فصل في ذكر الخلاف في تفسير الأقراء هل هي الحيض أو الأطهار، مع أدلة الفريقين ومناقشتها
١٣٦ فقرة، ج ٧ ص ٢١٧
الصفحة ٢ من ٤
- ج ٧ ص ٢٣١
وبهذا يتبيَّن بطلان قولهم: حمله عليهما أحوط، فإنَّه لو قُدِّر حمل الآية على ثلاثةٍ من الحيض والأطهار لكان فيه خروجٌ عن الاحتياط. وإن قيل بحملِه (٢) على ثلاثةٍ من كلٍّ منهما، فهو خلاف نصِّ القرآن، إذ تصير القروء ستَّةً.
قولهم: إمَّا أن يُحمل على أحدهما بعينه أو عليهما ... إلى آخره.
-
قلنا: مثل هذا لا يجوز أن يَعرى عن دلالةٍ تُبيِّن المراد منه كما في الأسماء المجملة، وإن خفيت الدِّلالة على بعض المجتهدين فلا يلزم أن تكون خفيَّةً عن مجموع الأمَّة. وهذا هو الجواب عن الوجه الثَّالث، فالكلام إذا لم يكن مطلقه يدلُّ على المعنى المراد، فلا بدَّ من بيان المراد.
-
وإذا تعيَّن أنَّ المراد بالقرء في الآية أحدهما لا كلاهما، فإرادة الحيض أولى لوجوهٍ. منها: ما تقدَّم. الثَّاني: أنَّ استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطُّهر، فإنَّهم يذكرونه تفسيرًا للفظة، ثمَّ يُردِفونه بقولهم: وقيل، أو قال فلانٌ،
ج ٧ ص ٢٣٢أو يقال: على الطُّهر، أو وهو أيضًا الطُّهر، فيجعلون تفسيره بالحيض كالمستقرِّ المعلوم المستفيض، وتفسيره بالطُّهر قولٌ قيل. وهاك (١) حكاية ألفاظهم:
قال الجوهري (٢) : القَرء بالفتح: الحيض، والجمع أقراءٌ وقروءٌ. وفي الحديث: «لا صلاة أيَّام أقرائك» (٣) . والقَرء أيضًا: الطُّهر، وهو من الأضداد.
وقال أبو عبيد: الأقراء الحيض، ثمَّ قال: الأقراء الأطهار. وقال الكسائيُّ والفرَّاء: أقرأت المرأة: إذا حاضت (٤) .
وقال ابن فارس (٥) : القروء: أوقاتٌ تكون للطُّهر مرَّةً وللحيض مرَّةً، والواحد قَرْءٌ. ويقال: القَرْء: هو الطُّهر، ثمَّ قال: وقومٌ يذهبون إلى أنَّ القرء الحيض.
-
فحكى قول من جعله مشتركًا بين أوقات الطُّهر والحيض، وقول من جعله لأوقات الطُّهر، وقول من جعله لأوقات الحيض، وكأنَّه لم يختر واحدًا منهما، بل جعله لأوقاتهما.
قال: وأقرأت المرأةُ إذا خرجتْ من حيضٍ إلى طهرٍ، ومن طهرٍ إلى حيضٍ.
- ج ٧ ص ٢٣٣
وهذا يدلُّ على أنَّه لا بدَّ من مسمَّى الحيض في حقيقته، يُوضِّحه أنَّ من قال: أوقات الطُّهر تُسمَّى قروءًا، فإنَّما يريد أوقات الطُّهر الَّتي يَحْتَوِشُها (١) الدَّم، وإلَّا فالصَّغيرة والآيسة لا يقال لزمن طهرهما أقراءٌ، ولا هما من ذوات الأقراء باتِّفاق أهل اللُّغة.
