ذكر من رثى النبي، - صلى الله عليه وسلم -
٦ فقرات، ج ٣ ص ٢٧٧
- ج ٣ ص ٢٧٧
قال محمّد بن عمر الواقديّ عن رجاله: قال أبو بكر الصّدّيق يرثى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (١) :
يا عَيْنِ فَابْكى ولا تَسْأمى، … وَحُقّ البُكاءُ عَلى السّيّدِ!
عَلى خَيْرِ خِنْدِفَ عِنْدَ البَلا … ءِ أمْسَى يُغَيَّبُ في المُلْحَدِ
فَصَلَّى المَلِيكُ وَلِيُّ العِبَادِ … وَرَبّ البِلادِ عَلى أحْمَدِ
ج ٣ ص ٢٧٨فَكَيْفَ الحَيَاةُ لِفَقْدِ الحَبيبِ … وَزَيْنِ المَعَاشِرِ في المَشْهَدِ؟
فَلَيْتَ المماتَ لَنَا كُلِّنا … وكُنّا جَميعًا مع المُهْتَدِى!
قال الواقديّ: وقال أبو بكر الصّدّيق أيضًا (١) :
لَمّا رَأيتُ نَبِيّنَا مُتجَدّلًا … ضَاقَتْ عَلَيّ بِعَرْضِهِنّ الدّورُ
وارْتعتُ رَوْعةَ مُستهامٍ والِهٍ … وَالعَظْمُ مِنّى وَاهِنٌ مَكسورُ
أعَتيقُ وَيحكَ! إنّ حُبّك قد ثَوَى … وَبَقِيتَ مُنفرِدًا وأنْتَ حَسِيرُ
يا ليْتنى من قبْلِ مَهْلَكِ صاحبى … غُيّبْتُ في جَدَثٍ عليّ صُخُورُ!
فَلتَحْدُثَنّ بَدائعٌ من بَعدِهِ، … تعْيَا بِهِنّ جَوَانِحٌ وَصُدُورُ
قال الواقديّ: وقال أبو بكر أيضًا:
باتَتْ تَأوّبُنى هُمُومٌ حشد … مثلُ الصّخورِ فأمستْ هدّتِ الجسدا
يا لَيْتَنى حَيثُ نُبّئْتُ الغَدَاةَ بهِ … قالوا الرّسولُ قَدَ امسَى ميّتًا فُقِدا
لَيْتَ القِيامَةَ قامَتْ بعدَ مَهْلَكِهِ، … وَلا نَرَى بَعدَهُ مالًا ولا وَلَدا!
وَالله أُثْنى (٢) عَلى شىْءٍ فُجِعْتُ بِهِ … مِنَ البَريّةِ حتَّى أدخُلَ اللّحَدا
كَمْ لىَ بَعْدَكَ من هَمٍّ يُنَصّبُنى … إذا تَذكّرتُ أنّى لا أرَاكَ أبَدا!
كان المصَفّاءَ في الأخلاقِ قد علموا، … وفى العَفافِ فَلَمْ نَعْدِلْ بهِ أحَدا
نَفسى فداؤك من مَيْتٍ وَمن بَدَنٍ! … ما أطيَبَ الذّكرَ والأخلاقَ والجسدا!
-
وأنشدنا هشام بن محمّد الكلبيّ عن عثمان بن عبد الملك أنّ عمران بن بلال بن عبد الله بن أنيس قال سمعتها من مشيختنا قال: قال عبد الله بن أنيس يرثى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٣) :
تَطَاوَلَ لَيْلى واعتَرَتْنى القَوَارِعُ … وَخَطْبٌ جَلِيلٌ للْبَلِيّةِ جَامِعُ!
غَدَاة نَعَى النَّاعِى إلينا مُحَمّدا، … وتِلك الّتى تَسْتَكُّ مِنْها المسَامَعُ
فلو رَدّ مَيْتًا قَتلُ نَفْسِى قَتَلْتُها! … ولَكِنَّهُ لا يَدْفَعُ الموتَ دَافِعُ
ج ٣ ص ٢٧٩فآليتُ لا أثنى على هُلْكِ هَالِك … من النّاسِ، ما أوفَى ثَبيرٌ وفَارعُ
وَلَكِنَّنى بَاكٍ عَلَيْهِ ومُتْبِعٌ … مُصِيبَتَهُ. إنّى إلى اللهِ رَاجِعُ!
وقد قبض الله النبيين قبله … وعادٌ أُصيبَ بالرُّزَى والتَّبَابِعُ (١)
فيَاليتَ شِعْرِى! مَن يَقومُ بأمرِنا؟ … وَهَلْ في قُرَيْشٍ من إمَامٍ يُنازِعُ؟
ثَلاثَةُ رَهْطٍ منْ قُرَيشٍ همُ هُمُ … أَزِمّةُ هذا الأَمرِ، والله صَانعُ
عَلِيٌّ أوِ الصّدّيقُ أو عُمَرٌ لهَا، … ولَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثّلاثةِ رَابعُ!
فَإنْ قَالَ منّا قَائلٌ غَيْرَ هَذِهِ … أبَيْنَا، وَقُلْنَا: اللهُ رَاءٍ وَسَامِعُ
فيَا لقُرَيشٍ! قلّدوا الأمرَ بَعضَهم، … فَإنّ صَحِيحَ القَوْلِ للنّاس نَافِعُ
وَلا تُبْطِئُوا عَنْها فُوَاقًا فَإنّهَا … إذا قُطِعَتْ لمْ يُمْنَ فيهَا المطامعُ
أخبرنا قُتيبة بن سعيد أبو رجاء البَلْخيّ، أخبرنا ليْث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد - يعني ابن أبي هلال: أنّ حسَّان بن ثابت قال وهو يرثى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (٢) :
واللهِ مَا حمَلَتْ أُنْثَى ولا وَضَعَتْ … مثلَ النّبيّ رَسُولِ الأمّةِ الهَادى
أَمْسَى نِسَاؤكَ عَطّلنَ البيوتَ، فمَا … يَضربنَ خَلْفَ قَفَا سترٍ بأوْتَادِ
مثلَ الرّوَاهبِ يَلبَسْنَ المسوحَ، وقد … أيْقَنّ بالبؤسِ بعدَ النّعمةِ البادى!
-
وقال حسَّان بن ثابت (٣) أيضًا يرثى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيما أنشدنا أبو عمرو الشّيْبانى:
آلَيْتُ حِلْفَةَ بَرٍّ غَيرَ ذى دخَلٍ … منّى، ألِيّةَ حَقٍّ غيرَ إفْنَادِ!
بالله ما حَمَلَتْ أُنْثى وَلا وَضَعَتْ … مثلَ النّبيّ، نَبيّ الرّحْمةِ الهَادى
وَلا مَشَى فوْق ظَهْرِ الأرْضِ من أحَدٍ … أوْفَى بِذِمّةِ جَارٍ أوْ بمِيعَادِ
من الّذى كانَ نُورًا يُسْتَضاءُ بهِ … مُبَارَكَ الأمْرِ ذَا حَزْمٍ وإرْشَادِ،
مُصَدِّقًا للنّبيّينَ الأُلى سَلَفُوا، … وَأبذَلَ النّاسِ للمعرُوفِ للجَادِى
خَيرَ البَرِيّةِ إنّى كُنْتُ في نَهَرٍ … جَارٍ، فأصْبحتُ مثلَ المفرِد الصّادِى!
ج ٣ ص ٢٨٠أمسى نساؤكَ عَطَّلْنَ البُيوتَ فمَا … يَضرِبنَ خَلْفَ قَفَا سترٍ بأوْتادِ
مثلَ الرّوَاهِبِ يَلبَسنَ المسوحَ، وقد … أيقنّ بالبُؤسِ بعدَ النّعمةِ البادى!
وقال أبو عمرو: قال حسّان يرثيه، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (١) :
مَا بالُ عَينِكَ لا تَنَامُ! كَأنّما … كُحِلَتْ مَآقِيها بكُحلِ الأرْمَدِ؟
جَزَعًا على المَهْدِيّ أصبَحَ ثَاوِيًا، … يَا خَيرَ مَن وَطئَ الحصَىَ لا تَبعَدِ
يَا وَيْحَ أنْصَارِ النّبيّ وَرَهْطِهِ! … بَعدَ المغَيَّبِ في سَوَاءِ المُلْحَدِ
جَنْبى يَقِيكَ التّرْبَ لَهْفى لَيْتَنى … غُيِّيْتُ قَبلك في بَقِيع الغَرْقَدِ (٢) !
يا بِكْرَ آمِنَةَ المُبارَكَ ذِكْرُهُ، … وَلَدَتْهُ مُحْصَنَةٌ بسَعْدِ الأسعُدِ
نُورًا أضَاءَ عَلى البَرِيّةِ كُلّهَا، … مَنْ يُهْدَ للنّورِ المبارَكِ يَهتَدِ!
أَأُقيمُ بَعْدَكَ بالمدينَةِ بيْنَهُمْ؟ … يَا لَهْفَ نَفْسى لَيْتَنى لم أُولَدِ!
بأبى وأُمّى مَنْ شَهِدْتُ وَفَاتَهُ … في يومِ الاثنَينِ النّبيّ المهْتَدى!
فَظَلِلْتُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُتَلَدّدًا، … يَا لَيْتَنى صُبّحْتُ سُمّ الأسْوَدِ!
أو حَلّ أمرُ الله فينا عاجِلًا … فما رَوْحَةٍ منْ يوْمِنَا أوْ من غَدِ!
فَتَقُومُ ساعَتُنَا فَنَلْقَى سَيّدًا … مَحْضًا مَضَارِبُهُ كَريمَ المحْتِدِ
يا رَبّ! فَاجْمَعْنَا مَعًا ونَبِيَّنَا … في جَنّةٍ تفقى (٣) عُيُونَ الحُسّدِ
في جَنّةِ الفِرْدَوْسِ، واكتُبها لنَا … يا ذا الجَلالِ وذا العُلا وَالسّودَدِ!
واللهِ اسمَعُ مَا حَيِيتُ بهالِكٍ … إلّا بَكَيْتُ عَلى النّبيّ مُحَمّدِ
ضَاقَتْ بالأنْصارِ البلادُ، فأصبحُوا … سُودًا وُجُوهُهُمُ كَلَوْنِ الإثْمِدِ
ولَقَدْ ولَدْنَاهُ فِينَا قَبْرُهُ، … وَفُضُولُ نِعمَتِهِ بنَا لا تُجْحَدِ
وَالله أهْدَاهُ لَنَا وهَدَى بِه … أنْصَارَهُ في كُلّ سَاعَةِ مَشْهَدِ (٤)
ج ٣ ص ٢٨١صَلّى الإلَهُ وَمَنْ يَحُفّ بِعَرْشِهِ … والطّيّبُونَ عَلى المُبَارَكِ أحمَدِ!
قال: قال أبو عمرو الشّيبانيّ: وقال حسّان بن ثابت يرثى النّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
يَا عَينِ جُودى بدَمْعٍ منكِ إسْبالِ! … وَلا تَمَلِّنّ مِنْ سَحٍّ وإعْوَالِ!
لا يَنْفَدَنْ لي بَعدَ اليَوْمِ (١) دَمْعُكُمَا، … إنّى مُصَابٌ وإنّى لَسْتُ بالسّالى
فَإنّ مَنْعَكُمَا منْ بعْدِ بَذْلِكُما … إيّاىَ مثْلُ الّذى قَدْ غُرّ بالآلِ!
لكِنْ أفيضى على صَدرى بأرْبَعَةٍ، … إنّ الجوَانِحَ فِيها هَاجِسٌ صَالى
سَحّ الشّعيبِ وماءِ الغَرْبِ يَمْنَحُهُ … سَاقٍ يُحَمّلُهُ سَاقٍ بإزْلال
حَامى الحقيقَةِ نَسّالُ الوَدِيقَةِ فكّـ … ـاكُ العُناةِ، كَريمٌ مَاجِدٌ عَالِ!
عَلى رَسُولٍ لَنَا مَحْضٍ ضَرِيبَتُهُ، … سَمْحِ الخليقَةِ، عَفٍّ غيرِ مِجهالِ!
كشّافِ مَكرُمَةٍ، مِطْعامِ مَسْغَبَةٍ، … وَهَّابِ عَانِيَةٍ وَجْنَاءَ شِمْلالِ!
عَفٍّ مَكاسِبُه، جَزْلٍ مَوَاهِبُهُ، … خَيرِ البَرِيّةِ سَمْحٍ غيرِ نَكّالِ!
وارى الزّنادِ وقَوّادِ الجِيَاد إلى … يوْمِ الطّرَادِ، إذا شَبّتْ بأجْذالِ
وَلا أزَكّى عَلى الرّحمنِ ذا بَشَرٍ … لكِنّ عِلْمَكَ عنْدَ الوَاحِدِ العالى!
إنّى أرى الدّهْرَ والأيّامَ يَفْجعُنى … بالصّالحينَ، وأبْقَى نَاعِمَ البَالِ!
يا عَينِ فابكى رَسولَ اللهِ إذْ ذُكرَتْ … ذَاتُ الإلَهِ، فنِعْمَ القائدُ (٢) الوالى!
قال أبو عمرو: وقال حسّان بن ثابت (٣) يرثى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
نَبِّ المَساكِين أنّ الخيرَ فارَقَهُمْ … مَعَ الرّسُولِ تَوَلّى عَنهُمُ سَحَرَا
مَنْ ذا الّذى عنْدَهُ رَحْلى وَراحلَتى … وَرِزْقُ أهْلى، إذا لم نُؤنَسِ المطَرَا
ذاك الّذى لَيسَ يخْشاهُ مُجالِسُهُ، … إذا الجَلِيسُ سطا في القَوْلِ أوْ عثرَا
كانَ الضّياءَ، وكان النّورَ نَتبَعُهُ، … وكانَ بَعْدَ الإله السَّمْعَ والبَصَرَا
فَلَيْتَنَا يوْمَ وَارَوْهُ بمَخْبَئِهِ، … وَغَيّبُوهُ وَألْقَوْا فَوْقَهُ المَدَرَا
ج ٣ ص ٢٨٢لمْ يَتْرُكِ الله خَلْقًا منْ برِيّتِهِ، … وَلمْ يُعِشْ بَعْدَهُ أُنْثى وَلا ذَكَرَا
ذَلّتْ رِقَابُ بنى النّجّارِ كُلّهِمُ! … وكانَ أمرًا من الرّحمنِ قد قُدِرَا
قال أبو عمرو: قال كعب بن مالك يرثى رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
-
يا عَينِ فَابكى بدَمْعٍ ذَرَى … لخِيَرِ البَرِيّةِ وَالمُصطَفَى!
