الحادي عشر: في ذكر جوده وزهده في الدنيا وجمل من مكارم أخلاقه (وتعظيم) [١] الصحابة له - رضي الله تعالى عنهم

٨ فقرات، ج ١٢ ص ٦٨

  1. -

    قال: إني أستحي من الله- عز وجل- أن ألقاه ولم أمش إلى بيته

    فمشى عشرين حجة إلى مكة من المدينة على رجليه، وفي رواية: خمس عشرة ماشيا، وإن النجائب لتقاد معه ولقد قاسم الله تعالى ثلاث مرات، حتى إنه يعطى الخف ويمسك النعل وخرج من ماله مرتين قال محمد بن سيرين: ربما كان يجيز الواحد بمائة ألف، واشترى حائطا من قوم من الأنصار بأربعمائة ألف، ثم إنه بلغه أنهم احتاجوا إلى ما في أيدي الناس، فرده إليهم، ولم يقل لسائل قط: لا، وكان لا يأنس به أحد فيدعه يحتاج إلى غيره،

    ورأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلبا هناك لقمة، فقال: ما يحملك على هذا؟

    قال: إني أستحي أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح حتى آتيك

    فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه وأعتقه وملكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي، قد وهبت الحائط الذي وهبتني وكان سيدا حليما زاهدا عاقلا فاضلا فصيحا ذا سكينة، ووقار جوادا يكره الفتن وسفك الدماء، دعاءه ورعه، وزهده وحمله إلى أن ترك الخلافة،

    وقال: خشيت أن يجيء يوم القيامة سبعون ألفا أو أقل أو أكثر فنضح أوداجهم دما،

    وكان من أحسن الناس وجها وأكرمهم وأجودهم وأطيبهم كلاماً، وأكثرهم حياءا، وكان أكثر دهره (صائما) [ (١) ] ، وكان فعله يسبق قوله في المكارم والجود، وكان كثير الأفضال على إخوانه، لا يغفل عن أحد منهم، ولا

    ج ١٢ ص ٦٩يحوجه إلى أن يسأله، بل يبتدئه بالعطاء قبل السؤال،

    وقال لأصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه،

    وكان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد وما سمع كلمة فخشى قط، وأعظم ما سمع أنه كان بينه وبين شخص خصومة،

    فقال له: ليس له عندنا إلا ما أرغم أنفه،

    ج ١٢ ص ٦٨
  2. وقيل:
  3. أن أبا ذر يقول الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله- عز وجل- لم يتمن شيئاً غير الحالة التي اختارها الله- عز وجل-، وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء.

  4. ومن كلامه: كن في الدنيا ببدنك، وفي الآخرة بقلبك.

  5. وكان يقول لبنيه وبني أخيه: يا بني، وبني أخي، (يا بني، وبني أخي) [ (١) ] تعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه، أو قال: يرويه، فليكتبه وليضعه في بيته.

  6. وقد كان أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- يجله ويعظمه، ويحترمه ويكرمه، وكذلك عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- وقد جاء الحسن والحسين يوم الدار، وعثمان محصور ومعهما السيف ليقاتلا عن عثمان فخشي عليهما، فأقسم عليهما ليرجعا إلى منازلهما تطييبا لقلب علي، وخوفا عليهما، وكان علي- رضي الله تعالى عنه- أرسلهما وأمرهما بذلك، وكان علي يكرم الحسن إكراما زائدا ويعظمه، ويبجله، وكان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا ويرى هذا من النعم، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما لما يزدحمون عليهما- رضي الله تعالى عنهما-.

  7. وكان عبد الله بن الزبير- رضي الله تعالى عنهما- يقول: والله، ما قامت النساء عن مثل الحسن.

    وقال أبو جعفر الباقر: جاء رجل إلى الحسين بن علي- رضي الله تعالى عنهما- فاستعان به في حاجة فوجده معتكفا، فاعتذر إليه، فذهب إلى أخيه الحسن، فاستعان به، فقضى حاجته، وقال: لقضاء حاجة أخ لي في الله- عز وجل- أحب إلي من اعتكاف شهر.

  8. وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقا مصداقا،

    وكان علي- رضي الله تعالى عنه- يقول لأهل الكوفة: لا تزوجوه، فإنه مطلاق،

    فيقولون: والله، يا أمير المؤمنين، لو خطب لنا كل يوم زوجناه منا ابتغاء في صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم.