ذكر ملوك مصر بعد الطوفان

٥٣٦ فقرة، ج ١ ص ١٨٠

الصفحة ١١ من ١٤

  1. وفي غد تقف على أمرهما.

    ج ١ ص ٢٦١
  2. فلما أصبح قررهما فاعترفا وقيل اعترف احدهما، وأنكر الآخر فامر بحبسهما وكان اسم صاحب الشراب مرطيس.

  3. وكان يوسف عليه السلام برا رؤفا بأهل السجن، يصبرهم ويعظهم ويعدهم

    بالفرج، ويفسر احلامهم.

  4. إلى أن اخبره صاحب طعام الملك وصاحب شرابه برؤياهما كما جاء به القرآن، فأخرجا من السجن.

  5. وكان كما أخبرهما ان قتل أحدهما وهو الذي اقر ونجا الآخر الذي لم يقر.

  6. وهو صاحب الشراب.

  7. ولما رأى الملك في نومه البقرات والسنابل وأراد أن يعبر رؤياه عرفه الساقي خبر يوسف عليه السلام.

  8. فأرسل إليه الى السجن ففسرها له وقيل إن الملك قال للرسول سله عن الرؤيا قبل أن تقصها عليه ففعل.

  9. فقال الملك عند ذلك فجئني به.

  10. فرجع الرسول إليه ليخرجه ويحمله إلى الملك.

  11. فقال له يوسف عليه السلام لست أخرج حتى يكشف الملك عن امر النسوة اللاتي قطعن ايديهن وحبست من اجلهن.

  12. فأمر الملك في الوقت، فأحضرت زليخا والنسوة وكشف عن حقيقة الأمر فوقف عليه، وأقرت زليخا والنسوة بما كان منها.

  13. فوجه الملك إليه وأخرج من السجن وغسل من دونه ونظف وألبس من الثياب ما يليق به مثله على الملك.

  14. فلما دخل على الملك ورآه امتلأ قلبه من حبه.

  15. فانزله وأكرمه وسأله عن الرؤيا ففسرها له كما قال الله عزوجل في كتابه.

  16. فقال الملك ومن يقوم بذلك؟ فقال له يوسف عليه السلام أنا فإني به عليم.

  17. فخلع عليه خلع الملك وألبسه تاجا.

  18. وأمر أن يطاف به، ويركب الجيوش

    ج ١ ص ٢٦٢معه.

  19. ويرد إلى قصر الملك، ويجلس على سرير العزيز، فكان ذلك واستخلفه الملك مكانه وسماه العزيز.

  20. وقال قوم كان العزيز قد هلك، فتزوج يوسف عليه السلام امرأته، فلما

    خلا بها قال لها هذا أفضل مما كنت أردت؟ فقالت له إن زوجي كان عنينا ولم ترك امرأة في حسنك وهيبتك إلا صبا قلبها إليك.

  21. فأقام يوسف عليه السلام يدبر ملك مصر كيف شاء، وجاءت سني الخصب فاخذ يوسف غلاتها فخزن اكثرها في سنابلها، واشترى الغلات الجسيمة، وأكثر غلات الناس، وخزن من ذلك ما لا يحصر قدره.

  22. ثم جاءت سني الجدب وبدأ النيل في النقصان، فكان ينقص في كل سنة اكثر من نقصانه في السنة التي قبلها، فغلا السعر حتى بيع المأكول بالجوهر والمال والثياب والآنية والعقار.

  23. وكاد أهل مصر أن يرحلوا عنها لولا تدبير يوسف عليه السلام، وقحط أهل الشام، فكان من قصة إخوة يوسف ما قصه الله تعالى في كتابه.

  24. ووجه يوسف إلى أبيه فحمله إلى مصر وجميع أهله، وخرج في وجوه أهل مصر، فتلقاه وأدخله على الملك، فأحبه الملك وعظمه.

  25. فقال له يا شيخ كم سنك، وما صناعتك، وما الذي تعبده؟ فقال له أما سني فعشرون ومائة سنة، وأما صناعتي فلنا غنم نرعاها فنحن ننتفع بها ونعيش منها، وأما الذي أعبده فرب العالمين، وهو رب آبائي وآبائك وإلهي وإلهك وإله كل مخلوق وخالق كل شئ.

  26. وكان في مجلس الملك كاهن عظيم القدر عندهم، يقال له فيناس، فلما سمع قول يعقوب عليه السلام ضاق به ذرعا، وقال لنهراوس بلغتهم إنه يجري خراب مصر على يد ولد هذا فقال له نهراوس، فبين لنا خبره.