-
الدَّليل الثَّاني: أنَّ لفظ القرء [لم يُستعمل] (٢) في كلام الشَّارع إلا للحيض، ولم يجئ عنه في موضعٍ واحدٍ استعماله للطُّهر، فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشَّارع أولى، بل متعيِّنٌ، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال للمستحاضة: «دَعِي الصَّلاةَ أيَّام أقرائِك» (٣) ، وهو - صلى الله عليه وسلم - هو المعبِّر عن الله، وبلغة قومه نزل القرآن، فإذا ورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجبَ حملُه في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الآخر في شيءٍ من كلامه البتَّةَ، ويصير هو لغة القرآن الَّتي خُوطبنا بها، وإن كان له معنًى آخر في كلام غيره، ويصير هذا المعنى الحقيقة الشَّرعيَّة في تخصيص المشترك بأحد معنييه، كما يختصّ المتواطئ بأحد أفراده، بل هذا أولى؛ لأنَّ أغلب أسباب الاشتراك
ج ٧ ص ٢٣٤تسمية إحدى القبيلتين الشَّيء باسمٍ، وتسمية الأخرى بذلك الاسم مسمًّى آخر، ثمَّ تشيع الاستعمالات. بل قال المبرِّد وغيره: لا يقع الاشتراك في اللُّغة إلا بهذا الوجه خاصَّةً، والواضع لم يضع لفظًا مشتركًا البتَّةَ. فإذا ثبت استعمال الشَّارع لفظ القروء في الحيض عُلِم أنَّ هذا لغته، فيتعيَّن حمله على ما في كلامه.
-
ويُوضِّح ذلك ما في سياق الآية من قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: ٢٢٨] ، وهذا هو الحيض والحمل (١) عند عامَّة المفسِّرين، والمخلوق في الرَّحم إنَّما هو حيض (٢) الوجوديّ، ولهذا قال السَّلف والخلف: هو الحمل والحيض (٣) ، وقال بعضهم: الحمل (٤) ، وبعضهم: الحيض (٥) ، ولم يقل أحدٌ قطُّ: إنَّه الطُّهر؛ ولهذا لم ينقله من عُنِي بجمع أقوال أهل التَّفسير، كابن الجوزيِّ وغيره (٦) .
-
وأيضًا فقد قال سبحانه: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: ٤] ، فجعل كلَّ شهرٍ
ج ٧ ص ٢٣٥بإزاء حيضةٍ، وعلَّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطُّهر من الحيض.
-
وأيضًا فحديث عائشة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «طلاقُ الأمة تطليقتان، وعدَّتها حيضتانِ» ، رواه أبو داود وابن ماجه والتِّرمذيُّ (١) ، وقال: غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهرٌ لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث. وفي لفظٍ للدَّارقطنيِّ فيه (٢) : «طلاق العبد اثنتان» .
-
وروى ابن ماجه (٣) من حديث عطيَّة العوفيِّ عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «طلاق الأمة اثنتان، وعدَّتها حيضتان» .
-
وأيضًا قال ابن ماجه في «سننه» (٤) : حدَّثنا علي بن محمد، ثنا وكيعٌ، عن
ج ٧ ص ٢٣٦سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: أُمِرتْ بريرة أن تعتدَّ ثلاثَ حِيَضٍ.
-
وفي «المسند» (١) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خيَّر بريرة، فاختارت نفسها، وأمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة.
-
وقد فُسِّر عدَّة الحرَّة (٢) بثلاث حِيَضٍ في حديث عائشة.
-
فإن قيل: فمذهب عائشة أنَّ الأقراء الأطهار؟
-
قيل: ليس هذا بأوَّل حديثٍ خالفه راويه، فأُخِذ بروايته دون رأيه.
-
وأيضًا ففي حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ لمَّا اختلعت من زوجها أن تتربَّص حيضةً واحدةً، وتلحق بأهلها. رواه النَّسائيُّ (٣) .
-
وفي «سنن أبي داود» (٤) عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ امرأة ثابت بن قيسٍ اختلعت
ج ٧ ص ٢٣٧من زوجها، فأمرها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تعتدَّ بحيضة.
-
وفي «الترمذي» (١) : أنَّ الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ اختلعت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أو أُمِرَتْ أن تعتدَّ بحيضة. قال الترمذي: حديث الرُّبيع الصَّحيح أنَّها أُمِرتْ أن تعتدَّ بحيضةٍ.
