ذكر ملوك مصر بعد الطوفان

٥٣٦ فقرة، ج ١ ص ١٨٠

الصفحة ٣ من ١٤

  1. وعمل شدات هيكل أرمنت وأقام فيه أصناما للكواكب من ذهب وفضة وحديد ابيض ورصاص مصفى وزئبق معقود، وهذه الاجساد المعدنية في طباع الكواكب وقسمتها.

    ج ١ ص ١٩٥
  2. فلما فرغ منه زين بأحسن الزينة، ونقش باحسن النقوش، وأمر فزين بالجواهر الملونة، والزجاج الملون، وكسي بالوشي والديباج، ولم يترك شيئاً من الغريب الا عمله فيه، وكذلك عمل في المدن الداخلة من جزء صابي هيكلا مثله، والقبة التي عملها بجزء ابريت، وعمل هيكلا بشرف الاسكندرية، وعمل

    لزحل صنما من صوان اسود على عبر النيل من الجانب الغربي.

  3. وبنى شدات في الجانب الشرقي مدائن، وجعل في أحدهما صورة صنم قائم له احليل ظاهر اذا اتاه المعقود والمسحور والعنين الذي لا ينتشر احليله بكلتا يديه زال عنه ذلك وانتشر وقوي على الباه.

  4. وعمل في احداها بقرة لها ضرعان كبيران اذا مسحتهما المرأة التي نقص لبنها وتعقد ضرعها در وصلح.

  5. وفي أيامه بنيت العالية، بناها لابن له كان سخط على أمه فحولها إليها، وأسكنها قوما من أهل الحكمة ومن أهل الصناعات.

  6. وقيل ان سفط بنيت في أيامه والصورتين اللتين بها الملتصقتان للمهل، وكانت الحبشة والسودان عاثوا في بعض بلده فأخرج ابنه منقاوس (١) في جيش

    ج ١ ص ١٩٦عظيم اليهم فقتل منهم وسبا، وكل من سباه استعبده فصار ذلك سنة فيهم.

  7. واقتطع معدن الذهب، وأقام فيه من سباه منهم يعملون الذهب ويحملونه اليه، وألزم المقام معهم من يحرسهم من جيشه.

  8. وهو أول من احب الصيد واتخذ الجوارح وولد الكلاب السلوقية من الذئاب والكلاب الأهلية، وعمل البيطرة وجميع ما يعالج به الدواب، وعمل من العجائب والطلاسم لكل شئ ما لا يحصى كثرة.

  9. وجمع التماسيح في بركة في ناحية اسيوط بطلسم لها، وكانت تنصب اليها من النيل انصبابا فيقتلها، ويستعمل جميع جلودها في السفن وغيرها، ويدخل لحومها وشحومها في الاغذية ومؤلفات العقاقير.

  10. والقبط تحكي انه عمل بمصر اثنتي عشرة اعجوبة وطلسما، ولم يعمل في بلد

    ما عمل فيها ولا تهبأ ذلك له، وقد بقيت آثار أكثرها قائمة بعد خرابها وأفساد معالمها.

  11. واقام شدات بن عديم تسعين سنة ملكا، وخرج فطرد صيدا فاكب به فرسه في هوة فقتله.

  12. وفي بعض كتبهم أنه أخذ بعض خدمه، وقد خالفه في أمر من الأمور، فألقاه من اعلى الجبل الى اسفله فتقطع ثم ندم على ذلك من فعله، ورأى انه سيصيبه مثل ذلك، وكان يتوقى ان يصعد جبلا، وأوصى ان اصابه شئ ان يجعل ناووسه في الموضع الذي يلحقه فيه ما يلحقه، وان يزبر عليه " ليس ينبغي لذي القدرة ان يخرج عن الواجب، وان لا يفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا ناووس شدات بن عديم بن قفطويم الملك، عمل ما لا يحل فكوفئ عليه " .

  13. ولما هلك عمل سرب في سفح الجبل عليه قبة على مجلس قد صفح بالفضة

    ج ١ ص ١٩٧واجلس فيه على سرير ملكه، وجعل معه من المال والجوهر والتماثيل واصناف الحكم والمصاحف شئ كثير، ومات وله أربعمائة واربعون سنة.

