ذكر ملوك مصر بعد الطوفان

٥٣٦ فقرة، ج ١ ص ١٨٠

الصفحة ١٣ من ١٤

  1. فاستولى وهو غلام على كثير من أمر فرعون، وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلاً من أشراف القبط، وكان يقرب من فرعون فهرب منه.

    ج ١ ص ٢٧٠
  2. وخرج الى ناحية مدين، وتزوج ابنة ثيرون، وهو شعيب عليهما السلام، على ان يرعى غنمه وأنسأه بأجلين فقضى أتمهما وأرسله الله الى فرعون.

    ج ١ ص ٢٧١
  3. وولدت امرأته فذهب يقتبس لها ناراً، فكلمه الله تعالى في جبل الطور، وقال له: أمض الى فرعون، وايده باخيه فترك امرأته محلها ومضى لرسالة ربه.

  4. وولدت امرأته فأرسل الله تعالى جبريل بما يصلحها من آلة الولادة وختن ابنها، وكانت الغنم تغدو من عندها وترجع اليها بغير راع.

  5. وحمل جبريل عليه السلام الغلام حتى أراه موسى وهو سائر الى مصر فقبله، وتفل في فيه ورده الى امه، ومر بها رجل من آل شعيب فردها الى

    مدين، وصار موسى إلى مصر ولقي اخاه هارون ولم يثبته لطول غيبته، وكان يغتسل على شاطئ النيل، فاستضافه فأضافه وأطعمه جلبانا مطبوخاً قد ثرد فيه ثريد، وتعارفا وسر بعضهما ببعض وعرفه ان الله عزوجل أرسله ونبأه هو واخوه، وجعله له عضداً.

  6. وغدوا الى فرعون وأقاما اياما، وعلى كل واحد منهما جبة صوف، ومعه عصاه التي أخذها من شعيب عليهما السلام ومنها كانت احدى آياته، فكانا يأتيان في كل يوم ويجلسان ببابه فلا يصلان الى فرعون لشدة حجابه، إلى أن دخل اليه مضحك كان له فعرفه حالهما، وقال بالباب رجلان يطلبان الاذن عليك، ويزعمان أن إلههما أرسلهما اليك، فأمر بإدخالهما وخاطبه موسى وأراه آية العصا، وآيته في بياض اليد، وهما آيتان من تسع، وكان من خطابه إياه ما قصه الله في كنابه.

  7. فغاظ فرعون أمره وهم بقتله، فمنعه الله تعالى منه وشغله عنه، ورأى طلما فرعون كأن على صورة غمامة قد اقبلت، فمسحت على عيونهم فعموا.

  8. ثم أمر قوما آخرين بقتله، فرأى كأن ناراً قد أتت فاحرقتهم، فازداد عليه غيظاً، وقال له من أين لك هذه النواميس العظام؟ أسحرة بلدي علموك هذا، أم تعلمته بعد خروجك من عندنا؟ قال هذا من ناموس السماء، وليس من نواميس الأرض.

    ج ١ ص ٢٧٢
  9. قال ومن صاحبه؟ قال صاحب البنية العليا، قابل بل علمتها من بلدي، وأمر بجمع السحرة والكهنة وأصحاب النواميس فقال أخرجوا عليّ أرفع اعمالكم، فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جداً، فعرضوا عليه اعمالهم فسره ذلك، وأحضره وقال له فقت على سحرك وعندي من يوفي عليك، فواعدهم يوم الزينة، وهو يوم عيد كان لهم، على ان

    من غلب منهما اتبعه الاخر، وكان جماعة من أهل البلد اتبعوا موسى صلى الله عليه وسلم، وكانت السحرة مائة الف وأربعين ألفاً، فعملوا من الأعمال ما يرى الوجوه ملونة ومشوهة، ومنها الطويل ومنها العريض، ومنها المقلوب جبهته إلى اسفل ولحيته الى فوق، ومنها ما له قرون ومنها ما هو عظيم على قدر الترس ومنها ما له آذان عظام، ومنها ما يشبه وجوه القرود.

  10. وفي كل فن وفي كل صورة، وأجساماً عظاماً ما تبلغ السحاب، وحيات عظيمة بأجنحة تطير الى الهواء، ويرجع بعضها على بعض.

  11. وحيات يخرج من أفواهها نار يخيل للعالم انها تكاد تحرقه، وحيات برؤس وشعور، وأذناب فيها رؤس، وتماثيل في طرق الشياطين.

  12. ثم عملوا دخاناً يغشى أبصار الناس، فلا يرى بعضم بعضاً، ودخاناً يظهر صوراً مثل النيران في الجو، على دواب مثل ذلك يصدم بعضها بعضاً، وتسمع لها قعاقع وضجة، وصوراً اخرى على دواب خضر، وصوراً سوداً على دواب سود.

  13. فلما رأى فرعون ذلك سر هو وجماعته ممن حضر معه، واغتم موسى

    ج ١ ص ٢٧٣صلى الله عليه وسلم، ومن كان آمن به وكفر [بفرعون] (١) خوفا على فتنة الناس بذلك وضلالهم.