-
وأيضًا فالاستبراء هو عدَّة الأمة، وقد ثبت عن أبي سعيد أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في سبايا أوطاسٍ: «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تحيضَ حَيضةً» . رواه أحمد (٢) وأبو داود (٣) .
-
فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ استبراء الأمة بالحيضة، وإنَّما هو بالطُّهر الذي قبل
ج ٧ ص ٢٣٨الحيضة، كذلك قال ابن عبد البرِّ، وقال (١) : قولهم: إنَّ استبراء الأمة حيضةٌ بإجماعٍ ليس كما ظنُّوا، بل جائزٌ لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة، واستيقنت أنَّ دمها دم حيضٍ، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين أُدخِلَ عليه في مناظرته إيَّاه.
-
قلنا: هذا يردُّه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُوطَأ حاملٌ حتَّى تَضَعَ، ولا حائلٌ حتَّى تُستبرأ بحيضةٍ» (٢) .
-
وأيضًا فالمقصود الأصليُّ (٣) من العدَّة إنَّما هو استبراء الرَّحم، وإن كان لها فوائد أخر، ولشرف الحرَّة المنكوحة وخَطَرِها جُعِل العَلَم الدَّالُّ على براءة رحمها ثلاثة أقراءٍ، فلو كان القرء هو الطُّهر لم يحصل بالقرء الأوَّل دلالةٌ، فإنَّه لو جامعها في الطُّهر ثمَّ طلَّقها ثمَّ حاضت= كان ذلك قرءًا محسوبًا من الأقراء عند من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلومٌ أنَّ هذا لم يدلَّ على شيءٍ، وإنَّما الذي يدلُّ على البراءة الحيضُ الحاصل بعد الطَّلاق، ولو طلَّقها في طهرٍ لم يصبها فيه، فإنَّا نعلم (٤) هنا براءة الرَّحم بالحيض الموجود قبل الطَّلاق، والعدَّة لا تكون قبل الطَّلاق؛ لأنَّها حكمه، والحكم لا يسبق سببَه. فإذا كان الطُّهر الموجود بعد الطَّلاق لا دلالة له على البراءة أصلًا، لم يجز إدخاله في العِدَد دالًّا (٥) على براءة الرَّحم، وكان مثله كمثل شاهدٍ غير مقبولٍ،
ج ٧ ص ٢٣٩ولا يجوز تعليق الحكم بشهادة شاهدٍ لا شهادة له.
-
يوضِّحه أنَّ العدَّة في المنكوحات كالاستبراء في المملوكات، وقد ثبت بصريح السُّنَّة أنَّ الاستبراء بالحيض لا بالطُّهر، فكذلك العدَّة، إذ لا فرقَ بينهما إلا بتعدُّد العدَّة، والاكتفاء بالاستبراء بقرء واحدٍ، وهذا لا يوجب اختلافهما في حقيقة القرء، وإنَّما يختلفان في القدر المعتبر منهما.
-
ولهذا قال الشَّافعيُّ - رحمه الله - في أصحِّ القولين عنه: إنَّ استبراء الأمة يكون بالحيض، وفرَّق أصحابه بين البابين: بأنَّ العدَّة وجبت قضاءً لحقِّ الزَّوج، فاختصَّت بأزمان حقِّه، وهي أزمان الطُّهر، وبأنَّها تتكرَّر، فيُعْلَم معها البراءة بتوسُّط الحيض، بخلاف الاستبراء فإنَّه لا يتكرَّر، والمقصود منه مجرَّد البراءة، فاكتُفِي فيه بحيضةٍ. وقال في القول الآخر: تُستبرأ بطهرٍ طردًا لأصله في العِدَد، وعلى هذا فهل تحتسب (١) ببعض الطُّهر؟ على وجهين لأصحابه، فإن احتسبت به فلا بدَّ من ضَمِّ حيضةٍ كاملةٍ إليه، فإذا طعنتْ في الطُّهر الثَّاني حَلَّت. وإن (٢) لم تحتسب به فلا بدَّ من ضَمِّ طهرٍ كاملٍ إليه، ولا تحتسب ببعض الطُّهر عنده قرءًا قولًا واحدًا.
