فصل في ذكر الخلاف في تفسير الأقراء هل هي الحيض أو الأطهار، مع أدلة الفريقين ومناقشتها

١٣٦ فقرة، ج ٧ ص ٢١٧

الصفحة ١ من ٤

  1. الثَّالث: أنَّه لو لم تأتِ السُّنَّة الصَّريحة باعتبار الحمل، ولم تكن آية الطَّلاق متأخِّرةً، لكان تقديمها هو الواجب, لِما قرَّرناه أوَّلًا من جهات العموم الثَّلاثة فيها، وإطلاق قوله: {يَتَرَبَّصْنَ} ، وقد كانت الحوالة على هذا الفهم ممكنةً، ولكن لغموضه ودقَّته على كثيرٍ من النَّاس، أحيل في ذلك الحكم على بيان السُّنَّة، وباللَّه التَّوفيق.

    ج ٧ ص ٢١٧
  2. فصل

    ودلَّ قوله سبحانه: {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} على أنَّها إذا كانت حاملًا بتَوْأمينِ لم تنقضِ العدَّة حتَّى تضعهما جميعًا، ودلَّت على أنَّ من عليها الاستبراء، فعدَّتها وضع الحمل أيضًا، ودلَّت على أنَّ العدَّة تنقضي بوضعه على أيِّ صفةٍ كان حيًّا أو ميِّتًا، تامَّ الخِلقة أو ناقصَها، نُفِخ فيه الرُّوح أو لم يُنفَخ.

  3. ودلَّ قوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} على الاكتفاء بذلك وإن لم تحض, وهذا قول الجمهور. وقال مالك: إذا كان عادتها أن تحيض في كلِّ سنةٍ مرَّةً، فتوفِّي عنها زوجها، لم تنقض عدَّتها حتَّى تحيض حيضتَها، فتبرأ من عدَّتها. فإن لم تحض انتظرتْ تمامَ تسعة أشهرٍ من يوم وفاة زوجها. وعنه روايةٌ ثانيةٌ كقول الجمهور، أنَّه تعتدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولا تنتظر حيضها.

  4. فصل

    ومن ذلك اختلافهم في الأقراء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ فقال أكابر

    ج ٧ ص ٢١٨الصَّحابة: إنَّها الحيض. هذا قول أبي بكر (١) ، وعمر (٢) ، وعثمان (٣) ، وعلي (٤) ، وابن مسعودٍ (٥) ، وأبي موسى (٦) ، وعبادة بن الصَّامت (٧) ، وأبي الدَّرداء (٨) ، وابن عبَّاسٍ (٩) ، ومعاذ بن جبلٍ (١٠) .

  5. وهو قول أصحاب

    ج ٧ ص ٢١٩عبد الله بن مسعودٍ كلِّهم: كعلقمة (١) ، والأسود (٢) ، وإبراهيم (٣) ، وشريح (٤) ، وقول الشَّعبيِّ (٥) ، والحسن (٦) ، وقتادة (٧) ، وقول أصحاب ابن عبَّاسٍ: سعيد بن جبيرٍ (٨) ، وطاوسٍ (٩) ، وهو قول سعيد بن المسيِّب (١٠) ، وهو قول أئمَّة الحديث: كإسحاق بن راهويه (١١) ، وأبي عبيد القاسم، والإمام أحمد، فإنَّه رجع إلى القول به، واستقرَّ مذهبه عليه، فليس له مذهبٌ سواه، وكان يقول: إنَّها الأطهار، فقال في رواية الأثرم (١٢) : رأيت الأحاديث عمَّن قال: القروء الحيض تختلف، والأحاديث عمَّن قال: إنَّه أحقُّ بها حتَّى تدخل في الحيضة الثَّالثة أحاديث صحاحٌ قويَّةٌ.

