تنبيهات
١٢٠ فقرة، ج ٥ ص ٢٤٠
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٥ ص ٢٤٤
التاسع: اختلف أهل العلم في الشّهيد إذا قتل جنبا: هل يغسّل كما غسّلت الملائكة حمزة وحنظلة رضي الله عنهما.
-
العاشر: قول أبي دجانة: «أنا الذي عاهدني خليلي» وكذا قول أبي هريرة: «حدثني خليلي» لا يدفع
بقوله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر»
-
[ (١) ] ، لأن أبا دجانة وأبا هريرة يريدان به معنى الحبيب، وإنّما فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقولها لأحد من أصحابه، ولا خصّ بها أحدا، دون أن يمنع أحدا من أصحابه أن يقولها، وما كان في قلوبهم من المحبة يقتضي هذا أو أكثر منه، ما لم يكن الغلوّ والقول المكروه،
فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح، وإنما أنا عبد الله ورسوله» [ (٢) ] .
- الحادي عشر:
-
قول علي رضي الله عنه: «ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد: فداك أبي وأمي إلا لسعد يوم أحد» . رواه البخاري [ (١) ] وغيره،
وروي أيضا عنه: «ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبويه لأحد إلا لسعد»
-
[ (٢) ] .
قال في الروض: والرواية الأولى أصحّ، والله أعلم، لأنه أخبر أنه لم يسمع، وقد قال الزبير بن العوام: أنه صلى الله عليه وسلم جمع له أيضا أبويه، كما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب.
قال السّهيليّ: وفقه هذا الحديث أن هذا الكلام جائز لمن كان أبواه غير مؤمنين، وأمّا إذا كانا مؤمنين فلا، لأنّه كالعقوق لهما، كذلك سمعت شيخنا أبابكر بن العربيّ يقول في هذه المسألة. قلت: قال الإمام النووي في كتابه «حلية الأبرار» : المذهب الصحيح المختار أنه لا يكره قول الإنسان لغيره: فداك أبي وأمي، أو جعلني الله فداك. وقد تظاهرت على جواز ذلك الأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما، وسواء كان الأبوان مسلمين أو كافرين، وكره ذلك بعض العلماء إذا كان مسلمين.
قال النحاس: وكره مالك بن أنس: «جعلني الله فداك» ، وأجازه بعضهم. قال القاضي عياض رحمه الله: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك، سواء كان المفدّى به مسلما أو كافرا. قال النّوويّ: قد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يحصى. وقد نبّهت على جمل منها في شرح صحيح مسلم، والمراد بالتفدية التعظيم والإجلال، لأن الإنسان لا يفدّي إلا من يعظّمه، وكان مراده بذلك نفسي، أو من يعزّ عليّ في مرضاتك وطاعتك.
-
الثاني عشر: يأتي الكلام على شرب أبي سعيد الخدري دم النبي صلى الله عليه وسلم في الخصائص.
-
الثالث عشر: اختلف في سبب نزول قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران ١٢٨] فروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد والشيخان عن أنس رضي الله عنه، وابن جرير، عن قتادة، وعبد الله بن حميد عن الحسن، وابن جرير عن الربيع: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشجّ وجهه حتى سال الدّم على وجهه،
فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم فقال: «كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيّهم، وهو يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى الشّيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضّلالة، ويدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار»
-
فهمّ أن يدعو عليهم، فنزلت، فكفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عليهم [ (٣) ] .
- ج ٥ ص ٢٤٦
وروى الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم أحد: «اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية» ، فنزلت فتيب عليهم كلهم [ (١) ] .
-
وروى الشيخان وابن جرير، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع: «اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» ،
يجهر بذلك.
-
وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانا» ، لأحياء من العرب،
حتى أنزل الله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ (٢) ] الآية.
-
وفي لفظ: «اللهم العن بني لحيان ورعلا وذكوان وعصيّة، عصت الله ورسوله» ،
ثم بلغنا أنّه ترك ذلك لما نزلت هذه الآية [ (٣) ] .
-
وروى ابن إسحاق والنحاس في ناسخه، عن سالم بن عبد الله، قال: جاء رجل من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنك تنهى عن السّبّ، ثم تحوّل فحوّل قفاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكشف عن استه، فلعنه ودعا عليه، فنزلت ثم أسلم الرجل، فحسن إسلامه.