  14. وولي الأمر من بعده ابنه منقاوس الملك فقام مقام أبيه، وملك بحزم وحكمة فاظهر مصاحف الحكمة، وأمر بالنظر فيها وان تنسخ بخط العامة ليفهموها، ورد الكهنة إلى مراتبهم.

  15. وهو أول من عمل الحمام من ملوك مصر وكان كثير النكاح، وتزوج عدة نسوة من بنات عمه ومن بنات الكهنة، وجعل لكل امرأة منهن مكانا قد أصلحه بالبنيان العجيب والصور المونقة والفرش الحسنة، والآلات العجيبة، وأسكنهن فيها.

  16. وقال بعض أهل الأثر إنه هو الذي بنى منف لبناته، وكن ثلاثين بنتاً

    ورحلهن إليها، وعمل مدنا غيرها ومصانع، وبنى هيكلاً لصور الكواكب واصنامها على ثمانية فراسخ من منف، وعمل بتلك الناحية طلسمات كثيرة وغرائب أغرب فيها بفضل حكمته على أبيه وجده، وعمل للسنة اثني عشر عيداً يعمل في كل عيد من الأعمال ما كان موافقاً لبرج الشهر، وكان يعظم الناس في تلك الأعياد ويوسع عليهم في أحوالهم وأرزاقهم، ورأوا معه من الخير ما لم يروه مع غيره، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد قبله.

  17. وألزم أصحاب الكيمياء العمل، فكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا، فاجتمعت عنده أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج مسبوك من الأدرك وغيره، فأحب كنزها، فدعا أخا له كان يكرمه ويحبه، فقال له قد كثر ما عملناه من التماثيل، وعظم ما ادخرناه من الذهب والجواهر، ولست آمن أن يتسامع الملوك بكثرة ذلك، فيتألفوا على غزونا فخذ ذلك كله، وتوجه به

    ج ١ ص ١٩٨فأمعن في أرض الغرب، ثم انظر مكاناً حريزاً خفي الأثر فأحرزه فيه.

  18. وأسس عليه وعلمه بعلامات واكتب صفة المكان وعلاماته ومن أين الطريق اليه، وعد إلى إن شاء الله تعالى.

  19. فيقول أهل الأثر انه حمل مع نفسه إثنا عشر الف عجلة، منها من الجواهر النفيسة ثلاثمائة، وسائرها ذهب إبريز، وصفائح مضروبة، وطرائف الملوك من آلاتهم وسلاحهم وأوانيهم، وسار في الجنوب يوماً واحداً، ثم سار في الغرب يوماً كاملاً وبعض آخر، فانتهى في اليوم الثالث إلى جبل أسود منيع ليس له مصعد بين جبال مستديرة به، فعمل تحت ذلك الجبل أسراباً ومغاير فدفن فيها ما كان معه، وردم عليه كما أمره أخوه، وعلم وزبر

    وأتقن ذلك جهده، ورجع إلى أخيه فأعلمه.

  20. فمكث بعد ذلك أربع سنين يبعث في كل سنة عجلاً كثيراً فيدفن فيها في أكواخ شتى، وهو الذي عمل بيتاً فيه تماثيل تنفع من جميع العلل، وكتب على رأس كل هيكل تمثال ما يعالج به، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك بالحكمة.

  21. وفي هذه المدينة صورة امرأة من حجر مبتسمة لا يراها مهموم إلا تبسم ونسي همه، وكان الناس يتناوبونها، ويطوفون حولها، ثم عبدوها من بعد.

  22. وعمل تمثالاً طائراً روحانياً من ظفر مذهب كأنه يشير بجناحيه، ووضعه على اسطوانة في وسط المدينة، وكان لا يمر به زان ولا زانية إلا كشف عورته بحضرته، وكان الناس يمتحنون به فامتنع الناس من الزنا فرقاً منه، فاقاموا كذلك إلى زمان فاكن (١) الملك ففسد امره وبطله.

