ذكر ملوك مصر بعد الطوفان
٥٣٦ فقرة، ج ١ ص ١٨٠
الصفحة ١٢ من ١٤
- ج ١ ص ٢٦٤
ويقال أن نهراوس أول من بنى بمصر (١) وبنى اللاهون، وجعل الماء فيه مقسوماً موزوناً، ثم مات نهراوس.
-
واستخلف ابنه دريموس، ويسميه أهل الأثر داروم (٢) بن الريان وهو الفرعون الرابع عندهم.
-
ولما ملك خالف سنة أبيه، وكان يوسف خليفته، لأن أباه أمره بذلك وأكد عليه فيه، فكان يوسف عليه السلام يسدده فربما قبل منه وربما خالفه.
- ج ١ ص ٢٦٥
وظهر في وقته معدن فضة على ثلاثة أميال من النيل، فأثار منه شيئاً عظيماً، وعمل منه صنماً على اسم القمر، لأن طالعه كان على السرطان، ونصبه على قصر الرخام الذي كان ابوه بناه في شرقي النيل.
-
ونصب حوله أصناماً كلها من فضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل للصنم عيداً في كل شهر، وهو إذا دخل القمر بالسرطان.
-
وكان ينتقل إلى مواضع شتى يتنزه، وكلما أراد أن يضر الناس منعه يوسف عليه السلام من ذلك ودفعه عن رأيه بأي وجه أمكنه، إلى ان مات يوسف عليه السلام وله مائة وثلاث وعشرون سنة، فأمر به داروم فكفن في ثياب الملوك، وجعل في تابوت رخام، ودفن في الجانب الغربي من النيل وخصب، ونقص الجانب الشرقي.
-
فاخرج تابوته من الجانب الغربي ونقل إلى الجانب الشرقي فدفن فيه ونقص الجانب الغربي.
-
فاتفق رايهم أن يجعلوه في الجانب الغربي سنة وفي الشرقي سنة، ثم حدث
لهم من الرأي أن شدوا حول التابوت حلقا من نحاس وثاقا ثم ربطوه بحبال وشدوه شدا وثيقا محكما ولووه لويا وثيقا ثم دلوه في وسط النيل، وتركوه هناك فأخصب الجانبان جميعاً وقيل إن داروم استوزره بعد بلاطس (١) الكاهن، فكان بلاطس يطلق له ما كان يوسف عليه السلام منعه عنه، وعمله على أذى الناس وأخذ أموالهم، فبلغ بهم من ذلك مبلغاً كبيرا.
-
فكان لا يسمع بامرأة حسناء إلا وجه إليها فحملت إليه.
-
وفشا ذلك في المملكة وأضطرب الناس من فعله.
-
فخاف بلاطس ان يفسد أمن المملكة، ويتلف الملك من فعله، فدخل اليه وأشار عليه أن يتودد الى الناس، ويعتذر منهم ويرد نساءهم، فأمره
ج ١ ص ٢٦٦الملك أن ينادي في الحضور ثم لبس افخر ثيابه، ودخل الناس اليه فشكوا اليه ما حل بهم، فاعتذر اليهم وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين.
-
ثم أمر بعمل قصر من خشب فيه عجائب كثيرة، وكان يركب فيه هو ونساؤه وحشمه، ورجع إلى ما كان عليه من ابتزاز النساء، ونهب الأموال، واستخدام الأشراف والوجوه، من القبط من بني إسرائيل.
-
إلى أن ركب في ذلك القصر يوماً، فلما كان في بعض الليالي وقد أحدق النيل بالبلد، وكان الماء من الجبل الى الجبل، وامتد القمر على الماء وهو في قصره الخشب، فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الأخرى، فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركباً لطيفاً مع ثلاثة نفر من خدمه
وامرأة أبيه الساحرة.