قال الحافظ: حديث أنس وحديث ابن عمر سيّان لنزول الآية، ويحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا، فإنهما كان في وقعة واحدة، والرواية الثانية عن أبي هريرة أن كانت محفوظة احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن وقعة أحد، لأنّ قصة رعل وذكوان كانت بعد أحد، والصّواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم. بسبب قصة أحد، والله أعلم. ويؤيد ذلك قوله في صدر الآية: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ [آل عمران ١٢٧] أي يخزيهم ثم قال: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي فيسلموا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي إن ماتوا كفّارا.
-
الرابع عشر: في مداواته صلى الله عليه وسلم جرحه إشارة إلى جواز التّداوي، وأنّ الأنبياء صلى الله عليه وسلم قد يصابون ببعض العوارض الدّنيوية من الجراحات والآلام والأسقام، ليعظم لهم بذلك الأجر، وتزداد درجاتهم، وليتأسّى بهم أتباعهم في الصّبر على المكاره، والعاقبة للمتقين.
-
الخامس عشر: قال العلماء: النّعاس في القتال أمنة، وفي الصلاة من الشيطان، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله تعالى والفراغ من الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله تعالى، ثم ذلك النّعاس كان فيه فوائد، لأنّ السّهر يوجب الضعف والكلال، والنّوم يفيد عود القوة والنشاط، ولأنّ المشركين كانوا في غاية الحرص على قتلهم،
ج ٥ ص ٢٤٧فبقاؤهم في النّوم مع السلامة في تلك المعركة من أدلّ الدلائل على حفظ الله تعالى لهم، ذلك مما يزيل الخوف من قلوبهم، ويورثهم الأمن، ولأنهم لو شاهدوا قتل إخوانهم الذين أراد الله تعالى إكرامهم بالشهادة لاشتد خوفهم.
-
السادس عشر: قوله: ونهى عن المثلة، قيل: فقد مثّل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرنيّين فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم بالحرّة، وأجيب عن ذلك بأمرين: أحدهما: أنه فعل ذلك بهم قصاصا، لأنهم قطعوا أيدي الرّعاء وأرجلهم، وسملوا أعينهم، كما ذكر أنس، كما سيأتي ذلك في أبواب أحكامه صلى الله عليه وسلم في الحدود. ثانيهما: أن ذلك كان قبل تحريم المثلة.
- السابع عشر:
-
وقع في رواية أبي الوقت والأصيليّ من رواه البخاري في باب غزوة احد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه [عليه أداة الحرب] » .
قال الحافظ: وهو وهم من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث تقدّم سنده ومتنه في باب شهود الملائكة بدرا، ولهذا لم يذكره هنا أبو ذرّ ولا غيره من متقني رواة البخاريّ، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم. الثاني: أن المعروف في هذا المتن يوم بدر لا يوم أحد.
-
الثامن عشر: قول عبد الرحمن بن عوف: قتل مصعب بن عمير هو خير مني. لعلّه قاله تواضعا، ويحتمل أن يكون ما استقرّ عليه الأمر من تفضيل العشرة على غيرهم، بالنظر إلى من لم يقتل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد وقع من أبي بكر الصديق رضي الله عنه نظير ذلك، كما تقدم في قتل سعد بن الربيع.
-
التاسع عشر: قول أنس بن النّضر: إنّي لأجد ريح الجنّة دون أحد، يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شمّ رائحة طيّبة زائدة على ما يعهده، فعرف أنها الجنّة، ويحتمل أن يكون أطلق ذلك باعتبار ما عنده من اليقين، حتى كأنّ الغائب عنه صار محسوسا عنده، والمعنى أنّ الموضع الذي قاتل فيه يؤول بصاحبه إلى الجنة.
-
العشرون: روى ابن إسحاق عمّن لا يتّهم عن مقسم عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجّي ببردة، ثم صلّى عليه فكبّر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى فوضعوا إلى حمزة فصلّى عليهم وعليه معهم ثنتين وسبعين صلاة.
قال السهيلي: هذا حديث ضعيف لضعف الحسن بن عمارة الذي أبهمه ابن إسحاق، وإن كان غيره فهو مجهول، ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه الرواية، في غزوة أحد، وكذلك لم يصل أحد من الأئمة بعده.