-
والمقصود أنَّ الجمهور على أنَّ عدَّة الاستبراء حيضةٌ لا طهرٌ، وهذا الاستبراء في حقِّ الأمة كالعدَّة في حقِّ الحرَّة، قالوا: بل الاعتداد في حقِّ الحرَّة بالحيض أولى من الأمة من وجهين:
أحدهما: أنَّ الاحتياط في حقِّها ثابتٌ بتكرير القرء، فهو ثلاث
ج ٧ ص ٢٤٠استبراءاتٍ، فهكذا ينبغي أن يكون الاعتداد في حقِّها بالحيض الذي هو أحوط من الطُّهر، فإنَّها لا تحتسب ببقيَّة الحيضة قرءًا، وتحتسب ببقيَّة الطُّهر قرءًا.
-
الثَّاني: أنَّ استبراء الأمة فرعٌ على عدَّة الحرَّة، وهي الثَّابتة بنصِّ القرآن، والاستبراء إنَّما ثبت بالسُّنَّة، فإذا كان قد احتاط له الشَّارع بأن جعله بالحيض فاستبراء الحرَّة أولى، فعدَّة الحرَّة استبراءٌ لها، واستبراء الأمة عدَّةٌ لها.
-
وأيضًا فالأدلَّة والعلامات والحدود والغايات إنَّما تحصل بالأمور الظَّاهرة المتميِّزة عن غيرها، والطُّهر هو الأمر الأصليُّ (١) ، ولهذا متى كان مستمرًّا مستصحبًا لم يكن له حكمٌ يفرد به في الشَّريعة، وإنَّما الأمر المتميِّز هو الحيض، فإنَّ المرأة إذا حاضت تغيَّرت أحكامها: من بلوغها، وتحريم العبادات عليها من الصَّلاة والصَّوم والطَّواف واللُّبث في المسجد وغير ذلك من الأحكام. ثمَّ إذا انقطع الدَّم واغتسلت فلم تتغيَّر أحكامها بتجدُّد الطُّهر، لكن لزوال المغيِّر الذي هو الحيض، فإنَّها تعود بعد الطُّهر إلى ما كانت عليه قبل الحيض من غير أن (٢) يجدِّد لها الطُّهر حكمًا، والقرء أمرٌ يغيِّر أحكام المرأة، وهذا التَّغيير إنَّما يحصل بالحيض دون الطُّهر. فهذا الوجه دالٌّ على فساد قول من يحتسب بالطُّهر الذي قبل الحيضة قرءًا فيما إذا طُلِّقت قبل أن تحيض ثمَّ حاضت، فإنَّ من اعتدَّ بهذا الطُّهر قرءًا جعل شيئًا ليس له حكمٌ في الشَّريعة قرءًا من الأقراء، وهذا فاسدٌ.
- ج ٧ ص ٢٤١
فصل
قال من جعل الأقراء الأطهار: الكلام معكم في مقامين:
أحدهما: بيان الدَّليل الدالّ على أنَّها الأطهار.
-
الثَّاني: في الجواب عن أدلَّتكم.
-
فأمَّا المقام الأوَّل: فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] ، ووجهُ الاستدلال به أنَّ اللَّام هي لام الوقت، أي: فطلِّقوهنَّ في عدَّتهنَّ (١) ، كما في قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: ٤٧] ، أي: في يوم القيامة، وقوله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] ، أي: وقت الدُّلوك. وتقول العرب: جئتُك لثلاثٍ بقين من الشَّهر، أي: في ثلاثٍ بقين منه. وقد فسَّر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية بهذا التَّفسير، ففي «الصَّحيحين» (٢) عن ابن عمر: أنَّه لمَّا طلَّق امرأته وهي حائضٌ، أمره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها، ثمَّ يطلِّقها وهي طاهرٌ، قبل أن يمسَّها، ثمَّ قال: «فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن يُطلَّق لها النِّساء» . فبيَّن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ العدَّة الَّتي أمر الله أن يُطلَّق لها النِّساء هي الطُّهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو (٣) الحيض كان قد طلَّقها قبل العدَّة لا العدَّة (٤) ، وكان ذلك تطويلًا عليها، وهو غير جائزٍ، كما لو طلَّقها في الحيض.
