فصل في ترجيح المؤلف أن الأقراء الحيض

٤٤ فقرة، ج ٧ ص ٢٦٠

الصفحة ١ من ٢

  1. منها البراءة بواسطة الحيض، بخلاف الاستبراء.

    ج ٧ ص ٢٦٠
  2. قولكم: لو كانت الأقراء الأطهار لم يحصل بالقرء الأوَّل دلالةٌ؛ لأنَّه لو جامعها ثمَّ طلَّقها فيه حسبت بقيَّته قرءًا، ومعلومٌ قطعًا أنَّ هذا الطُّهر لا يدلُّ على شيءٍ.

  3. فجوابه أنَّها إذا طهرت بعد طهرين كاملين، صحَّت دلالته بانضمامه إليهما.

    قولكم: إنَّ الحدود والعلامات والأدلَّة إنَّما تحصل بالأمور الظَّاهرة ... إلى آخره.

  4. جوابه: أنَّ الطُّهر إذا احتوَشَه دمانِ كان كذلك، وإذا لم يكن قبله دمٌ ولا بعده دمٌ، فهذا لا يُعتدُّ به البتَّة.

    قالوا: ويزيد ما ذهبنا إليه قوَّةً أنَّ القرء هو الجمع، وزمان الطُّهر أولى به، فإنَّه حينئذٍ يجتمع الحيض، وإنَّما يخرج بعد جمعه.

    قالوا: وإدخال الهاء (١) في (ثلاثة قروءٍ) يدلُّ على أنَّ القرء مذكَّرٌ، وهو الطُّهر، ولو كان للحيض لكان بغير تاءٍ (٢) ؛ لأنَّ واحدها حيضةٌ.

  5. فهذا ما احتجَّ به أرباب هذا القول استدلالًا وجوابًا، وهذا موضعٌ لا يمكن فيه التَّوسُّط بين الفريقين، إذ لا توسُّطَ بين القولين، فلا بدَّ من التَّحيُّز إلى إحدى الفئتين، ونحن متحيِّزون في هذه المسألة إلى أكابر الصِّحابة، وقائلون فيها بقولهم: إنَّ القرء الحيض، وقد تقدَّم الاستدلال على صحَّة هذا

    ج ٧ ص ٢٦١القول، فنجيب عمَّا عارض به أرباب القول الآخر، ليتبيَّن ما رجَّحناه، وباللَّه التَّوفيق.

  6. فنقول: أمَّا استدلالكم بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] ، فهو إلى أن يكون حجَّةً عليكم أقربُ منه (١) إلى أن يكون حجَّةً لكم، فإنَّ المراد طلاقها قبل العدَّة ضرورةً، إذ لا يمكن حملُ الآية على الطَّلاق في العدَّة، فإنَّ هذا ــ مع تضمُّنه لكون اللَّام للظَّرفيَّة بمعنى «في» ــ فاسدٌ معنًى، إذ لا يمكن إيقاع الطَّلاق في العدَّة، فإنَّه سببها، والسَّبب يتقدَّم الحكم، وإذا تقرَّر ذلك فمن قال: الأقراء الحيض، فقد عمل بالآية، وطلَّق قبل العدَّة.

  7. فإن قلتم: ومن قال إنَّها الأطهار فالعدَّة تتعقَّب الطَّلاق، فقد طلَّق قبل العدَّة.

  8. قلنا: فبطل احتجاجكم حينئذٍ، وصحَّ أنَّ المراد الطَّلاق قبل العدَّة لا فيها، وكلا الأمرين يصحُّ أن يراد بالآية، لكنَّ إرادة الحيض أرجح، وبيانه أنَّ العِدَّة فِعْلةٌ ممَّا يُعدُّ يعني معدودةً؛ لأنَّها تُعدُّ وتُحصى، كقوله: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: ١] ، والطُّهر الذي قبل الحيضة ممَّا يُعدُّ ويُحصى، فهو من العدَّة، وليس الكلام فيه، وإنَّما الكلام في أمرٍ آخر، وهو دخوله في مسمَّى القروء الثَّلاثة المذكورة في الآية أم لا؟ فلو كان النَّصُّ: فطلِّقوهنَّ لقروئهنَّ، لكان فيه تعلُّقٌ، فهنا أمران، قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} ، والثَّاني: قوله: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ، ولا ريبَ أنَّ القائل: افعلْ كذا لثلاثٍ بقين من الشَّهر، إنَّما يكون المأمور ممتثلًا إذا فعله قبل مجيء الثَّلاث، وكذلك إذا