-
وروى الإمام أحمد من طريق عطاء بن السائب، عن الشعبيّ، عن ابن مسعود، نحو رواية ابن عباس، قال في البداية: سنده ضعيف من جهة عطاء بن السائب، ويرده ما رواه الستة:
إلا مسلما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين
ج ٥ ص ٢٤٨من قتلى أحد،
ثم يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟
-
فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللّحد،
وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة،
وأمر بدفنهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلوا» ولا يخالف هذا ما رواه الشيخان، وأبو داود والنّسائيّ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميت كالمودع للأحياء والأموات [ (١) ] . لأن المراد بالصلاة هنا الدّعاء، وقوله: صلاته على الميت المراد به كدعائه للميّت من غير نية ولا تكبير.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد، وما روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليهم وكبّر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصحّ، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه، قال: وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين، يعني والمخالف يقول: لا يصلي علي القبر إذا طالت المدة، قال: وكان صلى الله عليه وسلم دعا لهم واستغفر لهم، حين علم قرب أجله توديعا لهم بذلك، ولا يدلّ ذلك على نسخ هذا الحكم الثابت.
-
الحادي والعشرون: اختلف في عدّة من ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فروى البخاريّ وأبو نعيم، والإسماعيليّ واللفظ له، عن معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه قال: سمعت أبا عثمان يعني النّهديّ يقول: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام- وفي رواية: التي يقاتل فيهنّ- غير طلحة وسعد، قال سليمان: فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما، يعني أنّ سعدا وطلحة أخبرا أبا عثمان بذلك.
قال الحافظ: وهذا قد يعكّر عليه ما ورد أنّ المقداد كان ممّن بقي معه، كما تقدم في القصّة في حديث سعد، لكن يحتمل أن المقداد إنما حضر بعد الجولة، ويحتمل أن يكون انفرادهما معه في بعض المقامات، وقد روى مسلم من طريق ثابت، عن أنس قال: أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في سبعة ورجلين من قريش، وكان المراد بالرجلين طلحة وسعد، وكان المراد بالحصر المذكور تخصيصه بالمهاجرين، كأنه قال: لم يبق معه من المهاجرين غير هذين، ويتعيّن حمله على ما أوّلته، وأن ذلك باعتبار اختلاف الأحوال، وأنهم تفرقوا في القتال، فلما وقعت الهزيمة فيمن انهزم وصاح الشيطان: «قتل محمد» ، اشتغل كلّ واحد بهمّه والذّبّ على نفسه، كما في حديث سعد، ثم عرفوا عن قرب ببقائه فتراجعوا إليه أولا فأوّلا، ثم بعد ذلك كان يندبهم إلى القتال فيشتغلون به.
- ج ٥ ص ٢٤٩
وفي حديث الزّبير عن ابن إسحاق بإسناد حسن قال: مال الرّماة يوم أحد يريدون النّهب، فأتينا من ورائنا وصرخ صارخ: «ألا إن محمدا قد قتل» ، فانكفأنا راجعين.
-
وروى ابن عائذ عن المطلب بن عبد الله بن خطب مرسلا: أن الصحابة رضي الله عنهم تفرقوا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى بقي في اثني عشر رجلا من الأنصار.
-
وللنّسائيّ والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: تفرّق الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة. وإسناده جيّد وهو كحديث أنس إلا أن فيه زيادة أربعة، فلعلّهم جاءوا بعد ذلك. وعند محمد بن سعد: أنه ثبت معه أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين، منهم أبو بكر. ويجمع بينه وبين حديث أبي عثمان بأن سعدا جاءهم بعد ذلك كما حديثه في القصة، وأن المذكورين من الأنصار استشهدوا، كما في حديث أنس عند مسلم: فلم يبق غير سعد وطلحة. ثم جاء من بعدهم. وأما المقداد فيحتمل أن يكون استمرّ مستقلّا بالقتال. وذكر الواقديّ أن جماعة غير من ذكر ثبتوا كما ذكرته في القصة، فإن ثبت حمل على أنهم ثبتوا فيمن حضر عنده في الجملة، وما تقدّم فيمن حضر عنده صلى الله عليه وسلّم، أولا فأولا.
وقال الحافظ في موضع آخر: صار الصحابة عند ترك الرّماة مواقعهم وقول الشيطان: «قتل محمد» ثلاث فرق: فرقة استمرّوا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى فرغ القتال، وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [آل عمران ١٥٥] وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا ذلك، فصارت غاية الواحد منهم أن يذبّ عن نفسه، أو يستمرّ على بصيرته في القتال إلى أن يقتل، وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئا فشيئا لمّا عرفوا أنه حيّ، وبهذا يجمع بين مختلف الأخبار في عدّة من بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
الثاني والعشرون: وقع في الهدى أن الفرسان من المسلمين يوم أحد كانوا خمسين رجلا، وهو سبق قلم، وإنما هذا عدد الرماة، وقد جزم موسى بن عقبة بأن المسلمين لم يكن معهم شيء من الخيل. وذكر الواقديّ أنه كان معهم فرسان: فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرس لأبي بردة.