  27. قال فيناس ليعقوب عليه السلام إن كل إله لا تراه العيون فليس بشئ، فغضب يعقوب عليه السلام، وقال كذبت أي عدو الله، وطغيت في هذه الدنيا، إن الله تعالى شئ وليس كالأشياء، وهو خالق كل شئ لا إله غيره.

  28. قال فصفه لنا، قال إنما يوصف المخلوق لا الخالق عزوجل، لأنه ارتفع عن الصفات، فهو واحد قديم أول أزلي قاض بكل شئ مدبر لكل شئ بلا كيف هو، حاضر في كل مكان لم يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات البحر، ولا اعماق الأرض، ولا في اطباق السموات وهو يرى ولا تراه العيون ولا يحيط به فكر ولا يحويه مكان، وكان قبل المكان والزمان، وخلق المكان والزمان.

    ج ١ ص ٢٦٣
  29. ثم قام يعقوب صلى الله عليه وسلم مغضبا ليخرج، فأجلسه الملك وأمر فيناس ان يكف عنه، ويأخذ في غير ذلك، قال كم عدة من دخل معك من الرجال؟ قال ستون رجلا.

  30. قال فيناس للملك كذلك نجد في كتبنا ان خراب مصر يجري على يد قوم يدخلون مصر في هذا العدد من الشأم من صنف هؤلاء.

  31. قال الملك أيكون ذلك في ايامنا؟ قال لا ولكن إلى أمد بعيد، ولكن الصواب أن يقتله الملك ولا يستبقي من ذريته أحدا.

  32. قال الملك نهراوس إن كان الأمر كما تقول فلا يمكننا دفعه ولا علينا منه ضرورة إذا لم نخف أن يجري ذلك في مدتنا أن نقتل هؤلاء القوم، وهم يذكرون أمر إله عظيم.

  33. وغيرنا ممن يخاف أن يدور ذلك عليه أحق بالنظر فيه، وقد قبل قلبي قول هذا الرجل، وأعجبني امره، وهو شيخ جليل القدر، وليس إلى إذايته سبيل، فخاطبه بألين كلام وناظره إن شاء مناظرتك.

  34. فجرت بين يعقوب عليه السلام وبين فيناس بعد ذلك مخاطبات لين له فيها القول، وظهر فيها يعقوب عليه السلام [عليه] .

  35. وأحب يعقوب أن يعرف خبر مصر ومدائنها وعجائبها وسحرها وطلسماتها، فسأل عن قليل ذلك وكثيره فيناس عند خلوته به.

  36. واستحلفه بحق فرعون أن لا يكتمه شيئا منه، فوصف له ذلك كله وبينه وشرح غرائبه، حتى لم يخف عن يعقوب عليه السلام شيئا منها.

  37. فأقام يعقوب بمصر ونهر اوس يجله ويعظمه إلى ان حضرته الوفاة، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشام، فجعل في تابوت، وخرج معه يوسف عليه السلام ووجوه أهل مصر حتى بلغوه إلى موضعه، ودفن فيه عليه السلام، وقيل إن عيصو منعه من دفنه هناك لأن إسحق عليه السلام وهبه الموضع، فاشتراه يوسف عليه السلام منه بحكمه، ودفنه فيه.

    ج ١ ص ٢٦٤
  38. وأقام يوسف بمصر وولد له فيها، ويقال إن نهراوس آمن بيوسف عليه السلام، وكتم أيمانه خوفا من فساد ملكه.

  39. وملك نهراوس مائة وعشرين سنة، وفي وقته عمل يوسف عليه السلام الفيوم لابنة الملك، وكان أهل مصر قد تنقصوا الملك، وقالوا قد كبر وذهب عقله، فاخبهر يوسف عليه السلام، فقال نهراوس ما أبالي ولكني قد وهبت لابنتي ناحية كذا وكذا، وهي مغايض مياه ومروج، وأحب أن أدفع عنها صبيب المياه وأخرج عنها ما حصل فيها حتى ترجع ارضا عامرة مغلة، فاعمل في ذلك واحكم ما يمكن.

  40. فخرج يوسف عليه السلام فدبرها وأخرج المياه منها، وقطع مادتها منها، وبنى جسورها وقلع أدغالها وردها ارضاً عظيمة العمارة جسيمة الغلة، وهي أرض الفيوم، وفرغ من ذلك كله في مدة قريبة، فعجب الناس من فطنة الملك وحكمة يوسف عليه السلام.