    ج ٧ ص ٢٦٢قال: فعلتُه لثلاثٍ مضين من الشَّهر، إنَّما يصدق إذا فعله بعد مضيِّ الثَّلاث، وهو بخلاف حرف الظَّرف الذي هو «في» ، فإنَّه إذا قال: فعلتُه في ثلاثٍ بقين، كان الفعل واقعًا في نفس الثَّلاث.

  9. وهاهنا نكتةٌ حسنةٌ، وهي أنَّهم يقولون: فعلتُه لثلاث ليالٍ خلون أو بقين من الشَّهر، وفعلتُه في الثَّاني أو الثَّالث من الشَّهر، أو في ثانيه أو ثالثه، فمتى أرادوا مضيَّ الزَّمان أو استقبالَه أَ تَوا باللَّام، ومتى أرادوا وقوع الفعل فيه نفسه (١) أَ تَوا بـ «في» . وسرُّ ذلك أنَّهم إذا أرادوا مضيَّ زمن الفعل أو استقباله أتوا باللام الدَّالَّة على اختصاص العدد الذي يلفظون به بما مضى أو بما يستقبل، وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزَّمان أتوا بالأداة المعيَّنة له، وهي أداة «في» . وهذا خيرٌ من قول كثيرٍ من النُّحاة: إنَّ اللَّام تكون بمعنى «قبل» في قولهم: كتبته لثلاثٍ بقين، وطلِّقوهنَّ لعدَّتهنَّ. وبمعنى «بعد» ، كقولهم: لثلاثٍ خلون. وبمعنى «في» ، كقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: ٤٧] ، وقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: ٢٥] .

  10. والتَّحقيق: أنَّ اللَّام على بابها للاختصاص بالوقت المذكور، كأنَّهم جعلوا الفعل للزَّمان المذكور اتِّساعًا لاختصاصه به، فكأنَّه له، فتأمَّلْه.

  11. وفرقٌ آخر: وهو أنَّك إذا أتيت باللَّام لم يكن الزِّمان المذكور بعده إلا ماضيًا أو منتظرًا، ومتى أتيت بـ «في» لم يكن الزَّمان المجرور بها إلا مقارنًا للفعل. وإذا تقرَّر هذا من قواعد العربيَّة، فقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}

  12. معناه: لاستقبال عدَّتهنَّ، لا فيها، وإذا كانت العدَّة الَّتي يطلَّق لها النِّساء مستقبلةً بعد الطَّلاق، فالمستقبل بعدها إنَّما هو الحيض، فإنَّ الطَّاهر لا تستقبل الطُّهر إذ هي فيه، وإنَّما تستقبل الحيض بعد حالها الَّتي هي فيها. هذا المعروف لغةً وعقلًا وعرفًا، فإنَّه لا يقال لمن هو في عافيةٍ: هو مستقبِلٌ العافيةَ، ولا لمن هو في أمنٍ: هو مستقبِلٌ الأمنَ، ولا لمن هو في قبضِ مُغَلِّه وإحرازِه: هو مستقبِلٌ المغلَّ، وإنَّما المعهود لغةً وعرفًا أن يَستقبل الشَّيءَ من هو على حالٍ ضدَّه، وهذا أظهر من أن نُكثِر شواهده.

    ج ٧ ص ٢٦٣
  13. فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون من طلَّق في الحيض مطلِّقًا للعدَّة عند من يقول: الأقراء الأطهار؛ لأنَّها تستقبل طهرها بعد حالها الَّتي هي فيها.

  14. قلنا: نعم يلزمهم ذلك، فإنَّه لو كان أوَّل العدَّة الَّتي يُطلِّق لها المرأةَ هو الطُّهر لكان إذا طلَّقها في أثناء الحيض مطلِّقًا للعدَّة؛ لأنَّها تستقبل الطُّهر بعد ذلك الطَّلاق.