  6. وهذا النَّصُّ وحده هو الذي ظَفِرَ به أبو عمر بن عبد البرِّ، فقال (١) : رجع أحمد إلى أنَّ الأقراء الأطهار. وليس كما قال، بل كان يقول هذا أوَّلًا، ثمَّ توقَّف فيه، فقال في رواية الأثرم (٢) أيضًا: قد كنت أقول الأطهار، ثمَّ وقفتُ لقول (٣) الأكابر. ثمَّ جزم أنَّها الحيض، وصرَّح بالرُّجوع عن الأطهار، فقال في رواية ابن هانئ (٤) : كنت أقول: إنه الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنَّ الأقراء الحيض. قال القاضي أبو يعلى (٥) : وهذا هو الصَّحيح عن أحمد، وإليه ذهب أصحابنا، ورجع عن قوله بالأطهار. ثمَّ ذكر نصَّ رجوعه من رواية ابن هانئ كما تقدَّم.

    ج ٧ ص ٢٢٠
  7. وهو قول أئمَّة أهل الرَّأي كأبي حنيفة وأصحابه.

    وقالت طائفةٌ: الأقراء: الأطهار، وهذا قول عائشة أمِّ المؤمنين (٦) ، وزيد بن ثابتٍ (٧) ، وعبد الله بن عمر (٨) . ويُروى عن الفقهاء

    ج ٧ ص ٢٢١السَّبعة (١) ، وأبان بن عثمان (٢) ، والزُّهريِّ (٣) ، وعامَّة فقهاء المدينة، وبه قال مالك، والشَّافعيُّ، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه.

  8. وعلى هذا القول، فمتى طلَّقها في أثناء طهرٍ فهل يُحتَسب ببقيَّته (٤) قرءًا؟ على ثلاثة أقوالٍ:

    أحدها: يُحتَسب به، وهو المشهور.

  9. والثَّاني: لا يُحتسب به، وهو قول الزُّهريِّ (٥) . كما لا يُحتسب ببقيَّة الحيضة عند من يقول: القرء الحيض، اتِّفاقًا.

  10. والثَّالث: إن كان قد جامعها في ذلك الطُّهر، لم يُحتسب ببقيَّته (٦) ، وإلَّا

    ج ٧ ص ٢٢٢احتُسِب (١) ، وهذا قول أبي عبيد. فإذا طعنت في الحيضة الثَّالثة أو الرَّابعة على قول الزُّهريِّ انقضت عدَّتها، وعلى قول الأوَّل لا تنقضي العدَّة حتَّى تنقضي الحيضة الثَّالثة.

  11. وهل يقف انقضاؤها (٢) على اغتسالها منها؟ على ثلاثة أقوالٍ:

    أحدها: لا تنقضي حتَّى تغتسل، وهذا هو المشهور عن أكابر الصَّحابة، قال الإمام أحمد (٣) : عمر (٤) وعلي (٥) وابن مسعودٍ (٦) يقولون: له رَجْعُها (٧) قبل أن تغتسل من الحيضة الثَّالثة. انتهى.

  12. وروي ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعثمان بن عفَّان، وأبي موسى، وعُبادة (٨) ، وأبي الدَّرداء، ومعاذ بن جبلٍ (٩) ، كما في «مصنَّف وكيعٍ» (١٠)

  13. عن عيسى الخيَّاط (١) ، عن الشَّعبيِّ، عن ثلاثة عشر من أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الخيْرِّ فالخيرِّ، منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عبَّاسٍ: أنَّه أحقُّ بها ما لم تغتسل من الحيضة الثَّالثة.

    ج ٧ ص ٢٢٣
  14. وفي «مصنَّفه» (٢) أيضًا عن محمَّد بن راشدٍ، عن مكحول، عن معاذ بن جبلٍ وأبي الدَّرداء مثله.

  15. وفي «مصنَّف عبد الرزاق» (٣) : عن معمر، عن زيد بن رُفَيع، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ، قال: أرسل عثمان إلى أبيِّ بن كعبٍ في ذلك، فقال أبيُّ بن كعبٍ: أرى أنَّه أحقُّ بها حتَّى تغتسل من حيضتها الثَّالثة، وتحلُّ لها الصَّلاة، قال: فما أعلَمُ عثمان إلا أخذ بذلك.

  16. وفي «مصنَّفه» (٤) أيضًا: عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، أنَّ عبادة بن الصَّامت قال: لا تَبِينُ حتَّى تغتسل من الحيضة الثَّالثة، وتحلُّ لها الصَّلاة.