-
فلما توسط البحر هاجت ريح عاصفة، فانقلب المركب وغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكين في أمره الى أن وجدت جثته بشطنوف فعرف بخاتمه، وبجوهر كان يتقلد به، فحمل إلى منف.
-
وقدم الوزير ابنه معازيوس (١) وأجلسه على سرير الملك، وكان صبياً فبايع له الجيش وأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه أسقطه وزادهم سنة وضمن لهم الاحسان فأطاعوه ورد نساءهم، وهو خامس الفراعنة، وكان في زمنه طوفان آخر ببعض البلد.
-
وكان وزير أبيه قد هلك، فاستوزر كاهناً يقال له أملادة، فلما رأى من الاسرائيليين ما فعلوه أنكره، وأشار أن يفرد لهم من البلد [مكانا لئلا] بهم يختلط غيرهم، فأقطعوا موضعاً من قبلي منف، وعملوا لأنفسهم متعبداً كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم عليه السلام.
-
وان رجلاً من أهل بيت المملكة عشق امرأة من الاسرائيليين، وأراد أن يتزوج، فأبوا عن ذلك.
- ج ١ ص ٢٦٧
وتغلب احد ملوك الكنعانين على الشام وامتنع أهله ان يحملوا الضريبة إلى ملك مصر، وأقبل على ملازمة الهياكل والتعبد فيها، فأعظم الناس أمره فتجبر في نفسه، وأمر الناس ان يسموه رباً، وترفع أن ينظر في شئ من أمر المملكة، فجمع الناس وقال لهم قد رأيت أن أجعل امر الملك إلى ابني اقسامس وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، فرضوا ذلك، وقالوا الأمر أمر الملك ونحن عبيده، ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق
أن يرضوه ولا يخالفوه.
-
فأقام ابنه أقسامس (١) الملك، وجلس أقسامس على سرير الملك، وتوج بتاج أبيه وأقام الناظرون (٢) بين يديه ورتب الناس مراتبهم، وقسم الكور والاعمال، نوأمر بأبساط العمارات، وأوسع على الناس في أرزاقهم، وعلا أمره وطال ملكه، وعمل مدنا كثيرة أسفل الأرض وعجائب كثيرة يطول ذكرها، ويقال إن بخت نصر لما ظفر بمصر أخذ من عمله عجائب كثيرة، فأقام أول ولايته سبع سنين باجمل أمر وأصلح حال.
-
ومات وزير أبيه فاستخلف رجل من اهل بيت المملكة، يقال له طلما (٣)
- ج ١ ص ٢٦٨
ابن قومس، وكان شجاعاً ساحراً كاهناً كاتباً حكيماً ذهنياً متصرفاً في كل فن.
-
فصلح أمر المملكة بمكانه واحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر الخراب، وبنى مدنا، ورأى في نجومه أنه سيكون جدب وشدة، فاستعمل ما استعمله نهراوس الملك وقد تقدم ذكره.
-
وبنى الهياكل، وقيل إن منارة الاسكندرية بنيت في زمانه، وفي زمانه هاج البحر المالح فغرق كثير من القرى والأخبية والمصانع.
-
وحكي أن أقسامس تغيب عن الناس مدة، وقيل مات وكتموا موته، وكان ملكه إلى أن غاب عنهم إحدى وثلاثين سنة، وأقاموا إحدى عشرة سنة يدبر ملكهم طلما الكاهن.
-
ولما افتقد الناس الملك اضطربوا وتغيروا على طلما، واتصل بهم أنه سمه وقتله، فقالوا لابد لنا من النظر إلى الملك، فعرفهم أنه قد تخلى عن الملك وولى ابنه لاطس، فما قبلوا منه، وأمر الجيش فركبوا في السلاح.
-
وكان لاطس الملك جلس على سرير الملك ولبس التاج وكان جريئاً معجباً خلقا، فوعد الناس جميلا وقال أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وألزم الناس اعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما بن قومس عما كان عليه من خلافته.