  15. فإن قيل: اللَّام بمعنى «في» ، والمعنى: فطلِّقوهنَّ في عدَّتهنَّ، وهذا إنَّما يمكن إذا طلَّقها في الطُّهر، بخلاف ما إذا طلَّقها في الحيض.

  16. قيل: الجواب من وجهين:
  17. أحدهما: أنَّ الأصل عدم الاشتراك في الحروف، والأصل إفراد كلِّ حرفٍ بمعناه، فدعوى خلاف ذلك مردودةٌ بالأصل.

  18. الثَّاني: أنَّه يلزم منه أن يكون بعض العدَّة ظرفًا لزمن الطَّلاق، فيكون الطَّلاق واقعًا في نفس العدَّة ضرورةَ صحَّة الظَّرفيَّة، كما إذا قلتَ: فعلتُه في يوم الخميس، بل الغالب في الاستعمال من هذا أن يكون بعض الظَّرف سابقًا

    ج ٧ ص ٢٦٤على الفعل، ولا ريبَ في امتناع هذا، فإنَّ العدَّة تتعقَّب الطَّلاق، ولا تُقارِنه ولا تتقدَّم عليه.

    قالوا: ولو سلَّمنا أنَّ اللَّام بمعنى «في» ، وساعد على ذلك قراءة (١) ابن عمر وغيره: (فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عدَّتهنَّ) ، فإنَّه لا يلزم من ذلك أن يكون القرء هو الطُّهر، فإنَّ القرء حينئذٍ يكون هو الحيض، وهو المعدود المحسوب، وما قبله من الطُّهر يدخل في حكمه تبعًا وضمنًا لوجهين:

    أحدهما: أنَّ من ضرورة الحيض أن يتقدَّمه (٢) طهرٌ، فإذا قيل: تربَّصي (٣) ثلاث حيضٍ، وهي في أثناء الطُّهر كان ذلك الطُّهر من مدَّة التَّربُّص، كما لو قيل لرجلٍ: أقِمْ هاهنا ثلاثة أيَّامٍ، وهو في أثناء ليلةٍ، فإنَّه يدخل بقيَّة تلك اللَّيلة في اليوم الذي يليها، كما تدخل ليلة اليومين الآخرين في يومَيْهما. ولو قيل له في النَّهار: أقِمْ ثلاثَ ليالٍ، دخل تمام ذلك النَّهار تبعًا للَّيلة الَّتي تليه.

  19. الثَّاني: أنَّ الحيض إنَّما يتمُّ باجتماع الدَّم في الرَّحم قبله، فكان الطُّهر مقدِّمةً وسببًا لوجود (٤) الحيض، فإذا عُلِّق الحكم بالحيض فمن لوازمه ما لا يوجد الحيض إلا بوجوده. وبهذا يظهر أنَّ هذا أبلغ من الأيَّام واللَّيالي، فإنَّ اللَّيل والنَّهار متلازمان، وليس أحدهما سببًا لوجود الآخر، وهنا الطُّهر

    ج ٧ ص ٢٦٥سببًا (١) لاجتماع الدَّم في الرَّحم، فقوله سبحانه: {لِعِدَّتِهِنَّ} أي لاستقبال العدَّة الَّتي تتربَّصها، وهي تتربَّص ثلاث حيضٍ بالأطهار الَّتي قبلها. فإذا طُلِّقت في أثناء الطُّهر فقد طُلِّقت في الوقت الذي تستقبل فيه العدَّة المحسوبة، وتلك العدَّة هي الحيض بما قبلها من الأطهار، بخلاف ما لو طُلِّقت في أثناء حيضةٍ، فإنَّها لم تُطلَّق لعدَّةٍ تحسبها؛ لأنَّ بقيَّة ذاك الحيض ليس هو العدَّة الَّتي تعتدُّ بها المرأة أصلًا ولا تبعًا لأصلٍ، وإنَّما تُسمَّى عدَّةً لأنَّها تحبس فيها عن الأزواج.