  17. فهؤلاء بضعة عشر من الصَّحابة، وهو قول سعيد بن المسيِّب وسفيان الثَّوريِّ وإسحاق بن راهويه. قال شريك: له الرَّجعة وإن فرَّطتْ في الغسل عشرين سنةً. وهذا إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد.

    ج ٧ ص ٢٢٤
  18. والثَّاني: أنَّ العدة تنقضي بمجرَّد طهرها من الحيضة الثَّالثة، ولا تقف على الغسل. وهذا قول سعيد بن جبيرٍ، والأوزاعيِّ، والشَّافعيِّ في قوله القديم حيث كان يقول: الأقراء: الحيض. وهو إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب (١) .

  19. والثَّالث: أنَّها في عدَّتها بعد انقطاع الدَّم، ولزوجها رجعتها حتَّى يمضي (٢) عليها وقت الصَّلاة الَّتي طهرت في وقتها. وهذا قول الثَّوريِّ، والرِّواية الثَّالثة عن أحمد، حكاها أبو بكر عنه. وهو قول أبي حنيفة، لكن إذا انقطع الدَّم لأقلِّ الحيض، وإن انقطع لأكثره انقضت العدَّة عنه (٣) بمجرَّد انقطاعه.

  20. وأمَّا من قال: إنَّها الأطهار، اختلفوا في موضعين:

    أحدهما: هل يُشترط كون الطُّهر مسبوقًا بدمٍ قبله، أو لا يشترط ذلك؟ على قولين لهم، وهما وجهان في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد:

    أحدهما: يُحتسب؛ لأنَّه طهرٌ بعده حيضٌ، فكان قرءًا، كما لو كان قبله

    ج ٧ ص ٢٢٥حيضٌ.

  21. والثَّاني: لا يُحتسب، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ في الجديد؛ لأنَّها لا تسمَّى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدَّم.

  22. الموضع الثَّاني: هل تنقضي العدَّة بالطَّعن في الحيضة الثَّالثة [أو لا تنقضي] (١) حتَّى تحيض يومًا وليلةً؟ على وجهين لأصحاب أحمد، وهما قولان منصوصان للشَّافعيِّ، ولأصحابه وجهٌ ثالثٌ: إن حاضت للعادة (٢) ، انقضت العدَّة بالطَّعن في الحيضة. وإن حاضت لغير العادة ــ بأن كانت عادتها ترى الدَّم في عاشر الشَّهر، فرأته في أوَّله ــ لم تنقضِ حتَّى يمضي عليها يومٌ وليلةٌ. ثمَّ اختلفوا: هل يكون هذا الدَّم محسوبًا من العدَّة؟ على وجهين، تظهر فائدتهما في رجعتها في وقته.

  23. فهذا تقرير مذاهب النَّاس في الأقراء.

    قال من نصَّ (٣) أنَّها الحيض: الدَّليل عليه وجوهٌ:

    أحدها: أنَّ قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] إمَّا أن يراد به الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعهما. والثَّالث محالٌ إجماعًا، حتَّى عند من يحمل اللَّفظ المشترك على معنييه. وإذا تعيَّن حمله على أحدهما فالحيض أولى به لوجوهٍ، أحدها: أنَّها لو كانت الأطهار

    ج ٧ ص ٢٢٦فالمعتدَّة بها يكفيها قَرْآنِ ولحظةٌ من الثَّالث، وإطلاق الثَّلاثة على هذا مجازٌ، لنصبِه (١) الثَّلاثةَ في العدد المخصوص.

  24. فإن قلتم: بعض الطُّهر المطلَّق فيه عندنا قرءٌ كاملٌ.

  25. قيل: جوابه من ثلاثة أوجهٍ:
  26. أحدها: أنَّ هذا مختلفٌ فيه كما تقدَّم، فلم تُجمِع الأمَّة على أنَّ بعض القرء قرءٌ قطُّ، فدعوى هذا تفتقر إلى دليلٍ.