  14. وكان للسحرة ثلاث رؤس، فلما رأى موسى صلوات الله عليه ذلك وضاق به ذرعا أتاه جبريل عليه السلام، وقال له لا تخف إنك انت الأعلى وألق ما في يمينك، فسر بذلك موسى عليه السلام، وطمع في إيمان الناس وسكن خوفه فأسر إلى عظماء السحرة وقال قد رأيت ما صنعتم، فان قهرتكم أتؤمنون بالله؟ قالوا نشهد لنفعلن، فرآه فرعون، وقد اسر اليهم

    فغاظه وهم بمعاجلة (٢) الجميع، ثم توقف ليعلم آخر القضية، والناس يهزؤون منه ومن أخيه وعليهما دراعتان من صوف، وقد احتزما بالليف، ومع موسى عليه السلام عصاه.

  15. فسمى موسى ععليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم ثم حلق العصا ورفعها في الجو ورفعها جبريل عليه السلام حتى غابت عن عيونهم، ثم اقبلت في صورة ثعبان عظيم له عينان كالترس تتوقدان ناراً، وتخرج من فيه ومن منخره، وهو يزيد غضباً لله تعالى، فلا يقع من زبده شئ على أحد إلا أبرصه، وبرصت من ذلك ابنة فرعون والثعبان فاتح فاه.

  16. وذكر أن امه كانت حاضرة قريبا منهم، فابتلع الثعبان جميع ما عملته السحرة ومائتي مركب كانت مملوءة عصيا وحبالا، وجميع من كان فيها من الملاحين.

  17. وكان في النهر الذي يتصل بدار فرعون عمد كبيرة وحجارة، وكانت قد حملت إلى هناك ليبنى بها، وأقبل الثعبان إلى قصر فرعون ليبلعه، وكان في قبة له على جانب القصر يشرف على عمل السحرة، فوضع الثعبان نابه تحت

    ج ١ ص ٢٧٤القصر، ورفع بابه الآخر إلى اعلى القبة ولهب النار يخرج من فيه، وقد احرق مواضع من القصر، فصاح فرعون عند ذلك، واستغاث بموسى صلى الله عليه وسلم فزجره فعطف على الناس ليبتلعهم، وبلع بعضهم فسقط بعضهم على وجوه بعض.

  18. وذهب ليبتلعهم فأمسكه موسى عليه السلام، وعاد في يده عصا كما كانت ولم يروا لتلك المراكب أثرا، وكان فيها من الحبال والعصي والناس والأعمدة والحجارة وما شربه من ماء النهر حتى بانت أرضه ترابا.

  19. فلما رأى السحرة ذلك، ولم يروا لتلك الأعيان اثرا قالوا ما هذا عمل الآدميين! وانما نصنع مخاييل لا تغيب عن الأعيان، فقال لهم موسى أوفوا يوعدكم وإلا سلطته عليكم فيبتلعكم كما ابتلع غيركم.

  20. فعندها آمن السحرة بموسى عليه السلام، وجاهروا فرعون،، وقالوا هذا من فعل إله السموات وليس من فعل إله الارض.

  21. (١) فقال فرعون قد علمت أنكم واطأتموه علي وعلى ملكي حسدا منكم لي، وأمر مثل ذلك، وجاهره فقطعت ايديهم وأرجلهم من خلاف.

  22. وكانوا يرون مساكنهم من الجنة قبل أن يموتوا، وجاهرته امرأته ففعل بها المؤمن ففعل به مثل ذلك.

  23. وكان الروحاني قد قال له إني رب السماء وأنت رب الأرض قد استخلفتك فيها، فأنت رب كل من سكنها من الخلق، فتجبر وادعى الربوبية وشق الانهار وغرس الأشجار.

  24. فلما كان من امر موسى عليه السلام ما كان، فسد ذلك الروحاني وسقطت الطلسمات، وبعض الهياكل والمنارات وخرت الأصنام على وجهها، وعلت

    ج ١ ص ٢٧٥آيات موسى، وبطل ما كان من الطوفان والجراد والقمل والضفادع، فتحول ماؤهم دما، فكانت الاسرائيلية تسقي القبطية من فمها ماء فيعود في فم القبطية دما عبيطا، وتعض على الرغيف لتأكل منه فتعض على الضفدع، واتلف الجراد والقمل جميع ذروعهم، وهدم الماء ابنيتهم، وبعض منازلهم وتبين للناس أنه لا ينفعهم.

  25. وضاق صدر فرعون من ذلك، فرجع إلى مداراة موسى عليه السلام،

    ووعده أن يستخلفه على ملكه، وأشار عليه هامان والكهان ان لا يفعل.

  26. ثم أمر الرعية أن يقتلوا موسى، فخرج جماعة [إلى] (١) الموضع الذي فيه لذلك، فأتت نار فأحرقتهم.

