فصل في ذكر الخلاف في تفسير الأقراء هل هي الحيض أو الأطهار، مع أدلة الفريقين ومناقشتها
١٣٦ فقرة، ج ٧ ص ٢١٧
الصفحة ٤ من ٤
- ج ٧ ص ٢٥٢
ولا يقال للحَبْل قَرَنٌ إلا إذا قُرِنَ فيه اثنان فصاعدًا.
-
والقوم لا يُسمَّون رُفْقَةً إلا إذا انضمُّوا في مجلسٍ واحدٍ وسيرٍ واحدٍ، فإذا تفرَّقوا زال هذا الاسم، ولم يَزُلْ عنهم اسم الرَّفيق.
-
والحِجارة لا تُسمَّى رَضْفًا إلا إذا حَمِيَتْ بالشَّمس أو بالنَّار.
-
والشَّمس لا يقال لها غَزَالةُ إلا عند ارتفاع النَّهار.
-
والثَّوب لا يُسمَّى مُطْرَفًا إلا إذا كان في طرفيه عَلَمانِ.
-
والمجلس لا يقال له النَّادي إلا إذا كان أهله فيه.
-
والمرأة لا يقال لها عَاتِقٌ إلا إذا كانت في بيت أبويها.
-
ولا يُسمَّى الماء المِلْح أُجاجًا إلا إذا كان مع مُلوحتِه مُرًّا.
-
ولا يقال للسَّير [إهْطَاعٌ] (٢) إلا إذا كان معه خوفٌ.
- ج ٧ ص ٢٥٣
ولا يقال للفرس مُحَجَّلٌ إلا إذا كان البياض في قَوائِمه كلِّها أو أكثرِها.
-
وهذا بابٌ طويلٌ لو تَقصَّيناه (١) ، فكذلك لا يقال للطُّهر قرءًا (٢) إلا إذا كان قبله دمٌ وبعده دمٌ، فأين في هذا ما يدلُّ على أنَّه الحيض؟
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّه لم يجئ في كلام الشَّارع إلا للحيض، فنحن نمنع مجيئه في كلام الشَّارع للحيض (٣) البتَّةَ، فضلًا عن الحصر.
قالوا: إنَّه قال للمستحاضة: «دَعِي الصَّلاةَ أيَّام أقرائِك» ، فقد أجاب الشَّافعيُّ عنه في «كتاب حَرملة» بما فيه شفاءٌ، وهذا لفظه (٤) :
قال: وزعم إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة أنَّ الأقراء الحيض، واحتجَّ بحديث سفيان، عن أيوب، عن سليمان بن يسارٍ، عن أم سلمة: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في امرأةٍ استُحِيضتْ أن تَدَعَ الصَّلاة أيَّامَ أقرائِها (٥) .
قال الشَّافعيُّ: وما حدَّث بهذا سفيان قطُّ، إنَّما قال سفيان: عن أيوب، عن سليمان بن يسارٍ، عن أم سلمة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَدَعُ الصَّلاةَ عددَ اللَّيالي والأيَّام الَّتي كانت تحيضهنَّ» ، أو قال: «أيَّامَ أقرائِها» (٦) ، الشَّكُّ من
ج ٧ ص ٢٥٤أيوب، لا ندري (١) قال هذا أو هذا، فجعله هو حديثًا على ناحية ما يريد، فليس هذا بصدقٍ.
-
وقد أخبرناه مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسارٍ، عن أم سلمة، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لِتنظُرْ عددَ اللَّيالي والأيَّام الَّتي كانت تحيضُهنَّ من الشَّهر قبل أن يُصِيبها الذي أصابها، ثمَّ لِتَدَعِ الصَّلاة، ثمَّ لِتغتسلْ ولْتُصَلِّ» (٢) . ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب، وهو يقول بمثل أحد معنَيَيْ أيوب اللَّذين رواهما. انتهى كلامه.