  27. الثَّاني: أنَّ هذه دعوى مذهبيَّةٌ، أوجب حملَ الآية عليها إلزامُ كون الأقراء الأطهار، والدَّعاوى المذهبيَّة لا يُفسَّر بها القرآن وتُحمل عليها اللُّغة، ولا يُعقل في اللُّغة قطُّ أنَّ اللَّحظة من الطُّهر تُسمَّى (٢) قرءًا كاملًا، ولا اجتمعت الأمَّة على ذلك. فدعواه لا تثبت نقلًا ولا إجماعًا، وإنَّما هو مجرَّد الحمل، ولا ريبَ أنَّ الحمل [شيءٌ] (٣) ، والوضع من آخر، وإنَّما يفيد ثبوت الوضع لغةً أو شرعًا أو عرفًا.

  28. الثَّالث: أنَّ القَرء إمَّا أن يكون اسمًا لمجموع الطُّهر كما يكون اسمًا لمجموع الحيضة، أو لبعضه (٤) ، أو مشتركًا بين الأمرين اشتراكًا لفظيًّا أو اشتراكًا معنويًّا. والأقسام الثَّلاثة باطلةٌ، فتعيَّن الأوَّل.

  29. أمَّا بطلان وضعه لبعض الطُّهر، فلأنَّه يلزم أن يكون الطُّهر الواحد عدَّة أقراءٍ، ويكون استعمال لفظ القَرء فيه مجازًا.

    ج ٧ ص ٢٢٧
  30. وأمَّا بطلان الاشتراك المعنويِّ فمن وجهين:

    أحدهما: أنَّه يلزم أن يصدق على الطُّهر الواحد أنَّه عدَّة أقراءٍ حقيقةً.

  31. والثَّاني: أنَّ نظيره ــ وهو الحيض ــ لا يُسمَّى جزؤه قَرءًا اتِّفاقًا، ووضعُ القرء لهما لغةً لا يختلف، وهذا لا خفاء به.

  32. فإن قيل: نختار من هذه الأقسام أن يكون مشتركًا بين كلِّه وجزئه اشتراكًا لفظيًّا، ويُحمَل المشترك على معنييه، فإنَّه أحفظ، وبه تحصل البراءة بيقينٍ.

  33. قيل: الجواب من وجهين:

    أحدهما: أنَّه لا يصحُّ اشتراكه كما تقدَّم.

  34. الثَّاني: أنَّه لو صحَّ اشتراكه لم يجُزْ حملُه على مجموع معنييه. أمَّا على قول من لا يُجوِّز حملَ المشترك على معنييه، فظاهرٌ. وأمَّا من يُجوِّز حملَه عليهما، فإنَّما (١) يُجوِّزونه إذا دلَّ الدَّليل على إرادتهما معًا، فإذا لم يدلَّ الدَّليل وَقفوه حتَّى يقوم الدَّليل على إرادة أحدهما أو إرادتهما. وحكى المتأخِّرون (٢) عن الشَّافعيِّ والقاضي أبي بكر: أنَّه إذا تجرَّد عن القرائن وجب حملُه على معنييه كالاسم العامِّ؛ لأنَّه أحوط، إذ ليس أحدهما أولى به

    ج ٧ ص ٢٢٨من الآخر، ولا سبيل إلى معنًى ثالثٍ، وتعطيلُه غير ممكنٍ، ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة. فإذا جاء وقت العمل، ولم يتبيَّن أنَّ أحدهما هو المقصود بعينه، عُلِم أنَّ الحقيقة غير مرادةٍ، إذ لو أُريدتْ لثَبتتْ (١) ، فتعيَّن المجاز، وهو مجموع المعنيين. ومن يقول: إنَّ الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لمَّا لم يتبيَّن أنَّ المراد أحدهما عُلِم أنَّه أراد كليهما.

    قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٢) : وفي هذه الحكاية عن الشَّافعيِّ والقاضي نظرٌ. أمَّا القاضي فمن أصله الوقف في صيغ العموم، وأنَّه لا يجوز حملُها على الاستغراق إلا بدليلٍ، فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق من غير دليلٍ؟ وإنَّما الذي ذكره في كتبه إحالة الاشتراك رأسًا، وما يُدَّعى فيه الاشتراك فهو عنده من قبيل المتواطئ. وأمَّا الشَّافعيُّ فمنصبه في العلم أجلُّ من أن يقول مثل هذا، وإنَّما استُنبط هذا من قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل. وهذا قد يكون قاله لاعتباره (٣) أنَّ المولى من الأسماء المتواطئة، وأنَّ موضوعه (٤) القدر المشترك بينهما، فإنَّه من الأسماء المتضايفة، كقوله: «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» (٥) ،

    ج ٧ ص ٢٢٩ولا يلزم من هذا أن تُحكى عنه قاعدةٌ عامَّةٌ من (١) الأسماء الَّتي ليس من معانيها قدرٌ مشتركٌ (٢)

  35. أن تُحمل عند الإطلاق على جميع معانيها.

