فصل فيما حفظ عنه صلى الله عليه وسلم من سهوه في الصلاة
١٥ فقرة، ج ٢ ص ٣٣٣
- ج ٢ ص ٣٣٣
سبحان الله! فلم يجلس، ومضى على قيامه. فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين وهو جالسٌ. فلما سلَّم قال: «إنِّي سمعتُكم آنفًا تقولون: سبحان الله، لكيما أجلس، لكن السنَّة: الذي صنعتُ» .
-
وحديث عبد الله ابن بُحَينة أولى لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه أصحُّ من حديث المغيرة.
-
الثاني: أنه أصرح منه، فإن قول المغيرة: «هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» يجوز أن يرجع إلى جميع ما فعل المغيرة، ويكون قد سجد - صلى الله عليه وسلم - في هذا السهو مرَّةً قبل السلام، ومرَّةً بعدُ (١) . فحكى ابن بُحَينة ما شاهده، وحكى المغيرة ما شاهده، ويكون كلا الأمرين جائزًا. ويجوز أن يريد به المغيرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قام ولم يرجع، ثم سجد للسهو.
-
الثالث: أنَّ المغيرة لعله نسي السجود قبل السلام، فسجده (٢) بعده. وهذه سنَّة (٣) السهو، وهذا لا يمكن أن يقال في السجود قبل السلام. والله أعلم.
-
فصل (٤)
-
وسلَّم من ركعتين في إحدى صلاتي العشيِّ، إما الظهر وإما العصر، ثم تكلَّم، ثم أتمَّها، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين بعد السلام والكلام، يكبِّر حين
ج ٢ ص ٣٣٤يسجد، ثم يكبِّر حين يرفع، ثم سلَّم (١) .
-
وذكر أبو داود والترمذي (٢) أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بهم، فسجد سجدتين، ثم تشهَّد، ثم سلَّم. قال الترمذي: حسنٌ غريبٌ.
- ج ٢ ص ٣٣٥
وصلَّى يومًا، فسلَّم وانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعةٌ. فأدركه طلحة بن عبيد الله، فقال: نسيتَ من الصلاة ركعةً. فرجع، فدخل المسجد، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلَّى للناس ركعةً. ذكره الإمام أحمد (١) .
-
وصلَّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك؟» ، قالوا: صلَّيتَ خمسًا. فسجد سجدتين بعدما سلَّم. متفقٌ عليه (٢) .
-
وصلَّى العصر ثلاثًا، ثم دخل منزله. فذكَّره الناس، فخرج، فصلَّى بهم ركعةً، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم (٣) .
-
فهذا مجموع ما حُفِظ عنه - صلى الله عليه وسلم - من سهوه في الصلاة، وهو خمسة مواضع. وقد تضمَّن سجوده في بعضه قبل السلام، وفي بعضه بعده. فقال الشافعي: كلُّه قبل السلام. وقال أبو حنيفة: كلُّه بعده.
وقال مالك: كلُّ سهو كان نقصانًا في الصلاة فإنَّ سجوده قبل السلام، وكلُّ سهو كان زيادةً في الصلاة فإنَّ سجوده بعد السلام، وإذا اجتمع سهوان زيادةٌ ونقصانٌ فالسجود لهما قبل السلام. قال أبو عمر بن عبد البر (٤) : هذا
ج ٢ ص ٣٣٦مذهبه لا خلاف عنه فيه، ولو سجد عنده أحدٌ لسهوه بخلاف ذلك، فجعل السجود كلَّه بعد السلام، أو كلَّه قبل السلام= لم يكن عليه شيءٌ, لأنه عنده من باب قضاء القاضي باجتهاده، لاختلاف الآثار المرفوعة والسلف من هذه الأمة في ذلك.
-
وأما الإمام أحمد, فقال الأثرم (١) : سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن سجود السهو، أقبل السلام أم بعده؟ فقال: في مواضع قبل السلام، وفي مواضع بعده، كما صنع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: من (٢) سلَّم من اثنتين سجد بعد السلام على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين. ومن سلَّم في (٣) ثلاثٍ سجد أيضًا بعد السلام على حديث عمران بن حصين. وفي التحرِّي يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود. وفي القيام من اثنتين يسجد قبل السلام على حديث ابن بُحَينة. وفي الشكِّ يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبد الرحمن بن عوف. قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: فما كان سوى هذه المواضع؟ قال يسجد فيها كلِّها قبل السلام لأنه يُتِمُّ ما نقَص من صلاته. قال: ولولا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لرأيتُ السجود كلَّه قبل السلام لأنه من شأن الصلاة، فيقضيه قبل السلام؛ ولكن أقول: كلُّ ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد فيه بعد السلام، فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائرُ السهو يسجد فيه قبل السلام.
ج ٢ ص ٣٣٧وقال داود: لا يسجد أحدٌ للسهو إلا في الخمسة المواضع (١) التي سجد فيها النبي (٢) - صلى الله عليه وسلم -. انتهى (٣) .
-
وأما الشكُّ فلم يعرض له، وإنما أمر فيه بالبناء على اليقين، وإسقاط الشكِّ، والسجود قبل السلام. فقال الإمام أحمد: الشكُّ على وجهين: اليقين، والتحرِّي. فمن رجع إلى اليقين ألغى الشكَّ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري. وإذا رجع إلى التحرِّي وهو أكثر الوهم سجد سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور. انتهى (٤) .
-
أما حديث أبي سعيد فهو: «إذا شكَّ أحدُكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلَّى: أثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشكَّ وليَبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم» . وأما حديث ابن مسعود فهو: «إذا شكَّ أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، ثم ليسجد سجدتين» . متفقٌ عليهما (٥) . وفي لفظ في
ج ٢ ص ٣٣٨«الصحيحين» (١) : «ثمَّ لْيُسَلِّمْ، ثم يسجد سجدتين» . وهذا هو الذي قال الإمام أحمد: وإذا رجع إلى التحرِّي سجد بعد السلام.
-
والفرق عنده بين اليقين والتحرِّي: أنَّ المصلِّي إذا كان إمامًا بنى على غالب ظنِّه وأكثر (٢) وهمه، وهذا هو التحرِّي، فيسجد له بعد السلام على حديث ابن مسعود. وإن كان منفردًا بنى على اليقين، وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد. هذه طريقة أكثر أصحابه (٣) في تحصيل ظاهر مذهبه. وعنه روايتان أخريان: إحداهما (٤) : أنه يبني على اليقين مطلقًا، وهي مذهب الشافعي ومالك. والأخرى: على غالب ظنِّه مطلقًا. وظاهر نصوصه إنما يدل (٥) على الفرق بين الشك وبين الظنِّ الغالب القوي، فمع الشكِّ يبني على اليقين, ومع أكثر الوهم أو الظنِّ الغالب يتحرَّى. وعلى هذا مدار أجوبته، وعلى الحالين حمَل الحديثين (٦) . والله أعلم.
وقال أبو حنيفة في الشكِّ: إذا كان أول ما عرض له استأنف الصلاة. وإن عرض له كثيرًا، فإن كان له ظنٌّ غالبٌ بنى عليه، وإن لم يكن له ظنٌّ بنى على اليقين (٧) .