وَبَكّى الرّسُولَ! وحُقّ البُكاءُ … عَلَيْهِ، لَدى الحرْبِ عنْدَ اللّقَا!
عَلى خَيرِ مَنْ حَمَلَتْ ناقَةٌ، … وأتْقَى البَرِيّةِ عِنْدَ التّقَى
علَى سَيّدٍ مَاجِدٍ جَحْفَلٍ، … وخَيرِ الأنَامِ وخَيرِ اللّهَا!
لَه حَسَبٌ فَوْقَ كُلّ الأنَا … مِ منْ هاشمٍ ذلكَ المرْتَجَى
نُخَصّ بما كَانَ من فَضْلِهِ، … وكَانَ سِرَاجًا لنَا في الدّجَى!
وكَانَ بَشِيرًا لَنَا مُنْذِرًا، … وَنُورًا لَنَا ضَوْءُهُ قدْ أضَا
فأنْقَذَنا اللهُ في نُورِهِ، … ونَجّى برَحْمَتِهِ منْ لَظَى!
قال: وفيها أنشدنا الواقديّ. قالت أرْوَى بنت عبد المطّلب ترثى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (١) :
ألا يَا عَينِ! وَيْحَكِ أسْعِدينى … بدَمْعِكِ، مَا بَقِيتِ، وَطاوِعينى
ألا يَا عَينِ وَيْحَكِ! وَاسْتَهِلّى … عَلى نُورِ البلادِ وأسْعِدينى!
فإنْ عَذَلَتْكِ عَاذِلَةٌ فَقُولى: … عَلامَ وَفيمَ، وَيحَكِ! تَعذُلِينى؟
عَلى نُورِ البلادِ معًا جَمِيعًا … رسُولِ اللهِ أحْمَدَ فاتْرُكِينى
فَإلّا تُقْصِرى بالعَذْلِ عَنّى، … فَلُومى مَا بَدَا لَكِ أوْ دَعِينى!
لأمْرٍ هَدّنى وأذَلّ رُكْنى، … وَشَيّبَ بَعْدَ جِدّتِها قُرُونى!
وقالتْ أرْوَى بنْت عبد المطّلب أيضًا:
ألَا يا رسُولَ اللهِ كُنْتَ رجَاءَنَا، … وكُنْتَ بِنا بَرًّا ولمْ تَكُ جَافِيَا!
وكُنْتَ بِنَا رَوْفًا رَحيمًا نبيّنَا، … ليَبكِ عَليكَ اليوْمَ مَن كان باكِيا! (٢)
ج ٣ ص ٢٨٣لَعَمْرُكَ مَا أبكى النّبيّ لِموْتِهِ! … ولكِنْ لِهَرْجٍ كان بَعدَكَ آتيَا
كَأنّ عَلى قَلبى لذِكْرِ مُحَمّدٍ، … ومَا خِفتُ من بعدِ النّبيّ المَكاوِيا
أفاطِمَ صلّى الله، رَبّ مُحَمّدٍ، … عَلى جَدَثٍ أمْسَى بيْثرِبَ ثَاوِيا!
أبَا حَسَنٍ فَارَقْتَهُ وتَرَكْتَهُ، … فَبَكّ بحُزْنٍ آخرَ الدّهرِ شَاجِيَا!
فِدًا لِرَسُولِ اللهِ أُمّى وَخَالَتى … وَعَمّى وَنَفْسى قُصْرَةً ثمّ خَاليا
صَبَرْتَ وَبَلّغْتَ الرّسالَةَ صَادِقًا، … وقُمْتَ صَليبَ الدينِ أبْلَجَ صَافيا!
فَلَوْ أنّ رَبّ النّاسِ أبقَاكَ بَيْنَنَا … سَعِدْنَا، ولكنْ أمرُنا كان ماضِيا!
عَلَيْكَ مِنَ اللهِ السّلامُ تَحِيّةً، … وَأُدخِلْتَ جَنَّاتٍ من العَدْنِ رَاضِيا!
قال: وقالت عاتِكة بنت عبد المطّلب ترثى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
عَينيّ جُودا طَوَالَ الدّهرِ وَانْهَمِرَا … سَكبًا وَسَحًّا بدَمعٍ غَيرِ تَعذيرِ!
