحائط وجدوا خلف النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب وزن كل دينار أوقية من أواقينا، وكان عددها ألف دينار فعجبوا من ذلك ولم يعرفوا معناه، فأخبروا بذلك الرشيد، وأتوه بالذهب والمطهرة فجعل يعجب من ذلك الذهب، ومن جودته وحسنه وحمرته، ثم قال ارفعوا إلي حساب ما أنفقتموه على هذه الثلمة ففعل ذلك فوجدوه بأزاء ذلك الذهب الذي أصابوه لا يزيد ولا ينقص، فعجب من معرفتهم بذلك على طول المدة، وأنهم يستفتحونه من ذلك الموضع بعينه وعجب من معرفتهم بقدر ما ينفق عليه، ومن تركهم ما يوازي في الموضع، عجباً شديداً كأن لهؤلاء القوم من العلوم منزلة لا نوازيها ولا ندركها نحن ولا أمثالنا.

  26. وقيل ان المطهرة التي وجد فيها المال كانت من زبرجد، فأمر بحملها إلى خزائنه وكانت أحد ما حمله من عجائب مصر.

  27. ومن عجائبها وما يستغرب منها أن الرشيد لما فتح تلك الثلمة من الهرم أقام الناس سنين يقصدونه ويدخلونه، وينزلون فيه من الزلاقة التي فيه، فمنهم من يسلم، ومنهم من يهلك، وأن جماعة من الأحداث اتفقوا وكانوا عشرين

    ج ١ ص ١٦٦رجلاً على أن يدخلوا الهرم، ولا يبرحوا منه إلى أن يصلوا إلى منتهى آخره أو يموتوا عن آخرهم فيه.

  28. فأخذوا معهم من الطعام والشراب ما يكفيهم لشهرين، وأخذوا الاكل والوقيد والشمع والحبال والفؤوس، وما احتاجوه من الآلات والحديد للحفر، دخلوا الهرم ونزل أكثرهم في الزلاقة الأولى والثانية، ومضوا يمشون في أرض الهرم، فرأوا خفافيش على قدر العقبان تضرب وجوههم، وانتهوا الى ثقب تخرج منه ريح باردة ولا تفتر، فذهبوا ليدخلوه فانطفأت مسارجهم، فذهبوا ليدخلوه فاذا الثقب على قاعة كبيرة فارغة، فعلموا أن أجساد موتاهم في ذلك الموضع، وأن معها كنوزهم وأموالهم، فراموا أن ينزلوه فلم يستطيعوا على ذلك.

    فقال أحدهم: شدوني بالحبال، وانزلوني في هذا الثقب حتى أصل إلى قعر هذه القاعة، ولعلي أعلم منها بعض ما تريدون، ففعل القوم بصاحبهم ذلك، وشدوا الحبال في وسطه وتعجم الثقب فأبطأ فيه، وهم يمسكون الحبال حتى انطبق الثقب عليه، فجذبه أصحابه بجهدهم وقوتهم فلم يقدروا على نزعه وسمعوا عظامه تتكسر وسمعوا صيحة هائلة سقطوا منها على وجوههم لا يعقلون، فقاموا وطلبوا الخروج، وضاق بهم الأمر وصعدوا فسقط بعضهم من الزلاقة عند صعودهم، فترك وهلك.

  29. وخرج من بقي منهم من جميع الهرم، وجلسوا في صيحة متعجبين،

    فبينما هم كذلك إذ اخرجت لهم الأرض صاحبهم من بين أيديهم حياً يتكلم بكلام كاهني لم يفهموا معناه، فسره لهم بعض أصحاب الدرايات بالصعيد بأنه " هذا جزاء من طلب ما ليس له " ثم سقط ميتاً فحملوه، وفطن بهم فأخذوا وحملوا الى الوالي، فحدثوا عن أنفسهم ذلك.

  30. وفي حديث آخر أن قوماً دخلوا الهرم وانتهوا إلى أسفله وطافوه فعرض لهم مثل الطريق، فساروا فيه فوجدوا كالمطهرة يقطر منها ماء يسير ثم يفيض فلم يدروا ما هو، ثم وجدوا موضعاً كالمجلس المربع حيطانه من حجارة مربعة ملونة عجيبة صغار في نهاية من الحسن، فقلع أحدهم منها حجراً وجعله في فيه.