  23. وذلك أن امرأة من نسائه وكانت حظية عنده عشقت رجلاً من خدام الملك وخافت أن يرقى ذلك الى الملك فيمتحنها من ذلك الصنم فتفتضح فيقتلها، فأقامت مفكرة في الحيلة في ذلك، الى أن خلا بها في بعض الليالي وهما يشربان فأخذت في ذكر الزواني وسبهن وذمهن، فذكر الملك ذلك للصنم، وما فيه من المنافع للناس وما يستحق من فعله من الثناء والذكر الحسن، فقالت له إنه لكذلك وقد صدق الملك غير أن منقاوس لم يصب الرأي في أمره، فقال: وكيف؟ قالت: لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لصلاح أمر العامة دون أمر نفسه، وهذا أكبر العجز، وإنما كان حكم هذا التمثال أن ينصب في دار الملك حيث يكون نساؤه وجواريه، فان اقترفت إحداهن

    ذنباً علم الملك به وجازى عليه في ستر، ولم تعلم العامة شيئاً منه، فيكون ردعاً لمن في قصره عماتهم به مغتلمة، وقد غلبتها شهوتها مرة ربما في عمرها لأن شهوات النساء أكثر من شهوات الرجال، وأغلب لنقصان عقولهن عن عقول الرجال، وأما الآن فلو حدث شئ من ذلك في قصر الملك، وأعوذ بالنور الأعلى منه، وأحب امتحانه فضح نفسه، وشاع في العامة والخاصة امره، فان عاقب بغير امتحان كان متعدياً، وإن صبر صبر على المكروه.

    ج ١ ص ١٩٩
  24. قال الملك صدقت فيما قلت وأنزل قولها على النصيحة والصدق، وعلم أنها لم تشر بذلك إلا لأمر وقفت عليه، ولم ترد كشفه، فلما أصبح نزع الصنم من موضعه ووضعه في قصره في مكان أعد له بلا مهلة ولا مشاورة حكيم ولا عالم، فلما نصب في القصر امتحن مراراً فلم يصنع شيئاً عند الامتحان.

  25. وندم الملك على تحريكه وأقبلت جارية الملك على ما كانت همت به من الفجور وانهمكت فيه.

  26. وهذه الأعمال إنما تعمل بعد رصد الكواكب واختبارات أماكنها في الواجب من أوقات المعمول له ذلك.

  27. وقد ذكر أهل اخميم أن رجلاً من أهل المشرق، وكان يلزم البربا ويأتي اليه كل يوم ببخور وخلوق فيبخر ويطيب صورة كانت في عضادة باب البربا فيجد تحتها عند رجليها ديناراً فيأخذه وينصرف، ففعل ذلك وأقام عليه مدة طويلة، حتى وشى به غلام إلى عامل البلد، فقبض عليه فبذل له الرجل مالاً، وخرج عن البلد.

    ج ١ ص ٢٠٠
  28. ويقال إن منقاوس بنى هيكلا للسحرة على جبل القمر، وقدم عليه رجلاً منهم يقال له مستهمس، وكانوا لا يطلقون الريح للمراكب المقلعة إلا

    بغرامة يأخذونها منهم، وكان الملك إذا ركب عملوا بين يديه التماثيل الهائلة فيجتمع الناس ويتعجبون من أعمالهم وأمر أن يبنى له هيكل للعبادة يكون له خصوصاً، ويجعل فيه صورة الشمس والكواكب، وجعل حوله أصناماً وعجائباً، فكان الملك يركب اليه ويقيم فيه سبعة أيام وينصرف، وجعل فيه عمودين، وزبر عليهما تاريخ الوقت الذي عملا فيه وهما باقيان إلى اليوم، وموضع ذلك يقال له عين شمس.

  29. ونقل منقاوس إلى عين شمس كنوزاً وجواهر وطلسمات وعقاقير ودفنها بنواحيها.

  30. وكان قد قسم خراج البلد أرباعاً، فربع منها للملك خاصة ينفقه فيما يشاء ويفعل به ما يريد، وربع لأرزاق الجند، وربع ينفقه في مصالح الأرض، وما يحتاج اليه من عمل جسورها وحفر خلجانها وأجبر أهلها على العمارة، وربع يدفن لحدث يحدث.