يا عَينِ فاسحَنفِرى بالدّمعِ وَاحتَفَلى … حتى المَماتِ بسَجْلٍ غَيرِ مَنْزُورِ
يا عَينِ فانهمِلى بالدّمعِ واجتَهِدى … للمُصْطَفى، دونَ خَلقِ اللهِ، بالنورِ
بمُستَهَلٍّ من الشؤبوبِ ذى سَيَلٍ، … فقد رُزِئْتُ نبيّ العَدْلِ وَالخيرِ!
وكُنْتُ من حَذَرٍ للموْتِ مُشفقةً، … وَللّذى خُطّ من تلكَ المقَاديرِ!
مِن فقدِ أزْهَرَ ضَافى الخلق ذى فخَرٍ … صَافٍ من العَيبِ وَالعاهاتِ وَالزّورِ!
فاذهَبْ حَمِيدًا! جَزَاكَ الله مغفرةً، … يوْمَ القيامةِ، عَندَ النَّفْخِ في الصُّورِ
وقالت عاتِكة بنت عبد المطّلب (١) :
يا عَينِ جودى، ما بقِيتِ، بعَبْرَةٍ … سَحًّا على خَيرِ البَرِيّةِ أحْمَدِ
يا عَينِ فاحتَفلى وَسُحّى وَاسْجُمى … وَابكى عَلى نُورِ البلاد مُحَمّدِ!
أنّى، لَكِ الوَيلاتُ! مثلُ مُحَمّدٍ … في كلّ نائِبَةٍ تَنُوبُ وَمَشْهَدِ؟
فابكى المبارَكَ والموفَّقَ ذا التّقَى، … حَامى الحقيقةِ ذا الرّشادِ المرْشِدِ
مَنْ ذا يَفُكّ عَنِ المغَلَّلِ غُلّهُ … بَعْدَ المغَيَّبِ في الضّريحِ الملحَدِ؟
أمْ مَنْ لكلّ مُدَفَّعٍ ذى حاجَةٍ، … وَمُسَلْسَلٍ يَشكو الحديدَ مُقَيَّدِ؟
ج ٣ ص ٢٨٤أمْ مَنْ لوَحْي اللهِ يُتْرَكُ بَيْنَنَا … في كلّ مُمْسى لَيْلةٍ أوْ في غَدِ؟
فَعَلَيْكَ رَحْمةُ رَبّنَا وَسَلامُهُ، … يا ذا الفَوَاضِلِ وَالنّدَى وَالسّودَدِ!
هَلّا فَدَاكَ الموْتَ كُلُّ مُلَعَّنٍ … شَكْسٍ خلائقُهُ لَئِيمِ المَحْتِدِ؟
وقالت عاتكة بنت عبد المطّلب أيضًا:
أعَيْنيّ جُودا بالدّموعِ السّوَاجِمِ … عَلَى المصْطَفَى بالنّورِ من آل هاشمِ
عَلى المصْطَفَى بالحقّ والنّورِ والهُدى … وَبالرّشْدِ بَعدَ المندَباتِ العَظائمِ
وَسُحّا عليهِ وَابكِيا، ما بَكَيْتُما، … عَلى المرْتَضَى للمُحْكَماتِ العزَائمِ
على المرْتضى للبرّ والعَدْل والتّقَى، … وَللدّينِ والإسْلامِ بعدَ المظَالِمِ
على الطّاهرِ الميمونِ ذى الحلمِ وَالنّدى … وَذى الفَضْلِ وَالدّاعى لخيرِ التراحُمِ
أعَيْنَيّ ماذا، بَعدمَا قد فُجِعْتُمَا … بهِ، تَبكيَانِ الدّهرَ من وُلدِ آدمِ؟
فَجُودا بسَجْلٍ وانْدُبا كلّ شارِقٍ … رَبيعَ اليَتَامَى في السّنينَ البَوَازِمِ!
قال: وقالت صَفِيّة بنت عبد المطّلب ترثى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
لَهْفَ نَفْسى! وَبتُّ كالمَسْلُوبِ … آرَقُ اللّيْلَ فِعْلَةَ المَحْرُوبِ!
منْ هُمُومٍ وَحَسْرَةٍ رَدَفَتْنى، … لَيتَ أنّى سُقيتُها بشَعُوبِ!
-
حينَ قالوا: إنّ الرّسولَ قَدَ امْسَى … وَافَقَتْهُ مَنِيّةُ المكْتُوبِ!
إذْ رأيْنَا أنّ النّبيّ صَريعٌ … فَأشَابَ القَذَالَ أيّ مَشيبِ
إذْ رَأيْنَا بيُوتَهُ مُوحِشَاتٍ، … لَيْسَ فِيهِنّ بَعْدَ عَيشٍ حَبيبى
أوْرَثَ القَلْبَ ذاكَ حُزْنًا طَويلًا، … خالَطَ القَلْبَ، فهْوَ كالمَرْعوبِ
ليتَ شِعرى! وكيفَ أُمْسى صَحِيحًا … بَعْدَ أنْ بِينَ بالرّسولِ القَريبِ؟
أعْظَمِ النّاسِ فما البَرِيّةِ حَقًّا، … سَيّدِ النّاسِ حُبُّهُ في القُلُوبِ
فَإلى اللهِ ذَاكَ أشْكُو! وَحَسْبى، … يَعْلَمُ اللهُ حَوْبَتى وَنَحِيبى!