ج ٧ ص ٢٥٥قالوا: وأمَّا الاستدلال بقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: ٢٢٨] ، وأنَّه الحيض أو الحبل أو كلاهما، فلا ريبَ أنَّ الحيض داخلٌ في ذلك، ولكن تحريم كتمانه لا يدلُّ على أنَّ القروء المذكورة (١) في الآية هي الحيض، فإنَّها إذا كانت الأطهار فإنَّها تنقضي بالطَّعن في الحيضة الرَّابعة أو الثَّالثة، فإذا أرادت كتمان انقضاء العدَّة لأجل النَّفقة أو غيرها قالت: لم أَحِضْ، فتنقضي عدَّتي، وهي كاذبةٌ وقد حاضت وانقضت عدَّتها، وحينئذٍ فتكون دلالة الآية على أنَّ القروء الأطهار أظهر، ونحن نَقْنَع باتِّفاق الدِّلالة بها، وإن أبيتم إلا الاستدلال فهو من جانبنا أظهر، فإنَّ أكثر المفسِّرين قالوا: الحيض والولادة، فإذا كانت العدَّة تنقضي بظهور (٢) الولادة فهكذا تنقضي بظهور الحيض، تسويةً بينهما في إتيان المرأة على كلِّ واحدٍ منهما.
-
وأمَّا استدلالكم بقوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: ٤] فجعل كلُّ شهرٍ بإزاء حيضةٍ= فليس هذا بصريحٍ في أنَّ القروء هي (٣) الحيض، بل غاية الآية أنَّه جعل اليأس (٤) من الحيض شرطًا في الاعتداد بالأشهر، فما دامت حائضًا لا تنتقل إلى عدَّة الآيسات، وذلك أنَّ الأقراء الَّتي هي الأطهار عندنا لا توجد إلا مع
ج ٧ ص ٢٥٦الحيض، لا تكون بدونه، فمن أين يلزم أن تكون هي الحيض؟
-
وأمَّا استدلالكم بحديث عائشة: «طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان» (١) فهو حديثٌ لو استدللنا به عليكم لم تقبلوا ذلك منَّا، فإنَّه حديثٌ ضعيفٌ معلولٌ، قال الترمذي: غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يُعْرَف له في العلم غير هذا الحديث، انتهى.
-
ومظاهر (٢) ليس بشيءٍ، مع أنَّه لا يُعرف، وضعَّفه أبو عاصم أيضًا. وقال أبو داود (٣) : هذا حديثٌ مجهولٌ. وقال الخطّابي (٤) : أهل الحديث ضعَّفوا هذا الحديث. وقال البيهقي (٥) : لو كان ثابتًا قلنا به، إلا أنَّا لا نُثبِت حديثًا يرويه من تُجهَل عدالته. وقال الدَّارقطنيُّ (٦) : الصَّحيح عن القاسم بخلاف هذا، ثمَّ روى عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن الأمة كم (٧) تُطلَّق؟ قال: طلاقها اثنتان، وعدَّتها حيضتان. قال: فقيل له: أبلغكَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا؟ فقال: لا.
ج ٧ ص ٢٥٧وقال البخاريُّ في «تاريخه» (١) : مظاهر بن أسلم، عن القاسم، عن عائشة رفعه: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدَّتها حيضتان» . قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريجٍ عن مظاهر، ثمَّ لقيتُ مظاهرًا، فحدَّثنا به، وكان أبو عاصم يضعِّف مظاهرًا.
وقال يحيى بن سليمان: ثنا ابن وهب، قال: حدَّثني أسامة بن زيد بن أسلم، أنَّه كان جالسًا عند أبيه، فأتاه رسول الأمير، فقال: إنَّ الأمير يقول لك: كم عدَّة الأمة؟ فقال: عدَّة الأمة حيضتان، وطلاق الحرِّ الأمةَ (٢) ثلاثٌ، وطلاق العبد الحرَّةَ تطليقتان، وعدَّة الحرَّة ثلاث حيضٍ. ثمَّ قال للرَّسول: أين تذهب؟ قال: أمرني أن أسأل القاسم بن محمَّدٍ وسالم بن عبد اللَّه، قال: فأُقسِم عليك إلا رجعتَ إليَّ فأخبرتَني ما يقولان، فذهب ورجع إلى أبي، فأخبره أنَّهما قالا كما قال، وقالا (٣) له: قل له: إنَّ هذا ليس في كتاب اللَّه ولا سنَّة رسول الله، ولكن عمل به المسلمون (٤) .