  31. وكان خراج البلد يومئذ مائة الف ألف وثلاثة آلاف ألف (١) وقسمتها على ثلاثمائة كورة وثلاث كور.

  32. وهي اليوم خمسة وثمانون كورة، أسفل الأرض خمسة وأربعون كورة، والصعيد أربعون كورة.

    ج ١ ص ٢٠١
  33. وكان في كل كورة كاهن يدبر أمرها، وصاحب حرب، وأقام ملكاً إحدى وسبعين سنة، ومات من طاعون أصابه، وقيل إنه سم في طعامه، وعمل له ناووس في صحراء القبط، وقيل في غربي قوص، ودفن معه من المصاحف وأكاسير الصنعة المعمولة وتمثيل الذهب والجوهر، ومن الذهب

    المضروب شئ كثير.

  34. وقد كانت ماتت له قبل موته جارية كانت أحظى نسائه عنده، وكان يحبها حباً شديداً، فأمر بعمل صورتها في جميع الهياكل، وعمل له تمثالها بذؤابتين من ذهب اسود، وألبسه حلة من جوهر منظوم، وجعلت جالسة على كرسي من ذهب، وكانت تحمل بين يدية في كل موضع يجلس فيه ليتسلى بذلك عنها، فدفنت تلك الصورة عند رجليه، كأنما يخاطبها.

  35. ولما فرغ من أمره جلس ابنه مناوس الملك بعد أبيه على سرير الملك فطلب الحكمة بعد، مثل أبيه وأكرم أهلها، وبذل الجوائز على الغرائب التي لم يتقدم عملها لمن تقدم قبله، وأثبت كل ما عمل من ذلك في كتب تواريخهم، وزبر على الحجارة في هياكلهم.

  36. ومناوس أول من عبد البقر، وكان السبب في ذلك انه اعتل علة فيئس فيها من نفسه، وأنه رأى في منامه روحانياُ عظيماً يخاطبه ويقول له: لا يخرجك من علتك إلا عبادتك البقر، لان الطالع كان وقت حلولها، فلك الثور، وهو في صورة ثور بقرنين فأمر عند انتباهه، فأخذوا ثوراً أبلق حسن الصورة، وعمل له مجلساً في قصره وسقفه قبة مذهبة، وكان يبخره ويطيبه ويحسن علفه، ووكل به سايساً من خدمه يقوم به وينظفه ويكنس

    ج ١ ص ٢٠٢تحته، وكان يتعبد له سراً من أهل مملكته فبرئ من علته وعاد الى أحسن أحواله.

  37. وقيل أنه أول من عملت له عجل مموهة بالذهب، وعليها قباب من خشب مذهب، وكانت تفرش بأحسن الفرش وتساق الى موضع المتنزهات، وقيل إنه عملت له في علته لانه كان لا يقدر على الركوب، وكانت البقر تجره في

    العجلة فكان إذا مر بمكان نزه أقام به، وان مر بمكان خرب أمر بعمارته.

  38. وقيل انه نظر يوماً الى ثور من البقر التي تجره أبلق حسن الخلقة والقرنين، فأمر بتوقيفه والتعريض منه، وساقه بين يديه الى موضع نزهته إعجابا به، وجعل عليه حللا من حرير منسوج بالذهب، فلما كان في بعض الأيام خلا في موضع، وقد تفرد عن عبيده سار اليه وسجد بين يديه.

    فقال له: لو دام الملك على تربيتي واكرامي، وتعبد لي كفيته مهمه على ما يريده، وقويته في جميع أموره، وأزلت عنه جميع علله.

  39. فارتاع الملك لقوله، وأمر بأن يغسل ويطيب ويكسى بالحرير المذهب ويوقف في الهيكل، ووكل به من يخدمه في جميع أموره ويتعاهده بالمسح والتطييب وأمره بعبادته.

  40. وأقام ذلك الثور يعبد مدة طويلة، وافتتن الناس به، وصار ذلك اصلا لعبادة البقر، وبنى مواضع كثيرة في الصحراء والجبال وكنز فيها كنوزاً كثيرة وأقام عليها أعلاماً.