- ج ١ ص ٢٦٩
واستخلف رجلاً يقال له لا هوق من ولد صا الاكبر بن تدارس، ودفع اليه خاتمه، وكان كاهناً وأنفذ طلما عاملاً على الصعيد، وأنفذ مع جماعة من الاسرائيليين، وجدد بناء الاعلام وأصلح الهياكل، وبنى قرى كثيرة، وأثيرت في وقته معادن كثيرة وكنوز.
-
وكان محباً [للخلق] (١) ثم تجبر وعلا، وأمر أن لا يجلس أحد في قصر الملك لا كاهن ولا غيره، بل يقومون على ارجلهم إلى ان ينصرفوا، وزاد في أذى الناس والعنف بهم، ثم جمع أموالهم وكنزها، وطلب النساء فابتز منهن خلقاً كثيراً، وقصد الناس بسطوته وفظاظته.
-
واستعبد بني اسرائيل، وقتل جماعة من الكهنة فبغضه الخاص والعام، ثم حشد عليه طلما الذي صرفه وولاه الصعيد فجاءه بجيش كثيف، وخرج اليه بلاطس (٢) الملك، فحاربه طلما فظفر ببلاطس وقتله، وسار حتى دخل منف فعاث فيها.
-
ونزل قصر المملكة طلما بن قومس، فجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان في خزائنهم، فهذا الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى صلى الله عليه وعلى نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
-
وأما أهل الأثر فيزعمون انه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة وذكروا ان الفراعنة سبعة.
-
وكان طلما فيما يحكى عنه قصيراً طويل اللحية، أشهل العينين صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وأنه كان أعرج.
-
وزعم قوم أنه كان لقيطاً، والدليل على ذلك ميله اليهم ونكاحه فيهم، ولما جلس في الملك اضطرب الناس عليه، فبذل الأموال ورغب من أطاعه، وقتل من خالفه فاعتدل أمره.
-
وكان أول ما عمله أن رتب المراتب وشيد الأعلام وبنى المدن، وخندق
ج ١ ص ٢٧٠الخنادق، وعمل بناحية العريش حصناً، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان وكان يقرب منه في نفسه.
-
وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خلجاناً كثيرة، ويقال أنه الذي حفر خليج سودوس، فكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل اليه أهلها مالا، فاجتمع من ذلك شئ كثير، فأمر برده على أهله.
-
وبلغ الخراج في وقته سبعاً وستين ألف ألف، وكان ينزل الناس على منازلهم وهو أول من عرف العرفاء على الناس.
-
وكان ممن صحبه من الاسرائيليين رجل يقال له إمرى وهو عمران أبو موسى عليه السلام، فجعله حرساً لقصره يتولى حفظه وإغلاقه بالليل.
-
وكان قد رأى في كهانته أنه يجري هلاكه على يد مولود من الاسرائيليين فمنعهم المناكحة ثلاث سنين لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها، وأن امرأة إمرى يعني عمران أتته بعض الليالي بشئ أصلحته له فواقعها فحملت بهارون،
ثم واقعها في السنة الثالثة فحملت بموسى عليهما السلام، فرأى في كهانته أنه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح المولودين الذكور من بني إسرائيل، ولم يتعرض لأمرى لقربه منه، ولحراسته قصره.
-
الا أن موسى كان من أمره ما قصه الله عزوجل في كتابه من أمر التابوت وقذف أمه في النيل إلى ان صار الى تحت قصره، وأخذ امرأته له واسترضاعها لأمه.
-
وامتنع فرعون من قتله إلى أن كبر وعظم شأنه، ورد فرعون كثيرا من أمره وجعله من قواده، وكانت له سطوة، ثم وجهه لغزو الكوشانيين، وكانوا قد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف ورزقه الله الظفر، فقتل منهم خلقاً وأسر خلقاً وانصرف غانما سالماً، فسر به فرعون وامرأته.