  27. ورأى فرعون كأنه أخذ برجليه، ونكس على رأسه في حظيرة نار، وكأنه يستغيث، ويقول إني لمؤمن بموسى وربه فخلوا عنه، فدعا هامان وعرفه ذلك، وقال له لم يبق بعد هذا شئ، وأريد أن أو من بموسى، فقال له هو الذي عمل لك الرؤيا ليهولك، فتريد أن تكون عبداً بعد ان كنت ربا! وتستتخف بك رعيتك، وتسلب ملكك! قال فتلطف به وبعد ذلك منعه منه، وكان يبعث اليه سرا ويستنظره، فلما تم الأجل ولم يفعل فرعون شيئاً كثر البلاء عليهم، وتهدمت منازلهم وفسدت زروعهم وكثرت الآيات في منازلهم.

  28. وكان الناس قد خافوا موسى وهابوه، وكانوا يؤمنون به سرا، فمن آمن به زال عنه الأذى فلما زاد الأمر على فرعون أحضر موسى وقال له إن أحببتك ما لي عندك؟ قال أردد شبابك، وأضعف عمرك، وآمنك من جميع العلل، ومن زوال

    ج ١ ص ٢٧٦ملكك، وأعلي يدك على من ناوأك من الملوك، وأكثر فيك نشاطك، واكلك وشريك.

  29. قال له فرعون إن فعلت ذلك فقد أنصفت فانظرني إلى غد، ثم شاور هامان فمنعه، وقال له نموت غدا أصلح لنا، قال فلما يئس منه قال فأطلق لي بني إسرائيل قال انما تربد اخراجهم من بلدي لتكون عليهم أميراً ملكا،

    وانا انتفع بخدمتهم، وهذا حسد منك لي.

  30. قال له موسى عليه السلام فأنتقل على ان لا تدعي الربوبية، قال اذاً أنقص من أعين الناس، قال فان الله سيهلكك ويهلك قومك، وتصير ارواحكم إلى نار حامية، قال فإني أفعل ذلك معك سرا ولا افعله جهراً، وأقرب للآلهة (١) القرابين العظام.

  31. قال موسى عليه السلام أن إلهي لا يرضيه إلا أن يؤمن به الناس أجمعون، فأما أن تؤمن به وحدك سرا دون الناس، فلا يرضيه ذلك ولا يقبله منك سرا حتى تظهره.

  32. قال وإن لم تفعل ذلك فان الله مهلك واهلك، وعلامة هلاكك أن لا يبقى لك هيكل إلا تهدم ولاصنم إلا خر، وقد خالفت ما دعوتك اليه مراراً كثيرة، وأنا احذرك الخلاف، وإن الله سيعجل لك العقوبة ولا ينظرك.

  33. ثم إن فرعون طول مطل موسى عليه السلام بما وعده في امر بني إسرائيل، ولم ينجزه، ورأى موسى عليه السلام أنه لا يرجع إلى خير ولا ينفع فيه وعظ، وخاف أن يفجأ بني إسرائيل بايذاء كثير، فعزم على الخروج عنه ببني إسرائيل.

  34. وحضر لبني إسرائيل عيد كانوا يجتمعون فيه، فأمر موسى عليه السلام نساء بني إسرائيل أن يستعرن حلى نساء القبط، ويأخذن منه ما يقدرن عليه من ثيابهن، ويتزين به في عيدهن، ففعلن ذلك، ثم دعونهن في عيدهن فأكلن معهن وشربن.

  35. وكان موسى عليه السلام ابعدهم قليلا إلى المشرق، وأمر أن يبعدوا

    هنالك، فلما أكلوا وشربوا ألقى الله تعالى على القبطيين رجالا ونساء السبات حتى منعهم من كل شئ.

    ج ١ ص ٢٧٧
  36. ثم سار موسى عليه السلام بجميع بني إسرائيل من أول الليل، وكان عددهم ستمائة ألف وأربععين ألفا ونيفا.

  37. وأخرجوا تابوت يوسف عليه السلام من النيل وحملوه معهم، دلتهم على موضعه عجوز مؤمنة من القبط، ومضت معهم.

  38. فسار ببني إسرائيل إلى ناحية بحر القلزم ليخفي آثارهم، فلما كان من آخر الليل عرف فرعون بخروجهم، وما فعلوه بنساء القبط من إعارة حليهن إلى الاسرائيليات ودعائهن به، فجلس لوقته ونادى في الناس، فلما اجتمعوا أمرهم أن يتأهبوا للركوب في آثارهم وأجلهم ثلاثة أيام.

  39. وخاطب كل من قرب منهم وبعد من جيوشه وحشوده أن لا يتأخروا عن لحاقه طرفة عين، فلما أصبح في اليوم الرابع ركب الناس، وركب معهم يتقدمهم واتبعوا آثار بني إسرائيل، ولم يبق أحد من اولاد الملوك ولا من أتباعهم ولا من فيه فضل إلا سار معه، فيقال إنه كمل عددهم، وزاد على موسى عليه السلام ستة آلاف ألف.

  40. فلم يمر موسى عليه السلام بعلم من أعلامهم إلا سقط، ولا بصنم إلا سقط لوجهه، وساروا مقربين حتى لحقوهم على ساحل البحر.