    ج ١ ص ١٦٧
  31. فانسدت أذنه من الريح، ولم يزل يتصبر وهو معهم حتى دخلوا مكانا فيه كالقوارة العظيمة فيها ذهب مضروب كثير، أعمدته كلها في غاية من الاتقان زنة كل واحد منها الف دينار، فأخذوا منها واحداً، فلم يقدروا أن يتحركوا، ولا ان يمشوا حتى تركوه من أيديهم، ولم يصلوا منه إلى شئ.

  32. ووجدوا في مكان آخر كالصفة فيها صورة شيخ من صنم أخضر، مشتمل شملة، وبين يديه تماثيل صغار في صورة الصبيان وكأنه يعلمهم، فأخذوا منها واحداً فلم يقدروا أن يتحركوا.

  33. وساروا أيضاً في تلك الطريق، فوجدوا بيتاً مسدوداً فيه دوي هائل وزمزمة، فلم يتعرضوا له، ومضوا فوجدوا مثل المجلس المربع فيه صورة ديك من جواهر قائم على اسطوانة خضراء، وله عينان يسرج المجلس منها، فلما دنوا منه صوّت بصوت مفزع، وخفق بجناحيه، فتركوه ومضوا حتى وصلوا إلى صنم من حجر أبيض في صورة امرأة منكسة الرأس، وعن

    جانبيها أسدان من حجارة كأنهما يريدان أن يلتقماهما، فجعلوا يتعوذون ويقرأون إلى أن تجاوزوهما، وساروا إلى أن لاح لهم نور ساطع، فاتبعوه فإذا هم بهوة مفتوحة، فخرجوا منها، فاذا هم في الصحراء.

  34. وإذا على باب الهوة تمثالا [ن] من حجر أسود معهما كالمزراقين، فعجبوا

    ج ١ ص ١٦٨من ذلك ووجدوا شبه الطريق فساروا عليه يوما كلاما إلى أن وصلوا إلى الأهرام من خارج.

  35. وكان ذلك في زمان يزيد بن عبد الله والي مصر فأخبروه بذلك فاستعد ووجه معهم من يدخل الهوة فأطافوا أياماً فلم يجدوها، وأشكل عليهم أمرها، ولم يكن لهم إليها سبيل ولا وجدوا فيها حيلة، والذي أخرج ذلك وحده جوهرة نفيسة باعها بمال خطير.

  36. وذكر أن قوماً في وقت أحمد بن طولون دخلوا الهرم فوجدوا في طاق من أحد بيوته أشنانة زجاج فأخذوها وخرجوا بها فافتقدوا رجلاً منهم فدخلوا في طلبه إذ خرج عليهم عرياناً يضحك ويقول " لا تتعبوا في طلبي " ورجع هارباً إلى داخل الهرم، فعلموا أن الجن قد استهوته وشاع أمرهم.

  37. وقيل إن أحدهم سعى بهم فأخذ الاشنانة منهم، ومنع الناس من دخول الهرم، وأنهم وزنوا ذلك الأشنان فوجدوا فيه سبعة أرطال من زجاج أبيض صاف، فانتبه رجل من أهل المعرفة، وقال لم تتخذ الملوك هذه لباطل وما عملت إلا لشئ، ثم ملأ الأشنان بالماء ثم وزنه فوجده ملاءً مثل وزنه فارغا لا ينقص ولا يزيد.

  38. وحكي أن قوماً دخلوا الهرم ومعهم غلام يعبثون به، فخرج عليهم غلام أسود في يده عصى، فأخذ يضربهم ضرباً وجيعاً فخرجوا هاربين

    وتركوا طعامهم وشرابهم وبعض ثيابهم، وقد أصاب قوم في بربا اخميم مثل ذلك.

  39. وحكي أن رجلاً وامرأة دخلا للفجور فصرعا جميعاً فلم يزالا مصحوبين مشهورين الى أن ماتا.

  40. وفي بعض مصاحف القبط أن سوريد الملك لما أخبره كهنته بخبر النار المحرقة، التي تخرج من برج الأسد فتحرق العالم فعمل في الاهرم مسارب

    ج ١ ص ١٦٩يدخل منها النيل الى مكان يعنيه ثم يفيض الى موضع من أرض العرب وأرض الصعيد، وملأ تلك عجائب وطلسمات وأصناماً تنطق.