ذكر ملوك مصر بعد الطوفان
٥٣٦ فقرة، ج ١ ص ١٨٠
الصفحة ٨ من ١٤
- ج ١ ص ٢٤٦
وكان التفاح قد ظهر في تلك الشجرة من أحسن شئ، فأغراه الشيخ وقال لحايد ألا تأكل منه شيئاً؟ قال معي رزقي قد أعطيته من الجنة ونهيت أن لا أؤثر عليه شيئاً من الدنيا، قال صدقت يا حايد لا ينبغي لشئ من الجنة أن يؤثر عليه شئ من الدنيا، وهل رأيت في الدنيا مثل هذا التفاح؟ وإنما هذه الشجرة أخرجها الله من الجنة لعمران ليعيش منها فانبتها له في هذه الآرض، وليست من الدنيا وما تركها إلا لك، ولو وليت لرفعت، فلم يزل به حتى اخذ منها تفاحة فبعضه عليها عض الملك على يديه، وقال له أتعرفه؟ هو الذي أخرج أباك من الجنة، أما أنه لو سلمت بهذا العنقود الذي معك لأكل منه أهل الدنيا فلم ينفد فهو الآن مجهودك ان يبلغك، فكان مجهوده أن بلغه.
-
فأقبل حايد حتى بلغ مصر فأخبرهم بهذا الخبر، ومات رحمه الله، وتم الخبر الذي اثبته وليس من الأم، ورجع الكلام الى حيث انقطع] (١) .
-
وقال آخرون تنقسم هذه الأنهار الى اثنين وسبعين قسماً، حذاء اثنين وسبعين لساناً للأمم المذكورة.
-
وقال آخرون إنما هذه الأنهار من ثلوج تنزل في أيامها، وتتكاثق هناك فتحملها حرارة الشمس مرة بلطف ومرة بقوة، فتسيل إلى هذه الأنهار، فتسقي لما أراد الله جل وتعالى من تدبير خلقه.
-
ونرجع إلى ذكر الوليد لما بلغ جبل القمر رأى جبلاً عظيماً، فاعمل الحيلة إلى أن صعد عليه ليرى ما خلفه فأشرف منه على البحر الأسود الزفتي النتن، ونظر إلى النيل يجري عليه كالانهار الرقاق، فأتته من ذلك البحر
ج ١ ص ٢٤٧روائح منتنة، هلك بها كثير من أصحابه فأسرع بالنزول بعد ان كاد يهلك.
-
وذكر قوم أنه لم ير هناك شمساً ولا قمراً الا نوراً أحمر كنور الشمس عند غروبها وقالوا إنه أقام في غيبته مدة عشرين سنة.
-
وان عونا علامة تجبر بمصر بعد سبع سنين من مسيره، وادعى انه الملك، وادعى انه لم يكن عبد الوليد، وانه أخوه وله الملك من بعده وريب على الناس، واستعان بالسحرة عليهم وأسنى جوائز السحرة والكهنة، ولم يمنعهم محابهم، فمال إليه الناس ووثقوا بأمره ولم يترك امرأة من بنات ملوك مصر إلا نكحها، ولا مالاً إلا أخذه وقتل صاحبه.
-
وكان مع ذلك يكرم الهياكل والكهنة، فكان الناس يمسكون عنه اشفاقاً
منهم من السحرة الذين أطافوا به الى ان رأى في منامه الوليد، وكان يقول له من أمرك أن تتسمى باسم الملك؟ وقد علمت انه من فعل استحق القتل، ونكحت إلى ذلك بنات الملوك، وأخذت الأموال بغير واجب، وكأنه أمر بقدور فملئت زفتاً ثم غليت على النار وأحميت، وكأنه يغمسه فيها فلما غليت أمر بنزع ثيابه، فأتى طائر في صورة عقاب فاختطفه من ايديهم وعلق به في الجو، فجعله في هوة على رأس جبل، وكأنه سقط من رأس الجبل إلى واد فيه حمأة منتنة.
-
فانتبه مذعورا طائر القلب، وكان في طول فعله ذلك في تملكه إذا خطرت بقلبه من ذكر الوليد خطرة يكاد عقله أن يزول فرقاً منه، لما يعلمه من فظاظته وبطشه وقوته.
-
وكاد مرة يوقن بهلاكه لطول غيبته وانقطاع خبره، وكان مرة يخاف أنه حي.
-
فلما رأى الرؤيا لم يشك في حياة الوليد، فاضمر في نفسه الهرب من مصر في الأموال، فأطلع بعض السحرة ممن كان يثق به على أموره.
- ج ١ ص ٢٤٨
وقال له إني خائف من الوليد، وقد عزمت على الهرب من مصر، فما عندكم؟ قالوا له نحن نحميك على أن تقبل منا، قال قولوا، قالوا له نعمل عقاباً وتعبده، فان الذي خلصك منه في نومك هو بعض الروحانيين، وهو يريد منك أن تعمل صورته فتعبده.