  36. ثمَّ الذي يدلُّ على فساد هذا القول وجوهٌ:

    أحدها: أنَّ استعمال اللَّفظ في معنييه إنَّما هو مجازٌ، إذ وضعه لكلِّ واحدٍ منهما على سبيل الانفراد هو الحقيقة، واللَّفظ المطلق لا يجوز حمله على المجاز، بل يجب حمله على حقيقته.

  37. الثَّاني: أنَّه لو قُدِّر أنَّه موضوعٌ لهما منفردين، ولكلٍّ منهما مجتمعينِ، فإنَّه يكون له حينئذٍ ثلاثة مفاهيم، فالحمل على أحد مفاهيمه دون غيره بغير موجبٍ ممتنعٌ.

  38. الثَّالث: أنَّه حينئذٍ يستحيل حمله على جميع معانيه، إذ حملُه على هذا وحده، وعلى هذا وحده، وعليهما معًا= مستلزمٌ للجمع بين النَّقيضين، فيستحيل حمله على جميع معانيه، وحمله عليهما معًا حملٌ له (٣) على

    ج ٧ ص ٢٣٠بعض مفهوماته، فحمله على جميعها يُبطِل حملَه على جميعها.

  39. الرَّابع: أنَّ هاهنا أمور (١) . أحدها: هذه الحقيقة وحدها، والثَّاني: الحقيقة (٢) الأخرى وحدها، والثَّالث: مجموعهما، والرَّابع: مجازُ هذه وحدها، والخامس: مجازُ الأخرى وحده (٣) ، والسَّادس: مجازهما معًا، والسَّابع: الحقيقة وحدها مع مجازها، والثَّامن: الحقيقة مع مجاز الأخرى، والتَّاسع: الحقيقة الواحدة مع مجازهما، والعاشر: الحقيقة الأخرى مع مجازها، الحادي عشر: مع مجاز الأخرى، الثَّاني عشر: مع مجازهما، فهذه اثنا عشر محملًا على سبيل الحقيقة، وبعضها على سبيل المجاز، فتعيينُ معنًى واحدٍ مجازيٍّ دون سائر المجازات والحقائق ترجيحٌ من غير مرجِّحٍ، وهو ممتنعٌ.

  40. الخامس: أنَّه لو وجب حمله على المعنيين جميعًا لصار من صيغ العموم؛ لأنَّ حكم الاسم العامِّ وجوب حمله على جميع مفرداته عند التَّجرُّد من التَّخصيص، ولو كان كذلك لجاز استثناء أحد المعنيين منه، ولسبق إلى الذِّهن منه عند الإطلاق العمومُ، ولكان المستعمل له في أحد معنييه بمنزلة المستعمل للاسم العامِّ في بعض معانيه، فيكون متجوِّزًا في خطابه غير متكلِّمٍ بالحقيقة، وأن يكون من استعمله في معنييه غير محتاجٍ إلى دليلٍ، وإنَّما يحتاج إليه من نفى (٤) المعنى الآخر، ولوجب أن يفهم منه الشُّمول قبل

    ج ٧ ص ٢٣١البحث عن التَّخصيص عند من يقول بذلك في صيغ العموم، ولا ينفي الإجمال عنه، إذ يصير بمنزلة سائر الألفاظ العامَّة، وهذا باطلٌ قطعًا، وأحكام الأسماء مشتركة (١) لا تفارق أحكام الأسماء العامَّة، وهذا ممَّا يُعلَم بالاضطرار من اللُّغة، ولكانت الأمَّة قد أجمعت في هذه الآية على حملها على خلاف ظاهرها ومطلقها، إذ لم يَصِرْ أحدٌ منهم إلى حمل القرء على الطُّهر والحيض معًا.