  20. إذا عُرِف هذا فقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: ٤٧] ، يجوز أن تكون لام التَّعليل، أي: لأجل يوم القيامة. وقد قيل: إنَّ القسط منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ له، أي نضعها لأجل القسط، وقد استوفى شروط نصبه. وأمَّا قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] ، فليست اللَّام بمعنى «في» قطعًا، بل قيل: إنَّها لام التَّعليل، أي: لأجل دلوك الشَّمس، وقيل: إنَّها بمعنى «بعد» ، فإنَّه ليس المراد إقامتها وقتَ الدُّلوك، سواءٌ فُسِّر بالزَّوال أو الغروب، وإنَّما يؤمر بالصَّلاة بعده، ويستحيل حملُ آية العدَّة على ذلك، وهذا (٢) يستحيل حمل آية العدَّة عليه، إذ يصير المعنى: فطلِّقوهنَّ بعد عدَّتهنَّ. فلم يبقَ إلا أن يكون المعنى: فطلِّقوهنَّ لاستقبال عدَّتهنَّ، ومعلومٌ أنَّها إذا طُلِّقت طاهرًا استقبلت العدَّة بالحيض. ولو كانت الأقراء الأطهار لكانت السُّنَّة أن تُطلَّق حائضًا لتستقبل العدَّة بالأطهار، فبيَّن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٧ ص ٢٦٦أنَّ العدَّة الَّتي أمر الله أن تُطلَّق لها النِّساء هي أن تُطلَّق طاهرًا لتستقبل عدَّتها بعد الطَّلاق.

  21. فإن قيل: فإذا جعلنا الأقراء الأطهار استقبلت عدَّتها بعد الطَّلاق بلا فصلٍ، ومن جعلها الحيض لم تستقبلها على قوله حتَّى ينقضي الطُّهر.

  22. قيل: كلام الرَّبِّ تبارك وتعالى لا بدَّ أن يحمل على فائدةٍ مستقلَّةٍ، وحمل الآية على معنى: فطلِّقوهنَّ طلاقًا تكون العدَّة بعده لا فائدة فيه، وهذا بخلاف ما إذا كان المعنى: فطلِّقوهنَّ طلاقًا يستقبلن فيه العدَّة، لا يستقبلن فيه طهرًا لا يُعتدُّ به، فإنَّها إذا طُلِّقت حائضًا استقبلت طهرًا لا يُعتدُّ به، فلم تُطلَّق لاستقبال العدَّة. ويوضِّحه قراءة من قرأ: (فطلِّقوهنَّ في قُبُلِ عدِّتهنَّ) ، وقُبُلُ العدَّة هو الوقت الذي يكون بين يدي العدَّة تستقبل به، كقبل الحائض (١) . يوضِّحه أنَّه لو أريد ما ذكروه لقيل: في أوَّل عدَّتهنَّ، فالفرق بين قُبُلِ الشَّيء وأوَّلِه.

  23. وأمَّا قولكم: لو كانت القروء هي الحيض لكان قد طلَّقها قبل العدَّة.

  24. قلنا: أجل، وهذا هو الواجب عقلًا وشرعًا، فإنَّ العدَّة لا تفارق الطَّلاق ولا تسبقه، بل يجب تأخُّرها (٢) عنه (٣) .

  25. قولكم: فكان ذلك تطويلًا عليها، كما لو طلَّقها في الحيض.

  26. قيل: هذا مبنيٌّ على أنَّ العلَّة في تحريم طلاق الحائض خشيةُ التَّطويل

    ج ٧ ص ٢٦٧عليها، وكثيرٌ من الفقهاء لا يرضَون (١) هذا التَّعليل، ويُفسِدونه بأنَّها لو رضيت بالمطلّق فيه واختارت التَّطويل لم يُبَحْ له، ولو كان ذلك لأجل التَّطويل لأُبيحَ (٢) له برضاها، كما يُباح إسقاط الرَّجعة الذي هو حقُّ المطلِّق بتراضيهما بإسقاطها بالعوض اتِّفاقًا، وبدونه في أحد القولين، وهو مذهب أبي حنيفة، وإحدى الرِّوايتين عن أحمد ومالك، ويقولون: إنَّما حرم طلاقها في الحيض لأنَّه طلَّقها في وقت رغبته عنها. ولو سلَّمنا أنَّ التَّحريم لأجل التَّطويل عليها فالتَّطويل (٣) المضرُّ أن يطلِّقها حائضًا، فتنتظر مُضِيَّ الحيضة والطُّهر الذي يليها، ثمَّ تأخذ في العدَّة، فلا تكون مستقبلةً لعدَّتها بالطَّلاق، وأمَّا إذا طُلِّقت طاهرًا فإنَّها تستقبل العدَّة عقيبَ انقضاء الطُّهر، فلا يتحقَّق التَّطويل.