قال عون أشهد لقد قال لي وأنا أسمع: اعرف لي هذا المقام ولا تنسه.
-
قالوا لقد بينا نحن لك ذلك.
-
فسمع منهم وعمل عقاباً من ذهب، وعجل عينيه من جوهرتين موشحتين بأصناف العمل الغريب.
-
وعمل له هيكلاً لطيفاً وجعله في صدره، وأرخى عليه ستور الحرير، فأقبل عليه السحرة على خدمته بالبخور والقربان، الى أن نطق لهم، فأقام عون على عادته ودعى الناس الى ذلك فأجابوه، فلما مضت لذلك مدة أمر العقاب ببناء مدينة يحوله اليها فتكون حرزاً له ومعقلاً من كل أحد، فأمر عون كل فاعل بمصر أن يجتمعوا له، وأمر أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا اليه ارضا حسنة الاستواء، ويكون المدخل فيها بين فجوج صعبة وجبال وعرة، ويتوخى ان تكون تلك الأرض قريبة من مغاض المياه، فكان مغيض الماء هو اليوم الفيوم وكان مغيضا لمياه النيل، حتى أصلحه يوسف عليه السلام، وأنما أراد عون قرب مكان المدينة من مغيض المياه ليجري اليها الماء منها، فخرج أصحابه يطوفون في الأرض، فأقاموا في ذلك شهراً حتى وجدوا له بغيته، فلم يبق بمصر فاعل ولا مهندس ممن كان يفتت الصخور ويقطعها ويعمل شيئاً مما يصلح للبنيان إلا وجهه، وأنفذ معهم ألف فارس في طاعتهم، وانفذ معهم جميع الآلات، وأقام في توجيه الزاد اليهم شهرا على العجل، وطرق العجل اليوم ظاهرة واضحة في صحراء الغرب من خلف الأهرام، وهي التي يقصدها أصحاب المطالب وهي بنية مشهورة.
- ج ١ ص ٢٤٩
فلما تكامل لهم ما يريدونه من قطع الحجارة ونحتها أعدوا من العدد، وخطوا موضع المدينة وجعلوه فرسخين في مثلهما، وحفروا في وسطها بئراً، وجعلوا في تلك البئر تمثالاً من نحاس صورة خنزير ونحاسة بأخلاط، وجعلوا وجهه إلى الشرق.
-
وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المتضادين له وهو في شرفه.
-
واخذوا خنزيراً فذبحوه له ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره، وأخذوا شيئاً من شعره وعظامه ولحمه ودمه ومرارته، فجعلوا ذلك في جوف خنزير من النحاس ونقشوا عليه آيات زحل.
-
ثم شقوا في البئر أخدوداً من أربعة أوجه المدينة، وجعلوا فيها شوارع يتصل كل شارع فيها بباب من أبواب المدينة، ووصلوا ما بينها بالمنازل الحسنة والطرقات، وجعلوا حول القبة تماثيل من نحاس بأيديهم حراب، ووجوهها مقابلة لتلك الأبواب.
-
وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود، وفوقه حجر أحمر، وفوقه حجر اخضر، وفوقه حجر أصفر، وفوق الكل ابيض شفاف، مثقبة كلها بالرصاص المصبوب بينها، وفي قلوبها أعمدة الحديد على صفة بناء الأهرام.
-
وجعل طول حصنها ستين ذراعاً ونصف ذراع، وعلى كل باب من أبوابها على أعلى الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط، أجوف ناشر الجناحين، وعلى كل من أركان المدينة صورة فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة، وساق الماء إلى ناحية الباب الشرقي ينحدر في صبيب الى الباب البحري، ويخرج إلى بطائح هناك، وكذلك من الباب الجنوبي الى الشمالي.
-
وقرب لتلك العقبان عقبانا ذكرا ولطخها بدمها، واجتلب الرياح الى أبواب التماثيل فكانت الرياح إذا دخلتها يسمع لها أصواب شديدة، لا يسمعها أحد إلا هالته، وضمدها بعقارب مطلسمة تمنع الناس من دخولها إلا أن يكون مع الغريب الداخل إليها أحد من أهلها، ونصب العقاب الذي يتعبد
ج ١ ص ٢٥٠له تحت القبة التي في وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان في كل ركن منها شيطان مشوه، وجعلها على عمود زبرجد، فكان العقاب يدور على كل جهة من الجهات الأربع، ويقيم كذلك ربع السنة يقرب اليه من جهته.
-
فلما فرع من ذلك كله حمل إليها جميع الأموال والجواهر المخزونة بمصر، وما وجد في خزائن الملوك من التماثيل والحكم، وتراب الصنعة والعقاقير والسلاح وغير ذلك.