-
الثالث والعشرون: اختلف في عدد المسلمين يومئذ، فقال الجمهور: منهم ابن شهاب في رواية: كان المشركون ثلاثة آلاف والمسلمون بعد انخذال ابن أبيّ سبعمائة. وروى البيهقي عن ابن شهاب في رواية أخرى قال: كان المسلمون قريبا من أربعمائة رجل. قال البيهقيّ: وقول ابن شهاب الأول أشبه بما رواه موسى بن عقبة، وأشهر عند أهل المغازي.
- ج ٥ ص ٢٥٠
الرابع والعشرون: قال العلماء رضي الله عنهم: كان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربّانيّة أشياء عظيمة، منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النّهي، لما وقع من ترك الرّماة موقعهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألّا يبرحوا منه.
-
ومنها: أنّ عادة الرّسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة، كما سيأتي في قصة هر قل مع أبي سفيان، وقوله له: هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال يدال علينا المرّة وندال عليه الأخرى. قال هرقل: كذلك الرّسل، تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائما دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميّز الصادق من غيره، فإن المسلمين لمّا أظهرهم الله على عدوّهم يوم بدر، وطار لهم الصّيت دخل معهم ظاهرا في الإسلام من ليس معهم فيه باطنا، ولو انكسروا دائما لم يحصل المقصود من بعثة الرسل، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميّز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق جماعة ممّن يدّعي الإيمان كان مخفيّا عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة، وأظهر أهل النّفاق ما أظهروا من الفعل والقول، عاد التّلويح تصريحا، وعرف المسلمون أنّ لهم عدوّا في دورهم فاستعدّوا لهم وتحرّزوا منهم.
-
ومنها: أنّ في تأخير النّصر في بعض المواطن هضما للنفس وكسرا لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا، وجزع المنافقون.
-
ومنها: أن الله تعالى هيّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيّض لهم أسباب الابتلاء والمحن، ليصلوا إليها.
-
ومنها: أنّ الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها الله تعالى إليهم.
-
ومنها: أنه تعالى إذا أراد إهلاك أعدائه قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك، من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحّص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق به الكافرين.
-
ومنها: أنّ الأنبياء صلى الله عليهم وسلم إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام، تعظيما لأجرهم، تأسّى بهم أتباعهم في الصّبر على المكاره، والعاقبة للمتقين.
-
الخامس والعشرون: في فضل شهداء أحد: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
قال: لمّا أصيب أبي يوم أحد جيء به مسجّى وقد مثّل به، وفي رواية: جيء به مجزّعا فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهونني ورسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينهاني، وجعلت فاطمة بنت عمرة تبكيه،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا
ج ٥ ص ٢٥١تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع» [ (١) ] .
-
رواه البخاريّ. وعنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لجابر: «ألا أبشّرك بما لقي الله تعالى به أباك» ، قلت: بلى، قال: «ما كلّم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأنه أحيى أباك فكلّمه كفاحا» [ (٢) ] وقال: «عبدي تمنّ عليّ أعطك» ، قال: يا رب تحييني فأقاتل فيك ثانية. قال الرّبّ سبحانه وتعالى: (قد سَبَق مِنِّي أَنهم لا يَرْجعون) . قال: «أي ربّ فأبلغ من ورائي» ، فنزلت وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [آل عمران ١٦٩] الآية [ (٣) ] ، رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه،
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر: «ألا أبشّرك؟» قال:
بلى، قال: «شعرت أن الله تبارك وتعالى أحيى أباك فأقعده بين يديه، وقال: تمنّ على ما شئت أعطك، قال: يا رب ما عبدتك حقّ عبادتك، أتمنّى أن تردّني إلى الدنيا، فأقتل بين يدي نبيّك مرّة أخرى. قال: سبق منّي أنّك إليها لا ترجع» [ (٤) ] .
-
وروى ابن المنذر من طريق طلحة بن نافع عن أنس قال: لما قتل حمزة وأصحابه يوم أحد قالوا: يا ليت لنا مخبرا يخبر إخواننا بالذي صرنا إليه من كرامة الله تعالى لنا، فأوحى إليهم ربهم تبارك وتعالى: إنا رسولكم إلى إخوانكم، فأنزل الله عز وجلّ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً إلى قوله: لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.