وقالت صفيّة بنت عبد المطلّب (١) :
أفَاطِمَ بَكّى وَلا تَسْأمِى … بصُبْحِكِ، مَا طَلَعَ الكَوْكَبُ!
ج ٣ ص ٢٨٥هُوَ المرْءُ يُبْكَى، وَحُقّ البُكَاءُ! … هُو الماجدُ السّيّدُ الطّيّبُ!
فَأوْحَشَتِ الأرْضُ من فَقْدِهِ، … وَأيّ البَريّةِ لا يُنْكَبُ؟
فمَالىَ بَعْدَكَ حَتّى المَمَا … تِ إلّا الجَوَى الدّاخِلُ المُنْصِبُ
فَبَكّى الرّسُولَ! وحُقّتْ لَهُ … شُهُودُ المَدينَةِ والغُيّبُ!
لتَبْكِيكَ شَمْطَاءُ مَضْرُورَةٌ، … إذا حُجِبَ النّاسُ لا تُحْجَبُ
لَيَبْكِيكَ شَيْخٌ أبُو وِلْدَةٍ … يَطوفُ بِعَقْوَتِهِ أشْهَبُ
وَيَبْكِيكَ رَكْبٌ إذَا أرْمَلُوا، … فلَمْ يُلْفَ مَا طلَبَ الطُّلّبُ
وتَبْكى الأبَاطِحُ مِنْ فَقْدِهِ، … وتَبْكِيهِ مَكّةُ وَالأخْشَبُ
وتَبْكِى وعِيرَةُ مِنْ فَقْدِهِ … بحُزْنٍ وَيُسْعِدُهَا الميثَبُ!
فعَيْنِىَ مَا لَكِ لا تَدْمَعِينَ؟ … وحُقّ لِدَمْعِكِ يُسْتَسْكَبُ!
وقالت صفيّة بنت عبد المطّلب أيضًا:
أعَيْنَيّ جُودا بدَمْعٍ سَجَمْ … يُبادِرُ غَرْبًا بِمَا مُنْهدِمْ
أعَيْنَيّ فاسْحَنْفِرَا واسْكُبَا … بِوَجْدٍ وَحُزْنٍ شَدِيد الألَمْ
عَلى صَفْوَةِ اللهِ رَبِّ العِبَادِ، … وَرَبّ السّمَاء وَبَارِى النّسَمْ
عَلى المُرْتَضَى لِلْهُدَى وَالتّقَى، … وَلِلرّشْدِ وَالنّورِ بَعْدَ الظُّلَمْ
عَلى الطّاهِرِ المُرْسَلِ المُجْتَبَى، … رَسُولٍ تَخَيّرَهُ الكَرَمْ
وقالت صفية بنت عبد المطّلب أيضا:
أَرِقْتَ فَبتُّ لَيْلي كالسَّلِيبِ … لِوَجْدٍ في الجَوَانِحِ ذى دَبِيبِ!
فَشّيبنى، وما شَابَتَ لِدَاتى، … فأمسَى الرأسُ مِنيِّ كالعَسِيبِ
لِفَقْدِ المصْطَفَى بالنّور حَقا، … رَسُولِ اللهِ، مَالَك من ضَرِيبِ
كَريمُ الخِيمِ أروَعَ مَضْرَحِيّ، … طَويلِ الباعِ مُنْتَجبٍ نَدِيبِ!
ثمَالِ المعْدَمِينَ وكل جَارٍ، … وَمَأوَى كل مُضْطَهَدٍ غَرِيبِ
فإما تُمْسِ في جَدَثٍ مُقِيما، … فَقِدْمًا عِشْتَ ذا كَرَمٍ وَطِيبِ!
وَكُنْتَ مُوَفَّقًا في كلِّ أمرٍ … وفيما نَابَ منْ حَدَثِ الخُطُوبِ
ج ٣ ص ٢٨٦وقالت صفية بنت عبد المطّلب (١) :
عَينِ جُودِى بدمعة تَسْكَابِ … للنَّبِيّ المطَهَّر الأوَّابِ؟
واندبى المصطفى فَعُمِّى وخُصِّى … بدُمُوع غَزِيرَةِ الأسرَابِ
عَينِ مَن تَنْدُبينَ بَعدَ نَبِيٍّ … خَصَّه اللهُ رَبنا بالكتابِ
فَاتحٍ خَاتِمٍ رَحِيمٍ رَءُوفٍ. … صَادِقِ القِيلِ طَيِّبِ الأثوابِ
مُشْفِقٍ نَاصِحٍ شَفيقٍ علينا. … رَحْمَةٍ من إلهِنَا الوهَّابِ
رَحْمَةُ اللهِ والسلامُ عَلَيْهِ. … وَجَزَاهُ المليكُ حُسْنَ الثَّوَابِ!
