ذكر ملوك مصر بعد الطوفان

٥٣٦ فقرة، ج ١ ص ١٨٠

الصفحة ٤ من ١٤

  1. وبنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس، وأقام بها مناراً، وكنز حولها كنوزاً، ويقال ان هذه المدينة قائمة الى الآن، وان قوماً جازوا بها من ناحية الغرب فسمعوا فيها عزف الجن ورأوا نيرانهم.

    ج ١ ص ٢٠٢
  2. وفي بعض كتبهم أن ذلك الثور بعد مدة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا

    ج ١ ص ٢٠٣صورته من ذهب ويعملوه أجوف، ويؤخذ من رأسه شعرات ومن ذنبه، ويؤخذ من نحاتة قرنه وأظلافه ويجعل في ذلك التمثال، وعرفهم أنه يلحق بعالمه، وأن يجعلوا جسده في جرن من حجارة، وينصب في الهيكل، وينصب تمثاله عليه، وزحل في شرفه والشمس ناظرة اليه من تثليث، وأن ينقش في التمثال،

    علامات صورة الكواكب السبعة ففعلوا ذلك.

  3. وعملت الصورة من ذهب وكللت بأنواع الجوهر، وأدخلت صنعتها سواد في بياض، وجعل جسد الثور في الحدود التي حدها، ونصب عليه التمثال فكان يخبرهم بالعجائب وبما يحدث وقتاً بعد وقت، ويجيبهم بكل ما يسالونه عنه.

  4. وعظم أمر ذلك التمثال ونذرت له النذور وقربت له القرابين، وقصده الناس من جميع أعمال مصر وما قرب منها، فكان يخبرهم بما يريدون.

  5. وأقام مناوس ملكاً خمساً وثلاثين سنة، وهلك من سل أصابه، وعمل له ناووس تحت الجبل الغربي وجعل في جرن من حجارة.

  6. وجعل وصيه من بعده ابنه مريدس الملك، فجلس على سرير ملكه بعد أبيه وملك احدى وعشرين سنة، وكان مضعفاً فلم يبن بنياناً ولا ينصب منارا، ولا عملت في وقته أعجوبة، فمات ودفن مع أبيه في جرن من رصاص.

  7. وولي بعده اشمون الملك، واشمون أخو قبطيم الملك وكان وحده من اشمون الى منف، وفي الشرق الى البحر المالح الى ما حاذى برقة الحمراء، وهي آخر حد مصر، وفي الصعيد الى حدود اخميم.

  8. وكان ينزل اشمون لانه سماها باسمه عند بنيانها، ونقل اليها أهله وولده وطولها اثنا عشر ميلاُ في مثلها.

  9. وأشمون أول من أتخذ الملاعب بالكرة والصولجان وغير ذلك، وبنى

    ج ١ ص ٢٠٤القصور وغرس الأجنة وأقام المنائر ونصب الأعلام وبنى المدن وأكثر فيها من العجائب.

  10. والقبط تزعم ان خبر اشمون كان اكثر الأخبار ذكراً وعجائباً وسحراً.

  11. منها أنه بنى مدينة في سفح الجبل سماها أفطراطس وجعل لها أربعة أبواب جعل على الشرقي صورة عقاب، وعلى الغربي صورة ثور، وعلى الجنوبي صورة كلب، وعلى الشمالي صورة أسد.

  12. وأسكن الكهنة بسحرهم في تلك الصور روحانية، وكانت تنطق إذا قصدها القاصد الغريب، ولا يقدر على الدخول إليها إلا بإذن الموكلين بها، وجعل فيها شجرة تثمر كل لون من الفاكهة.

  13. وجعل فيها مناراً طوله ثمانون ذراعا، على رأسه قبة تتلون كل يوم لونا حتى تمضي سبعة أيام بسبعة الوان، ثم تعود إلى اللون الاول.

  14. وكانت تلك الألوان تكسو المدينة لوناً شعاعياً، وأجرى حول ذلك المنار ماء ساقه من النيل وجعل في ذلك الماء سمكا من كل لون.

  15. وجعل حول المدينة طلسمات رؤسها رؤس القرود وأبدانها أبدان الناس، كل منها لدفع مضرة واجتلاب منفعة.

  16. ودفن تحت كل صنم من الأصنام المبنية الأربعة على أبوابها صنفاً من الكنوز ولكل واحد منها قربان وبخور، وكلام يوصل به اليه، وأسكن فيها السحرة.