-
وحول اليها كبار السحرة والكهنة وأصحاب الصنائع والمهن، وقسم المساكن التي بناها بينهم، لا يختلط بعضهم ببعض، وبنى حول سورها ربضا يحيط بها، وبنى فيه مساكن لأصحاب مهن الحرث والزرع وغير ذلك، وما يتعلق بالعمارة.
-
وعقد على ما أجراه من الأنهار قناطر يجوز عليها الخارج من المدينة والداخل اليها، وجعل الماء يدور حول الربض، ونصب عليه أعلاماً ثم غرس ما وراء ذلك كله بأجناس الأشجار وغرائبها، فأقام بها من الجنات كل غريبة حسنة كثيرة الفوائد، ثم جعل ما وراء ذلك مزارع لكل نوع من الحبوب، فاستغل بذلك كله أعظم الغلات.
-
وكان يرتفع اليه منها في السنة ما يكفيه عشر سنين، وبين هذه المدينة وبين منف ثلاثة أيام، فكان يخرج اليها فيقيم بها عشرة أيام، ثم يعود إلى منف.
-
وكان لتلك المدينة أربعة أعياد في السنة في كل وقت يتحول فيه العقاب إلى الجهات الأربع، فلما تم لعون ذلك اطمأن قلبه وسكنت نفسه.
-
الى ان وافاه كتاب الوليد من ناحية النوبة، يأمره أن ينفذ اليه الأزودة، وينصب له الأسواق، فوجه عون ذلك كله من أحسن شئ وأتمه في المراكب
وعلى الظهر.
-
وحول جميع عياله ومن اصطفاه من بنات الملوك من مصر وكبرائها إلى
ج ١ ص ٢٥١المدينة المبنية، فلما قرب دخول الوليد مصر تحول هو الى مدينته فتحصن بها وخلف للوليد خليفة يكون بين يديه.
-
فدخل الوليد مصر فتلقاه الناس، فشكوا إليه عونا، وما حل بهم منه، فقال: وأين عون؟ قالوا: فر عنك وتحصن دونك.
-
فاغتاظ وأمر أن ينفذ اليه جيش كثيف، فعرفوه كيف بنى مدينته وأسكن فيها معه من السحرة، وأن امره صعب فما يكون إلا بعد نظر شاف واستعداد كاف، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، ويحذره التخلف عنه، ويقسم عليه إن لم يفعل وظفر به يبضع لحمه بعد المبالغة في عذابه.
-
فرد عليه عون جوابا يقول فيه: ما على الملك مني في هذا الموضع؟ ولا أتعرض لبلده، ولا أعبث في شئ منه لأني عبده، وأنا في هذه الجهة حام له من كل عدو يقصده من ناحية من نواحي الغرب، ولا أقدر على المسير اليه لخوفي منه على نفسي، فليقرني الملك على حالي كأحد عماله، وأوجه اليه في كل وقت ما يلزمني من خراجه ومن هداياه، ووجه مع الجواب أموالا جزيلة جليلة وجوهرا نفيساً، فلما رأى الملك ذلك قنع به، وكف عنه.
-
فأقام الوليد بمصر فاستعبد أهلها واستباح حريمهم واموالهم مائة سنة وعشرين سنة، فأبغضوه وشتموه.
-
وأنه ركب في بعض الايام متصيداً، فألقاه فرسه في هوة من الأرض فقتله، وأراح الله الناس منه.
-
وكان ابنه الريان ينكر فعله ولا يرضاه منه، فلما هلك عمل له ناووساً
قرب الاهرام، وقيل إنه دفن في أحد الأهرام.
-
ثم ملك بعده ابنه الريان الملك، وهو فرعون يوسف عليه السلام، والقبط تسميه نهراوس، فجلس على سرير الملك، وكان عظيم الخلق جميل الوجه، عاقلا متمكنا من العلم، فدخل عليه الناس وهنأوه ودعوا له، فتكلم بجميل، ومنى الناس ووعدهم بالاحسان، وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، فدعوا له وأثنوا عليه وشكروه.
- ج ١ ص ٢٥٢
فأمر بفتح الخزائن وفرق ما فيها على الخاص والعام ممن حضر مجلسه، فخرجوا عنه شاكرين له محبين فيه، فملك وأحسن.
-
وتمكنت منه أريحية الصبا، فملك على البلد رجلاً من أهل بيته يقال له المعين (١) وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز، وكان من أولاد الوزراء عاقلا متمكنا من عقله حصيف الرأي، كثير نزاهة النفس، مستعملاً للعدل والصلاح، وأمر أن ينصب له في قصر الملك سرير من الفضة يجلس عليه.
-
وكان يغدو ويروح إلى باب الملك، ويخرج العمال وجميع الوزراء والكتاب بين يديه عند مسيره وعند رجوعه.
-
فقام بالملك، وكفى الملك مهمه، وأصلح جميع الأمور، ووطأ البلاد، وأمن الناس، وأقام سوق العدل.