وقالت صفيّة بنت عبد المطّلب أيضًا:
عَينِ جُودى بدَمعَةٍ وَسُهُودِ، … وَانْدُبى خيَرَ هالِكٍ مَفْقُودِ!
وَانْدُبى المُصْطفَى بحُزْنٍ شَدِيدٍ … خَالَطَ القَلْبَ، فَهْوَ كَالمعْمُودِ
كِدْتُ أقْضى الحَيَاةَ لَمَّا أتَاهُ … قَدَرٌ خُطّ في كِتَابٍ مَجِيدِ!
فَلَقَدْ كَانَ بالعِبَادِ رَءُوفًا، … وَلَهُمْ رحْمَةً وَخَيرَ رَشِيدِ
رَضىَ اللهُ عَنْهُ حَيًّا وَمَيْتًا، … وَجَزَاهُ الجِنَانَ يَوْمَ الخُلُودِ!
وقالت صفيّة بنت عبد المطلّب أيضًا:
آبَ لَيْلى عَلَيّ بالتّسْهَادِ، … وَجَفَا الجَنْبَ غَيرُ وَطْءِ الوِسَادِ
وَاعْتَرَتْنِى الهُمُومُ جِدًّا بوَهْنٍ … لأمُورٍ، نَزَلْنَ حَقًّا، شِدَادِ
رَحْمَةً كانَ للبَرِيّةِ طُرًّا، … فَهَدَى مَنْ أطَاعَهُ للسّدَادِ
طَيّبُ العُودِ وَالضّريبَةِ وَالشّـ … ـيَمِ مَحْضُ الأنْسَابِ وَارِى الزّنَادِ
أبْلَجٌ صَادِقُ السّجيّةِ عَفٌّ، … صَادِقُ الوَعْدَ مُنتْهَى الرُّوّادِ!
عَاشَ مَا عَاشَ في البَرِيّةِ بَرًّا، … وَلَقَدْ كانَ نُهْبَةَ المُرْتَادِ
تُمّ وَلّى عَنّا فَقِيدًا حَمِيدًا، … فَجَزَاهُ الجِنَانَ رَبُّ، العِبَادِ!
-
وقالت هِند بنت الحارث بن عبد المطّلب ترثى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
ج ٣ ص ٢٨٧يَا عَيْنِ جُودِى بِدَمعٍ منكِ وَابتَدرِى! … كَمَا تَنَزَّل مَاءُ الغَيْثِ فَانثَعَبَا
أوْ فيضُ غَرْبٍ على عاديّةٍ طُوِيَتْ … في جَدْوَلٍ خَرِقٍ بالماءِ قدْ سَرِبَا
لَقَدْ أتَتْنى مِنَ الأنباءِ مُعْضِلَةٌ … أنّ ابنَ آمِنَةَ المأمُونَ قدْ ذَهَبَا
أنّ المبَارَكَ وَالمَيْمونَ في جَدَثٍ … قد ألْحَفُوهُ تُرَابَ الأرْضِ وَالحدَبا
ألَيْس أوْسَطَكُم بَيْتا وَأكرَمَكُمْ … خَالًا وَعَمًّا كَرِيمًا لَيسَ مُؤْتَشَبَا
قال: وقالت هِند بنت أُثاثة بن عبّاد بن المطّلب بن عبد مناف أخت مِسْطح ابن أُثاتة ترْثى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (١) :
أشَابَ ذُؤَابَتى وَأذَلّ رُكْنى … بُكاؤُكِ، فاطِمَ، الميْتَ الفقيدا
فَأعْطيتَ العَطَاءَ فلَمْ تُكَدِّرْ، … وَأخْدَمْتَ الوَلائِدَ وَالعَبِيدَا
وَكُنْتَ مَلاذَنَا في كلّ لِزبٍ، … إذا هَبّتْ شَآميَةٌ بَرُودَا
وَإنّكَ خيَرُ مَنْ رَكِبَ المطَايَا، … وَأكْرَمُهُمْ إذا نُسبُوا جُدُودا!
رَسُولُ اللهِ فارَقَنَا، وَكُنّا … نُرَجّى أنْ يَكُونَ لَنَا خُلُودَا
أفَاطِمَ! فَاصْبرِى فَلَقَدْ أصَابَتْ … رَزِيئَتُكِ التّهَائِمَ وَالنُّجُودَا
وَأهْلَ البرّ وَالأبْحَارِ طُرًّا، … فَلَمْ تُخْطئْ مُصيبَتُهُ وَحيدَا
وَكَانَ الخيرُ يُصْبحُ في ذُرَاهُ، … سَعِيدُ الجَدّ قَدْ وَلَدَ السُّعُودَا!