ج ٧ ص ٢٤٢قال الشَّافعيُّ (١) : قال الله تبارك وتعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] ، فالأقراء عندنا ــ والله أعلم ــ الأطهار، فإن قال قائلٌ: ما دلَّ على أنَّها الأطهار وقال غيركم: الحيض؟ قيل له: دلالتان، إحداهما (٢) : الكتاب الذي دلَّ عليه السُّنَّة، والأخرى: اللِّسان. فإن قال: وما الكتاب؟ قيل: قال الله تبارك وتعالى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] ، وأخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه طلَّق امرأته وهي حائضٌ في عهد النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مُرْه فليراجِعْها، ثمَّ ليمسِكْها حتَّى تطهر، ثمَّ تحيض، ثمَّ تطهر، ثمَّ إن شاء أمسك بعدُ وإن شاء طلَّقَ قبلَ أن يَمسَّ، فتلك العدَّة الَّتي أمر الله أن يُطلَّق لها النِّساء» (٣) .
-
أخبرنا مسلم وسعيد بن سالمٍ، عن ابن جريجٍ، عن أبي الزبير: أنَّه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته حائضًا، فقال: قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا طهُرتْ فلتُطلَّقْ أو تُمسَكْ» ، وتلا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: (إذا طلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ لِقُبُلِ ــ أو: في قُبُلِ ــ عدَّتهنَّ) (٤) . قال الشَّافعيُّ: أنا شككتُ.
-
فأخبر (٥) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الله جلَّ ثناؤه: أنَّ العدَّة الطُّهر دون الحيض،
ج ٧ ص ٢٤٣وقرأ: (فطلِّقوهنَّ لِقُبُل عدَّتهنَّ) ، وهو أن يطلِّقها طاهرًا؛ لأنَّها حينئذٍ تستقبل عدَّتها، ولو طُلِّقت حائضًا لم تكن مستقبلةً عدَّتها إلا بعد الحيض.
-
فإن قال: فما اللِّسان؟ قيل: القرء: اسمٌ وُضِع لمعنًى، فلمَّا كان الحيض دمًا يُرخِيه الرَّحِمُ فيخرج، والطُّهر دمًا يحتبس فلا يخرج، وكان معروفًا من لسان العرب أنَّ القرء الحبس. تقول العرب: هو يَقْرِي الماءَ في حوضه وفي سِقائه. وتقول العرب: يَقْرِي الطَّعامَ في شِدْقه، يعني: يحبس الطعام في شدقه. وتقول العرب إذا حبس الرَّجلُ الشَّيء: قَرأه، يعني: خَبَأه (١) .
قال الشَّافعيُّ: أخبرنا مالك (٢) ، عن ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة أنَّها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدَّم من الحيضة الثَّالثة. قال ابن شهابٍ: فذكرتُ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة. وقد جادلها (٣) في ذلك ناسٌ فقالوا: إنَّ الله يقول: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} ، فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدري ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار.
-
أخبرنا مالك (٤) ، عن ابن شهابٍ قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرَّحمن
ج ٧ ص ٢٤٤يقول (١) : ما أدركتُ أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة.
قال الشَّافعيُّ: وأخبرنا سفيان، عن الزُّهريِّ، عن عمرة، عن عائشة: إذا طعنت المطلَّقة في الدَّم من الحيضة الثَّالثة فقد برئتْ منه.