  27. وقولكم: إنَّ القرء مشتقٌّ من الجمع، وإنَّما يجمع الحيض في زمن الطُّهر.

  28. عنه ثلاثة أجوبةٍ، أحدها: أنَّ هذا ممنوعٌ، والَّذي هو مشتقٌّ من الجمع إنَّما هو من بنات الياء من المعتلِّ، من قَرى يَقْرِي كقضى يقضي، والقرء من المهموز من بنات الهمز، من قرأ يقرأ كنَحَر ينْحَر، وهما أصلان مختلفان، فإنَّهم يقولون: قريتُ الماء في الحوض أَقرِيه، أي: جمعتُه، ومنه سُمِّيت القرية، ومنه قرية النَّمل: للبيت الذي تجتمع فيه؛ لأنَّه يَقْرِيها، أي يضمُّها ويجمعها. وأمَّا المهموز فإنَّه من الظُّهور والخروج على وجه التَّوقيت

    ج ٧ ص ٢٦٨والتَّحديد، ومنه قرأتُ القرآن؛ لأنَّ قارئه يُظهِره ويُخرِجه مقدارًا محدودًا لا يزيد ولا ينقص، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: ١٧] ، ففرِّق بين الجمع والقرآن، ولو كانا واحدًا لكان تكريرًا محضًا. ولهذا قال ابن عبَّاسٍ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: ١٨] ، فإذا بيَّنَّاه (١) ، فجعل قراءته نفسَ إظهاره وبيانه، لا كما زعم أبو عبيدة (٢) أنَّ القرآن مشتقٌّ من الجمع، ومنه قولهم (٣) : ما قَرأتْ هذه النَّاقة سَلًى قطُّ، وما قَرأتْ جنينًا، هو من هذا الباب، أي ما ولدتْه وما أخرجتْه وأظهرتْه. ومنه: فلانٌ يُقرِئك ويُقرِئ عليك السَّلامَ، هو من الظُّهور والبيان. ومنه قولهم: قرأت المرأة حيضةً أو حيضتين، أي: حاضتهما؛ لأنَّ الحيض ظهور ما كان كامنًا، كظهور الجنين. ومنه: قَرْء الثُّريَّا، وقَرْء الرِّيح, وهو الوقت الذي يُظهِر المطر والرِّيح، فإنَّهما يظهران في وقتٍ مخصوصٍ، وقد ذكر هذا الاشتقاق المصنِّفون في كتب الاشتقاق، وذكره أبو عمرو وغيره (٤) ، ولا ريب أنَّ هذا المعنى في الحيض أظهر منه في الطُّهر.

  29. قولكم: إنَّ عائشة قالت: القروء الأطهار، والنِّساء أعلم بهذا من الرِّجال.

  30. فالجواب أن يقال: من جعل النِّساء أعلمَ بمراد الله من كتابه وأفهمَ لمعناه من أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعمر بن الخطَّاب، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وعبد الله بن مسعودٍ، وأبي الدَّرداء، وأكابر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ونزولُ

    ج ٧ ص ٢٦٩ذلك في شأنهنَّ لا يدلُّ على أنَّهنَّ أعلمُ به من الرِّجال، وإلَّا كانت كلُّ آيةٍ نزلت في النِّساء تكون النِّساء أعلمَ بها من الرِّجال، ويجب على الرِّجال تقليدهنَّ في معناها وحكمها، فيَكُنَّ أعلم من الرِّجال بآية الرَّضاع، وآيةِ الحيض، وتحريم وطء الحائض، وآية عدَّة المتوفَّى عنها، وآية الحمل والفصال ومدَّتهما، وآية تحريم إبداء الزِّينة إلا لمن ذكر فيها، وغير ذلك من الآيات الَّتي تتعلَّق بهنَّ، وفي شأنهنَّ نزلت، ويجب على الرِّجال تقليدهنَّ في حكم هذه الآيات ومعناها، وهذا لا سبيل إليه البتَّةَ.