وقالت هند بنت أُثاثة أيضًا:
ألا يَا عَينِ بَكّى! لا تَمَلّى، … فقَدْ بَكَرَ النّعيُّ بمَنْ هَوِيتُ
وَقَدْ بَكَرَ النّعيُّ بخيرِ شَخْصٍ، … رَسُولِ اللهِ حَقًّا مَا حَييتُ
وَلَوْ عِشْنَا، وَنَحْن نَرَاكَ فينَا … وَأمرُ اللهِ يَتركُ، مَا بَكَيْت
فَقَدْ بَكَرَ النّعيُّ بذَاكَ عَمْدًا، … فَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَةُ مَنْ نُعيت
وَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُه وَجَلّتْ، … وَكُلَّ الجهْدِ بَعْدَكَ قدْ لَقِيت
إلى رَبّ البرِيّةِ ذَاكَ نَشْكُو، … فإنّ اللهَ يَعْلَم مَا أُتِيت
أفَاطِمَ! إنّه قد هُدّ رُكْنى، … وَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَةُ من رُزِيتُ
ج ٣ ص ٢٨٨وقالت هند بنت أُثاثة أيضًا:
قَدْ كَانَ بعدَكَ أنباءٌ وهَنبَثَةٌ، … لَوْ كُنْتَ شاهدَها لم تَكثرِ الخُطَبُ
إنّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الأرْضِ وَابلَهَا! … فاحتلْ لقَوْمكَ وَاشهدهمْ ولا تغبِ
قَدْ كنتَ بدرًا ونُورًا يُستَضَاءُ بهِ، … عَلَيكَ تُنزَلُ منْ ذى العزّةِ الكتبُ
وَكَانَ جبرِيلُ بالآياتِ يَحْضُرُنا، … فغابَ عَنّا وكلُّ الغَيْبِ مُحْتَجِبُ
فَقَدْ رُزِئْتُ أبًا سَهْلًا خَلِيقَتُهُ، … مَحْضُ الضّرِيبَةِ والأعْراقِ والنّسبِ
وقالت عاتكة بنت زَيْد بن عَمْرو بن نُفيل ترثى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
أمْسَتْ مَرَاكِبُهُ أوْحَشَتْ، … وَقَدْ كانَ يَرْكَبُها زَيْنُهَا
وأمْسَتْ تُبَكّى عَلى سَيّدٍ … تُرَدّدُ عَبْرتَهَا عَيْنُهَا
وَأمْسَتْ نِسَاؤكَ مَا تَسْتَفِيقُ … مِنَ الحُزْنِ يَعْتَادُها دَيْنُها
وَأمْسَتْ شَوَاحِبَ مِثْلَ النّصَا … لِ قَدْ عُطّلَتْ وَكَبَا لَوْنُهَا!
يُعَالِجْنَ حُزْنًا بَعِيدَ الذّهابِ، … وفى الصّدْرِ مُكْتَنِعٌ حَيْنُهَا
يُضَرِّبْنَ بِالكَفّ حُرّ الوُجُوهِ … عَلى مِثْلِهِ جَادَها شُونُهَا
هُو الفَاضِلُ السّيّدُ والمُصْطَفَى … عَلى الحقّ مُجْتَمِعٌ دِينُهَا
فكَيْفَ حَياتىَ بَعْدَ الرّسُولِ، … وقَدْ حَانَ مِنْ مِيتَةٍ حِينُهَا؟
وقالت أُمّ أَيْمن تَرثى النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
عَيْنِ جُودى! فَإنّ بَذْلَكِ لِلدّمْـ … ـعِ شِفَاءٌ، فَأكْثِرى مِ البُكاءِ
حِينَ قالوا: الرّسُولُ أمْسى فَقيدًا … مَيّتًا، كانَ ذاكَ كُلّ البَلاءِ!
وَابْكِيا خَيرَ مَنْ رُزِئْناهُ في الدّنْـ … ـيَا وَمَنْ خَصّهُ بِوَحْى السّمَاءِ
بِدُمُوعٍ غَزِيرَةٍ مِنْكِ حَتّى … يَقْضِىَ اللهُ فِيكِ خَيْرَ القَضَاءِ
فَلَقَدْ كَانَ ما عَلِمتُ وَصُولًا، … ولَقَدْ جَاءَ رَحْمَةً بالضّيَاءِ!
وَلَقدْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ نُورًا … وَسِرَاجًا يُضِئُ في الظَّلْمَاءِ
طَيّبَ العُودِ وَالضّرِيبةِ وَالمَعْـ … ـدنِ وَالخِيمِ خَاتَمَ الأنبياءِ
آخِر خبر النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-