ذكر ملوك مصر بعد الطوفان

٥٣٦ فقرة، ج ١ ص ١٨٠

الصفحة ١٠ من ١٤

  1. قال فأين تكونون إذا حميت الشمس؟ قال في غيران لنا تحت هذا الجبل.

    ج ١ ص ٢٥٦
  2. قال فهل تحتاجون إلى مال أخلفه لكم؟ قال إنما يحتاج إلى هذا المال أهل

    ج ١ ص ٢٥٧البذخ.

  3. ونحن لا نستعمل شيئاً منه فاستغنينا عنه بما قد اكتفينا به.

  4. ومع ذلك فإنا قد رزقنا منه ما لو رأيته لحقرت ما عندك.

  5. قال فأرنيه! قال فسر معي، قال فانطلق الملك ونفر من أصحابه معه إلى أرض في سفح جبل يتصل بهم فرأوا فيه قضبان الذهب نابتاً، وأروه وادياً لهم على حافتيه حجارة الزبرجد والفيروزج.

  6. فأمر نهراوس أصحابه أن يتخيروا من جياد تلك الحجارة، ويحملوا منها ما يقدروا عليه ففعلوا، ورجع بهم إلى مصر فرأوا قوما من أهل العسكر يحملون صنما لهم ويعظمون امره، فجزع من ذلك، وسأل [الرجل] الملك أن يقيم بأرضهم، ونهاه عن عبادة الأصنام وخوفهم منها.

  7. فسأله نهراوس أن يدله على الطريق، ففعل وودعه وسار على السمت الذي وصفه له، فلم يمر على امة إلا أثر فيها أثراً إلى أن بلغ الى ارض النوبة، فصالح أهله على ما يحملونه اليه ثم أتى إليه دنقلة فأقام بها علما وزبر اسمه عليه ومسيره وجميع ما عمله في سفرته تلك.

  8. ثم سار منها يريد منف فلم يبق احد إلا خرج إليه مع العزيز، وتلقوه بأصناف الطيب والرياحين والبخورات والملاهي وغرائب الالعاب.

  9. وكان العزيز قد بنى له مجلسا من الزجاج الغريب الابيض الصنعة الملون، وجعل فيه صهريجاً من زجاج سماوي، وجعل في ارضه سمكا من الزجاج الغريب فلما دخل منف أنزله العزيز في ذلك المجلس، وأقام الناس أياماً في لهو وسرور يأكلون ويشربون.

  10. وأمر بعرض جيشه ففقد سبعين ألفاً، وقد كانوا خرجوا في ألف ألف، وكانت غيبته أحد عشر عاماً.

  11. ولما سمع الملوك بذكر ما عمل في سفره، وما غلب من الأمم، وما فتح من البلاد، وقتل وأسر من الخلق هابوه وخافوه، لشدة بأسه وعظيم سلطانه.

  12. أخبار الزمان - م (١٧)

  13. وتجبر نهراوس فبنى في الجانب الغربي قصورا من رخام، ونصب عليها أعلاما فكان يغشاها أبداً، ويقيم فيها اياما كثيرة، وكان الخراج في وقته تسعة وتسعين ألف ألف، فامر بالزيادة في طلب العمارات، وطلب وجوه الزيادة فيها من احسن الطرقات لا من رديئها.

    ج ١ ص ٢٥٨
  14. وأمر باصلاح الجسور في الجهات، والتحمل في أن يزيد الماء في انبساطه في الأرض، ففعل ذلك كله حتى وافى الخراج مراده وزاد عليه.

    وقالت القبط: إن في مدته دخل البلد غلام من الشام له أخوة يحسدونه، فاحتالوا عليه حتى بيع من تجار يقصدون مصر، وكانت قوافل الشام تعرس بمصر بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام للبيع ونودي عليه، وهو يوسف الصديق عليه السلام، فبلغ وزنه ذهبا ووزنه فضة، فاشتراه العزيز ليهديه للملك، فلما أتى به إلى منزله رأته زليخا امرأته، وكانت ابنة عمه فقالت له اتركه عندنا نربيه ففعل، وكان من أمره معها وعشقها له ما قصه الله تعالى في كتابه، وكانت تكتم حبها عنه، حتى غلبها الأمر، فتزينت له وجاءته فعرفته عشقها له، وأنها مطاوعة له في كل ما يريده منها، وأنها لابد لها منه، وحبته بمال عظيم، فامتنع عليها، ولم يجد عنها مهربا، فرامت تقبيله فأبى عليها، فهجمت عليه ولم تزل تعاركه وهو يمتنع إلى ان دخل زوجها فوجده هاربا

    عنها وكان عنينا لا يأتي النساء، فقال لهما ما هذا فجعل يوسف عليه السلام يعتذر اليه، وقالت هي كنت نائمة فأتاني يراودني عن نفسي، ففطن أن الأمر كان منها.

  15. فقال ليوسف عليه السلام أعرض عن هذا أي عن اعتذارك، وقال لزليخا استغفري لذنبك، فانك قد أخطأت.

  16. واتصل خبر الغلام وجماله بالملك، وأن العزيز ابتاعه له، فلما لم يره سأله عنه انكر المعين أمره وغير له خبره، وغلظ فيه عليه، وثقف الغلام عنده في القصر ومنعه الخروج فنسي خبره.