-
وأخبرنا مالك (٢) ، عن نافع وزيد بن أسلم، عن سليمان بن يسارٍ أنَّ الأحوص ــ يعني ابن حكيم ــ هلك بالشَّام حين دخلت امرأته في الحيضة الثَّالثة، وقد كان طلَّقها، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابتٍ يسأله عن ذلك؟ فكتب إليه زيد: أنَّها إذا دخلت في الدَّم من الحيضة الثَّالثة فقد برئتْ منه وبرئ منها، ولا تَرِثه ولا يَرِثها.
-
وأخبرنا سفيان، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني سليمان بن يسارٍ، عن زيد بن ثابتٍ قال: إذا طعنت المرأة في الحيضة الثَّالثة فقد برئت منه (٣) .
قال: وفي حديث سعيد بن أبي عروبة، عن رجلٍ، عن سليمان بن يسارٍ، أنَّ عثمان بن عفَّان وابن عمر قالا: إذا دخلت في الحيضة الثَّالثة فلا رجعةَ له عليها (٤) .
- ج ٧ ص ٢٤٥
وأخبرنا مالك (١) ، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا طلَّق الرَّجل امرأته فدخلتْ في الدَّم من الحيضة الثَّالثة فقد برئت منه، ولا تَرِثه ولا يرثها.
-
أخبرنا مالك (٢) أنَّه بلغه عن القاسم بن محمَّدٍ، وسالم بن عبد اللَّه، وأبي بكر بن عبد الرَّحمن، وسليمان بن يسارٍ، وابن شهابٍ، أنَّهم كانوا يقولون: إذا دخلت المطلَّقة في الدَّم من الحيضة الثَّالثة فقد بانت منه، ولا ميراثَ بينهما. زاد غير الشَّافعيِّ عن مالك: ولا رجعةَ له عليها. قال مالك: وذلك الأمر الذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا.
قال الشَّافعيُّ (٣) : ولا يَعْدُو (٤) أن تكون الأقراءُ الأطهارَ ــ كما قالت عائشة، والنِّساءُ بهذا أعلم لأنَّه فيهنَّ لا في الرِّجال ــ أو الحيضَ، فإذا جاءت بثلاث حيضٍ حلَّتْ، ولا نجد في كتاب الله للغسل معنًى، ولستم تقولون بواحدٍ من القولين.
-
يعني: أنَّ الذين قالوا: إنَّها الحيض قالوا: هو أحقُّ برجعتها حتَّى تغتسل من الحيضة الثَّالثة، كما قاله علي وابن مسعودٍ وأبو موسى، وهو قول عمر بن الخطَّاب أيضًا (٥) .
ج ٧ ص ٢٤٦قال الشَّافعيُّ: فقيل لهم ــ يعني للعراقيِّين ــ: لم تقولوا بقول من احتججتم بقوله ورويتم هذا عنه، ولا بقول أحدٍ من السَّلف علمناه. فإن قال قائلٌ: أين خالفناهم؟ قلنا: قالوا: حتَّى تغتسل وتحلَّ لها الصَّلاة، وقلتم: إن فرَّطتْ في الغسل حتَّى يذهب وقت الصَّلاة حلَّت، وهي لم تغتسل ولم تحلَّ لها الصَّلاة. انتهى كلام الشَّافعيِّ.
قالوا: ويدلُّ على أنَّها الأطهار في اللِّسان قول الأعشى (١) :
أفي كلِّ عامٍ أنت جَاشِمُ غَزوةٍ ... تَحُلُّ (٢) لأقصاها عَزِيمَ عَزائِكا
مُورِّثةٍ عِزًّا وفي الحيِّ رِفعةً ... لما ضَاعَ فيها من قُروء نِسائِكا
فالقروء في البيت: الأطهار، لأنَّه ضيَّع أطهارهنَّ في غَزاته، وآثرها عليهنَّ.
قالوا: ولأنَّ الطُّهر أسبق إلى الوجود من الحيض، فكان أولى بالاسم. قالوا: فهذا أحد المقامين.
-
وأمَّا المقام الآخر، وهو الجواب عن أدلَّتكم: فنجيبكم بجوابين مجملٍ ومفصَّلٍ (٣) .