  31. كيف ومدار العلم بالوحي على الفهم والمعرفة ووفورِ العقل، والرِّجالُ أحقُّ بهذا من النِّساء، وأوفرُ نصيبًا (١) منه، بل لا يكاد يختلف الرِّجال والنِّساء في مسألةٍ إلا والصَّواب في جانب الرِّجال. وكيف يقال: إذا اختلفت عائشة وعمر بن الخطَّاب وعليُّ بن أبي طالبٍ وعبد الله بن مسعودٍ في مسألةٍ: إنَّ الأخذ بقول عائشة أولى؟ وهل الأولى إلا قولٌ فيه خليفتان راشدان؟ وإن كان الصِّدِّيق معهما كما حُكِي عنه فذلك القول ممَّا لا يعدوه الصَّواب البتَّةَ، فإنَّ النَّقل عن عمر وعلي ثابتٌ، وأمَّا عن الصِّدِّيق ففيه غرابةٌ، ويكفينا قولُ جماعةٍ من الصَّحابة فيهم مثل عمر وعلي وابن مسعودٍ وأبي الدَّرداء وأبي موسى، فكيف يُقدَّم قول أمِّ المؤمنين - رضي الله عنها - وفهمها على أمثال هؤلاء؟

  32. ثمَّ يقال: فهذه عائشة - رضي الله عنها - ترى رضاع اللبن (٢) ينشر الحرمة، ويُثبِت المحرميَّة، ومعها جماعةٌ من الصَّحابة، وقد خالفها غيرها من الصَّحابة، وهي روت حديث التَّحريم به، فهلَّا قلتم: النِّساء أعلمُ بهذا من

    ج ٧ ص ٢٧٠الرِّجال، ورجَّحتم قولها على قول من خالفها؟

  33. ونقول لأصحاب مالك: وهذه عائشة لا ترى التَّحريم إلا بخمس رضعاتٍ، ومعها جماعةٌ من الصَّحابة، وروت فيه حديثين، فهلَّا قلتم: النِّساء أعلم بهذا من الرِّجال، وقدَّمتم قولها على قول من خالفها؟

  34. فإن قلتم: هذا حكمٌ يتعدَّى إلى الرِّجال، فيستوي النِّساء معهم فيه.

  35. قيل: ويتعدَّى (١) حكم العدَّة إلى الرِّجال مثله، فيجب أن يستوي النِّساء معهم (٢) فيه، وهذا لا خفاءَ به. ثمَّ يُرجَّح قول الرِّجال (٣) في هذه المسألة بأنَّ (٤) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد لواحدٍ من هذا الحزب بأنَّ الله ضرب الحقَّ على لسانه وقلبه (٥) . وقد وافق ربَّه تبارك وتعالى في عدَّة مواضع قال فيها قولًا، فنزل القرآن بمثل ما قال (٦) ، وأعطاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فضلَ إنائه في النَّوم وأوَّله بالعلم (٧) ، وشهد له بأنَّه مُحدَّثٌ مُلْهَمٌ (٨) ، فإذا لم يكن بدٌّ من التَّقليد فتقليدُه

    ج ٧ ص ٢٧١أولى، وإن كانت الحجَّة هي الَّتي تَفْصِل بين المتنازعين فتحكيمها هو الواجب.

  36. قولكم: إنَّ من قال: الأقراء الحيض، لا يقولون بقول علي وابن مسعودٍ، ولا بقول عائشة، فإنَّ عليًّا يقول: هو أحقُّ برجعتها ما لم تغتسل، وأنتم لا تقولون بواحدٍ من القولين= فهذا غايته أن يكون تناقضًا ممَّن لا يقول بذلك، كأصحاب أبي حنيفة، فتلك شَكاةٌ ظاهرٌ (١) عارُها (٢)