  17. وبنى بالقرب منها مدينة تعرف في كتبهم ذات العجائب في وسطها قبة عليها أبداً مثل السحابة تمطر مطراً خفيفاً شتاء وصيفاً، وتحت كل قبة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبريه.

  18. وفي شرقها بربا لطيف له أربعة أبواب لكل باب منها عضادتان، في كل عضادة منها صورة وجه كأنه يخاطب صاحبه، وهو يكلمه بكلام يفهمه، ويخبره بما حدث في يومه.

    ج ١ ص ٢٠٥
  19. ومن دخل ذلك البربا على غير طهارة نفخا عليه فأصابته فظيعة لا تفارقه أبداً إلى أن يموت.

  20. ويقال أن في وسطها ابدا مهبط نور كأنه عمود من اعتنقه لم يعزب عن نظره شئ من الروحانيات، وسمع كلامهم ورأى ما يعملون.

  21. وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده كالمصحف فيه علم من العلوم، فمن أحب ذلك العلم أتى تلك الصورة فمسحها بيده وأمرها على صدره فيثبت ذلك العلم في صدره.

  22. ويقال ان هاتين المدينتين سميتا على اسم هرمس وهو عطارد وأنهما إلى الآن على حالهما.

  23. وحكي عن رجل أتى عبد العزيز بن مروان وهو والي مصر، فعرفه انه رأى في صحراء الغرب وقد أوغل في طلب جمل له ضل، فوقع إلى مدينة خراب وانه وجد منها شجرة عظيمة تحمل من كل صنف من الفاكهة، وانه قد أكل منها وتزود، فقال له رجل من القبط هذه إحدى مدن (١) هرمس وفيها كنوز كثيرة، فوجه عبد العزيز جماعة من ثقاته، ووجهه معهم، وتزودوا زاد شهر ومشوا يطوفون تلك الصحارى زمانا، فما وجدوا لها أثراً.

  24. وكان أشمون أعدل ولد أبيه وأرغبهم في صنيعه، وأحبهم في عمل يبقي ذكره وهو الذي بنى المجالس المصفحة بالزجاج الملون في وسط النيل.

  25. وتقول القبط أنه بنى سرباً تحت الأرض من اشمون الى انصباب النيل، وقيل إنه عمله لنسائه لأنهن كن يمضين إلى هيكل الشمس، وكان هذا السرب مبلط الأرض، والحيطان بالزجاج الملون العجيب.

    ج ١ ص ٢٠٦
  26. وقيل إن أشمون كان اطول إخوته ملكا، وقال أهل الأثر أن ملكه ثمانمائة سنة، وإن قوم عاد انتزعوا الملك منه بعد ستمائة سنة من ملكه، وأقاموا تسعين سنة ثم كرهوا البلد واستوبؤوه (١) فرحلوا عنه إلى الراهبة من طريق الحجاز إلى وادي القرى، فعمروها واتخذوا المنازل والمصانع والقرى، وسلط الله عليهم القر فاهلكهم.

  27. وعاد ملك مصر إلى أشمون بعد خروجهم من البلد، ويقال إنه عمل في وقته وزة من نحاس، وكان الغريب إذا جاء ليدخل صاحت الوزة وصفقت بجناحيها فيعلم به أهل البلد، فان أحبوا أدخلوه، وأن أحبوا تركوه.

  28. وكثرت الحيات في وقته فاحتال لها بحيلة كانوا يأخذونها بأيديهم، ويعملون من شحومها ولحومها أدوية ودرياقات.

  29. وهو أول من عمل النيروز بمصر، يقيمون سبعة أيام يأكلون ويشربون إكراماً للكواكب بزعمهم.

  30. وفي زمانه بنيت البهنسا، وأقام بها مطراناً، وجعل فوقها مجلساً من زجاج أصفر وعليه قبة مذهبة، وكانت الشمس إذا طلعت ألقت شعاعها على المدينة.

  31. ويقال إنه ملكهم ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، ومات ودفن في احدى الاهرامات الصغار [القبلية] (٢) .

  32. وقيل بل عمل له طاووس في آخر أشمون ودفن معه مال كثير وعجائب كثيرة ومن الذخائر ما لا يحصى كثرة، ودفنت معه أصنام الكواكب السبعة التي كانت في هيكله، وعشرة آلاف سرج من ذهب وفضة وعشرة آلاف جام

    ونضار من ذهب وفضة، وزجاج مسبوك وألف برنية من العقاقير المدبرة لقبول الأعمال، وزبر على ذلك كله اسمه ومدة ملكه.