  17. وكان نهراوس قد عاود الانعكاف على اللذات، والاحتجاب عن الناس لما كان العزيز كفاه من أمر الملك والرعية.

    ج ١ ص ٢٥٩
  18. واتصل خبر زليخا مع يوسف عليه السلام بنساء من نساء اصحاب الملك فعيرنها بذلك.

  19. فأحضرت منهن جماعة وعملت لهن طعاماً، فلما أكلنه أحضرت لهن شراباً، وأجلستهن مجلسين مجلساً حذاء مجلس، مذهبين جميعاً، وفرشتهما بالديباج الأصفر المذهب، وأرخت عليهما ستور الحرير والديباج.

  20. وجلسن فيهما للشراب وقدمت بين ايديهن فاكهة كثيرة، وسكاكين أنصبتها من الجوهر، وقالت لهن اقطعن من هذه الفاكهة بهذه السكاكين، ويقال إن الذي كان ينزل بين ايديهن أترج وهو المتكأ، فأمرت المواشط بتزيين يوسف عليه السلام.

  21. وإخراجه إلى المجلس الذي كانت تجلس هي فيه والنسوة للشراب.

  22. وكانت الشمس ذلك الوقت محاذية لذلك المجلس.

  23. فأخذته المواشط ونظمن شعره باصناف الجوهر.

  24. وألبسنه ثوب ديباج اصفر منسوج

    بدوائر مذهبة.

  25. وفيها صور خضر صفار.

  26. وعدلن شعره على جبينه إلى قرب حاجبيه.

  27. ووصلن جبهته، وعقربن على خديه صدغيه، ورددن ذؤابته على صدره.

  28. ودفعن اليه بمذبة ذهب شعرها أخضر.

  29. فلما فرغ النسوة من أكلهن وجلسن للشراب، وأحضرت الفواكه وسقتهن أقداحاً دفعت اليهن السكاكين، وقالت لهن قد بلغني ما أخذتن فيه من أمري مع عبدي.

  30. فقلن لها إن الامر على ما بلغك إلا أنك أعلى عندنا قدراً من هذا ومثلك يرتفع عن اولاد الملوك لحسنك وشرفك وعقلك، فكيف كنت ترضين بعبدك؟ قالت لم يبلغكن الصدق عني.

  31. ولم ارض لنفسي بذلك، فلو رضيته لكان هو اهلا لذلك، وشارت إلى المواشط باخراجه، فرفعت ستور المجلس الذي يحاذي مجلسها

    ج ١ ص ٢٦٠واقبل يوسف عليه السلام والمذبة بيده، وهن يرمقنه، محاذيا للشمس.

  32. فأشرق المجلس وما فيه بوجه يوسف عليه السلام وارسل مع نور الشمس شعاعا فكاد يخطف ابصارهن.

  33. واقبل يوسف عليه السلام والمذبة بيده وهن يرمقنه حتى وقف على رأسها يذب عنها، وهن لا يعقلن، وقد وضعن تلك السكاكين على أيديهن وأصابعهن، فقطعنها مكان الفاكهة ولا يشعرن بذلك ولا يجدن ألما وهي تخطبهن فلا يفهمن خطابها للذي أدهشهن من النظر إلى وجه يوسف عليه السلام.

  34. فقالت لهن زليخا ما لكن قد اشتغلتن عن فهم خطابي بالنظر إلى عبدي؟ فقلن معاذ الله أن يكون هذا عبدك أو يكون هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم، ولم تبق منهن واحدة الا أنزلت وحاضت من محبته.

  35. فقالت لهن زليخا عند ذلك فهذا الذي لمتنني فيه، فقلن لها ما ينبغي لأحد أن يلومك بعد هذا، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه، وقالت قد فعلت فأبى على فخاطبنه إن قدرتن وأعدنه الخير مني وحذرنه عقوبتي على رده لي، فكانت كل واحدة منهن تدعوه إلى نفسها سراً، وتبذل له ما قدرت عليه وهو يمتنع، فاذا قطعت رجاءها منه لنفسها حينئذ خاطبته عن زليخا، وقالت له مولاتك تحبك وأنت تكرهها، وما ينبغي أن تخالفها وهي تبلغك إلى افضل المنازل، وتعطيك من الأموال والجواهر فوق ما يرضيك، فيقول ما لي بذلك من حاجة، فلما رأين ذلك منه أجمعن على أخذه غصباً.

  36. فقالت زليخا ما يجوز ذلك ولا يمكن، ولكنه ان لم يفعل لامنعنه اللدات، ولأنزعن عنه جميع ما أعطيته ولأسجننه.

  37. فقال يوسف عليه السلام رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه، فأقسمت بالهها، وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد أنه إن لم يجبها إلى ما تريده لتعجلن له ذلك وكشفت عن الصنم واستعانته على أمره، ثم أمرت بنزع ثيابه وألبسته الصوف وسألت زوجها أن يحبسه لها ليزول عنها ذكرها به فمال إلى قولها لئلا يظن الناس بأهله القبيح، وعسى [أن] ينفي عنها القالة بذلك.

  38. فأمر بحبسه فحبس.

    ج ١ ص ٢٦١
  39. فأقام في السجن بضع سنين.

  40. ورأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه فقال له إن فلانا [وفلانا] (١) قد عزما على قتلك، وكان صاحبي طعامه وشرابه.