  37. عمَّن يقول بقول عليٍّ، وهو الإمام أحمد وأصحابه، كما تقدَّم حكاية ذلك، فإنَّ العدَّة تبقى عنده إلى أن تغتسل كما قاله عليٌّ ومن وافقه، ونحن نعتذر عمَّن يقول: الأقراء الحيض في ذلك، ولا يقول: هو أحقُّ بها ما لم تغتسل، فإنَّه وافق من يقول: الأقراء الحيض في ذلك، وخالفه في توقُّف (٣) انقضائها على الغسل لمعارضٍ أوجب له مخالفته، كما يفعله سائر الفقهاء. ولو ذهبنا نعدُّ ما تصرَّفتم فيه هذا التَّصرُّف بعينه لطالَ (٤) . فإن كان هذا المعارض صحيحًا لم يكن تناقضًا منهم، وإن لم يكن صحيحًا لم يكن ضعفُ قولِهم في إحدى المسألتين عندهم بمانعٍ لهم من موافقتهم لهم في المسألة الأخرى، فإنَّ موافقة (٥) أكابر الصَّحابة ــ وفيهم مَن فيهم مِن الخلفاء الرَّاشدين ــ في معظم قولهم خيرٌ وأولى من مخالفتهم في قولهم جميعه وإلغائه بحيث لا يُعتَبر البتَّةَ.

    ج ٧ ص ٢٧٢قالوا: ثمَّ لم نخالفهم في (١) توقُّف انقضائها على الغسل، بل قلنا: لا تنقضي حتَّى تغتسل أو يمضيَ عليها وقت صلاةٍ، فوافقناهم في قولهم بالغسل، وزدنا عليهم انقضاءها بمُضِيِّ وقت الصَّلاة؛ لأنَّها صارت في حكم الطَّاهرات بدليل استقرار الصَّلاة في ذمَّتها، فأين المخالفة الصَّريحة للخلفاء الرَّاشدين؟

  38. قولكم: لا نجد في كتاب الله للغسل معنًى.

  39. فيقال: كتاب الله تعالى لم يتعرَّض للغسل بنفيٍ ولا إثباتٍ، وإنَّما علَّق الحلَّ والبينونة بانقضاء الأجل. وقد اختلف السَّلف والخلف فيما ينقضي به الأجل، فقيل: بانقطاع الحيض. وقيل: بالغسل منه (٢) . وقيل: بالغسل أو مُضِيِّ صلاةٍ أو انقطاعه لأكثره. وقيل: بالطَّعن في الحيضة الثَّالثة.

  40. وحجَّة من وقفه على الغسل قضاء الخلفاء الرَّاشدين، قال الإمام أحمد: عمر وعلي وابن مسعودٍ يقولون: حتَّى تغتسل من الحيضة الثَّالثة. قالوا: وهم أعلم بكتاب اللَّه تعالى، وحدودِ ما أنزل على رسوله، وقد روي هذا المذهب عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق وعثمان بن عفَّان وأبي موسى وعبادة وأبي الدَّرداء، حكاه صاحب «المغني» (٣) وغيره عنهم. ومن هاهنا قيل: إنَّ مذهب الصِّدِّيق ومن ذكر معه أنَّ الأقراء: الحيض.

    قالوا: وهذا القول له حظٌّ وافرٌ من الفقه، فإنَّ المرأة إذا انقطع حيضها

    ج ٧ ص ٢٧٣صارت في حكم الطَّاهرات من وجهٍ، وفي حكم الحُيَّض من وجهٍ، والوجوه الَّتي هي فيها في حكم الحُيَّض أكثر من الوجوه الَّتي هي فيها في حكم الطَّاهرات، فإنَّها في حكم الطَّاهرات في صحَّة الصِّيام ووجوب الصَّلاة، وفي حكم الحيَّض في تحريم قراءة القرآن عند من حرَّمه على الحائض، واللُّبث في المسجد، والطَّواف بالبيت، وتحريم الوطء، وتحريم الطَّلاق في أحد القولين، فاحتاط الخلفاء الرَّاشدون وأكابر الصَّحابة للنِّكاح، ولم يُخرِجوها منه بعد ثبوته إلا بيقينٍ (١) لا ريبَ فيه، وهو ثبوت حكم الطَّاهرات في حقِّها من كلِّ وجهٍ، إزالةً لليقين بيقينٍ مثله، إذ ليس جعلُها حائضًا في تلك الأحكام أولى من جعْلِها حائضًا في بقاء الزَّوجيَّة وثبوت الرَّجعة، وهذا من أدقِّ الفقه وألطفه مأخذًا.

    قالوا: وأمَّا قول الأعشى:

    لما ضَاع فيها من قُروءِ نسائكا (٢)