    ج ١ ص ٢٠٧
  33. وخلف على الملك ابنه الشاد الملك، فولي وهو غلام ابن خمس وأربعين سنة وكان متجبراً معجباً طماح العين، فابتز امرأة من نساء أبيه، فانكشف أمره وعرف خبره، وكان أكبر همه اللهو واللعب، فاجتمع اليه كل مله كان في ملكه وقصده كل من كان في يده شئ من أنواع الملاهي والملاعب، وانفرد للعب بهم وترك النظر في أمور الناس.

  34. وعمل قصوراً من خشب عليها قباب منقوشة مموهة بالذهب، وكان يحملها على المراكب في النيل ويتنزه فيه مع من يحب من نسائه وخدمه ومن يلهيه.

  35. وعمل عليه الأروقة المذهبة وفرشها بأحسن الفرش وفاخره، وكان يتنزه عليها وتجرها البقر، ويقيم في نزهته شهوراً لا يمر بموضع إلا أقام فيه، وولد من السحر توليداً كثيراً واستنفذ أكثرها في خزائن أبيه، وذهب خراجه في جرائد الملهين والنفقات في غير وجوهها، فلما اسرف في ذلك اجتمع الناس إلى وزيره فانكروا حاله عنده، وسألوه مسألته والاشارة عليه بالاقلاع عما هو عليه، فضمن لهم ذلك، ثم فاوضه فيه وبين له ما يجب تبينه وحذره من العواقب اللاحقة من التفريط بما يكره فلم ينته، وسلط أصحابه على الناس فأساؤا إليهم وأضروا بهم.

  36. وخرج الملك ذات يوم إلى متنزه له قد صفح مجالسه بصفائح الذهب والفضة

    ج ١ ص ٢٠٨وغرائب الجوهر الملون، وأجرى اليه المياه وغرس فيه نفيس الرياحين، وفرشه بأصناف الفرش الملونة.

  37. وكان إذا أحب ان يخلو بامرأة من نسائه خلى بها هناك، وأنه في ذلك المتنزه، وقد أقام فيه أياماً إذ خرج غلام من بعض خدمه، فأتى بعض التجار في حاجة له، وكانت له خادم فأراد أخذها منه بغير ثمن فمنعه منها فوثب عليه يريد ضربه، فاجتمعوا عليه وضربوه حتى أسالوا دمه وحمل وقيد.

  38. واتصل خبره بالوزير وصاحب الجيش فركبا إلى الموضع وانكرا على الناس ما فعلوه وأسمعاهم فأغلظوا لهما وأسمعوهما، فانصرفا مغضبين وقالا ما نرى ستر هذا عن الملك وعرفاه الخبر، فلم يحفل بهما وأمر بالنداء في الناس من تعرضكم من خدم الملك وأصحابه فاقتلوه، فحمد الناس أمره وشكروا فعله وتواصوا بالوثوب على أصحابه، حتى إذا مضى لذلك اسبوع وجه إلى وزيره وصاحب جيشه أنه عزم أن يركب إلى صحراء الغرب يتصيد هناك، وأمر أن يركب معه جيشه، وأن يتزودوا لثلاثة ايام ففعلوا، واجتمعوا إلى بابه فاستدعى الوزير، وأسر اليه انه يريد الانتقام من العامة، وخرج الملك وجيشه في أحسن زي وهيئة وسار إلى موضع غير بعيد.

  39. فلما اختلط الظلام رجع بالجيش حتى وافى باب المدينة، وأمر أصحابه أن يضعوا أيديهم في الناس فقتلوا خلقاً كثيراً، وأمر بحرق الموضع الذي قتل فيه الغلام.

  40. ثم أمر ان ينادى: هذا جزاء من أقدم على الملك من رعاياه وأصحاب مهنتهم من العامة وغيرهم، فاستغاث الناس، فأسر إلى وزيره ان يطرح نفسه بين يديه ويسأله فيهم ففعل فامنهم، وقال لهم، من عاد منكم فقد أحل دمه

    ج ١ ص ٢٠٩فشكروا فعله وانصرفوا ورجع إلى ما كان عليه وأعظم.