وقال أبو القاسم بن عساكر في «أطرافه» : [فدلَّ ذلك على أنَّ الحديث المرفوع غير محفوظٍ] (٥) .
- ج ٧ ص ٢٥٨
وأمَّا استدلالكم بحديث ابن عمر مرفوعًا: «طلاق الأمة اثنتان، وعدَّتها حيضتان» ، فهو من رواية عطيَّة بن سعدٍ العوفيِّ، وقد ضعَّفه غير واحدٍ من الأئمَّة. قال الدَّارقطنيُّ (١) : والصَّحيح عن ابن عمر ما رواه سالم ونافع من قوله، وروى الدَّارقطنيُّ (٢) أيضًا عن سالم ونافع أنَّ ابن عمر كان يقول: طلاق العبد الحرَّةَ تطليقتان، وعدَّتها ثلاثة قروءٍ، وطلاق الحرِّ الأمةَ تطليقتان، وعدَّتها عدَّة الأمة حيضتان.
قالوا: والثَّابت بلا شكٍّ عن ابن عمر أنَّ الأقراء الأطهار.
قال الشَّافعيُّ: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا طلَّق الرَّجل امرأته، فدخلتْ في الدَّم من الحيضة الثَّالثة، فقد برئتْ منه، ولا تَرِثُه ولا يَرِثها (٣) .
قالوا: فهذا الحديث مداره على ابن عمر وعائشة، ومذهبهما بلا شكٍّ أنَّ الأقراء الأطهار، فكيف يكون عندهما عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خلافُ ذلك، ولا يذهبان إليه؟
قالوا: وهذا بعينه هو الجواب عن حديث عائشة الآخر: «أُمِرَتْ بريرة أن تعتدَّ ثلاث حيضٍ» .
قالوا: وقد روي هذا الحديث بثلاثة ألفاظٍ: «أُمِرَتْ أن تعتدَّ» (٤) ،
ج ٧ ص ٢٥٩و «أُمِرَت أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة» (١) ، و «أُمِرَت أن تعتدَّ ثلاث حِيَضٍ» (٢) ، فلعلَّ رواية من روى «ثلاث حِيَضٍ» محمولةٌ على المعنى. ومن العجب أن يكون عند عائشة هذا وهي تقول: الأقراء الأطهار، وأعجب منه أن يكون هذا الحديث بهذا السَّند المشهور الذين (٣) كلُّهم أئمَّةٌ، ولا يُخرِجه أصحاب الصَّحيح، ولا المَسانِد، ولا من اعتنى بأحاديث الأحكام وجمعها، ولا الأئمَّة الأربعة. وكيف يصبر عن إخراج هذا الحديث من هو مضطرٌّ إليه، ولا سيَّما بهذا السَّند المعروف الذي هو كالشَّمس شهرةً؟ ولا شكَّ أنَّ بريرة أُمِرَت أن تعتدَّ، وأمَّا إنَّها أُمِرت بثلاث حِيَضٍ، فهذا لو صحَّ لم نَعْدُه إلى غيره، ولبادرنا إليه.
قالوا: وأمَّا استدلالكم بشأن الاستبراء، فلا ريب أنَّ الصَّحيح كونه بحيضةٍ، وهو ظاهر النَّصِّ الصَّحيح، فلا وجهَ للاشتغال بالتَّعلُّل بالقول: ..... (٤) وإنَّها تُستَبرأ بطهرٍ، فإنَّه خلاف ظاهر نصِّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وخلافُ القول الصَّحيح من قولي الشَّافعيِّ، وخلاف قول جمهور الأمَّة، فالوجه العدول إلى الفرق بين البابين، فنقول: الفرق بينهما ما تقدَّم أنَّ العدَّة وجبت قضاءً لحقِّ الزَّوج، فاختصَّت بزمان حقِّه وهو الطُّهر، وبأنَّها تتكرَّر، فيُعلَم