فصل في ذكر الخلاف في تفسير الأقراء هل هي الحيض أو الأطهار، مع أدلة الفريقين ومناقشتها
١٣٦ فقرة، ج ٧ ص ٢١٧
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٧ ص ٢٤٦
أمَّا المجمل، فنقول: من أُنزِل عليه القرآن فهو أعلمُ بتفسيره ومرادِ
ج ٧ ص ٢٤٧المتكلِّم من كلِّ أحدٍ سواه، وقد فسَّر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العدَّة الَّتي أمر الله أن يُطلَّق لها النِّساء بالأطهار، فلا التفاتَ بعد ذلك إلى شيءٍ خالفه، بل كلُّ تفسيرٍ يخالف هذا فباطلٌ.
قالوا: وأعلمُ الأمَّة بهذه المسألة أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعلمهنَّ بها عائشة؛ لأنَّها فيهنَّ لا في الرِّجال، ولأنَّ الله تعالى جعل قولهنَّ في ذلك مقبولًا في وجود الحيض والحبل؛ لأنَّه لا يُعلَم إلا من جهتهنَّ، فدلَّ على أنَّهنَّ أعلمُ بذلك من الرِّجال، فإذا قالت أمُّ المؤمنين: إنَّ الأقراء الأطهار
فقد قالت حَذَامِ فصَدِّقوها ... فإنَّ القولَ ما قالتْ حَذامِ (١)
قالوا: وأمَّا الجواب المفصَّل، فنفرد كلَّ واحدٍ واحدٍ من أدلَّتكم بجوابٍ خاصٍّ، فهاكم الأجوبة.
أمَّا قولكم: إمَّا أن يُراد بالأقراء في الآية الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعهما ... إلى آخره.
-
فجوابه أن نقول: الأطهار فقط، لما ذكرنا من الدَّلالة.
قولكم: النَّصُّ اقتضى ثلاثةً ... إلى آخره.
- قلنا: عنه جوابان:
-
أحدهما: أنَّ بقيَّة الطُّهر عندنا قرءٌ كاملٌ، فما اعتدَّت إلا بثلاثٍ كوامل.
- ج ٧ ص ٢٤٨
الثَّاني: أنَّ العرب (١) تُوقِع اسمَ الجمع على اثنين وبعض الثَّالث، كقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: ١٩٧] ، فإنَّها شوَّالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجَّة أو تسعٌ أو ثلاثة عشر. ويقولون: لفلانٍ ثلاثَ عشرة سنةً، إذا دخل في السَّنة الثَّالثة عشر (٢) . وإذا كان هذا معروفًا في لغتهم، وقد دلَّ الدَّليل عليه، وجب المصير إليه.
-
وأمَّا قولكم: إنَّ استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطُّهر، فمُقابَلٌ بقول منازعيكم.
-
قولكم: إنَّ أهل اللُّغة يُصدِّرون كتبهم بأنَّ القرء هي الحيض، فيذكرونه تفسيرًا للّفظ، ثمَّ يُردِفونه بقولهم: وقيل، أو: وقال بعضهم: هو الطُّهر.
-
قلنا: أهل اللُّغة يحكون أنَّ له مسمَّيينِ في اللُّغة، ويُصرِّحون بأنَّه يقال على هذا وعلى هذا، ومنهم من يجعله في الحيض أظهر، ومنهم من يحكي إطلاقه عليهما من غير ترجيح. فالجوهري رجَّح الحيض. والشَّافعيُّ من أئمَّة اللُّغة، وقد رجَّح أنَّه الطُّهر. وقال أبو عبيد: القرء يصلح للحيض والطهر. وقال الزَّجَّاج (٣) : أخبرني من أثق به عن يونس أنَّ القرء عنده يصلح للحيض والطهر. وقال أبو عمرو بن العلاء: القرء الوقت، وهو يصلح للحيض ويصلح للطُّهر. وإذا كانت هذه نصوص أهل اللُّغة، فكيف يحتجُّون بقولهم: إنَّ الأقراء الحيض؟
- ج ٧ ص ٢٤٩
قولكم: إنَّ من جعله الطُّهر فإنَّه يريد أوقاتَ الطُّهر الَّتي يَحتوِشُها الدَّم، وإلَّا فالصَّغيرة والآيسة ليستا من ذوات الأقراء. عنه جوابان.
-
أحدهما: المنع، بل إذا طُلِّقت الصَّغيرة الَّتي لم تحض ثمَّ حاضت، فإنَّها تعتدُّ بالطُّهر الذي طُلِّقت فيه قرءًا على أصحِّ الوجهين عندنا؛ لأنَّه طهرٌ بعده حيضٌ، وكان قرءًا كما لو كان قبله حيضٌ.
-
الثَّاني: أنَّا وإن سلَّمنا ذلك فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ الطُّهر لا يُسمَّى قرءًا حتَّى يحتوِشَه دمانِ، وكذلك نقول، فالدَّم شرطٌ في تسميته قرءًا، وهذا لا يدلُّ على أنَّ مسمَّاه الحيض.
-
وهذا كالكأس الذي لا يقال على الإناء إلا بشرط كون الشَّراب فيه، وإلَّا فهو زُجاجةٌ أو قَدَحٌ.
-
والمائدة الَّتي لا يقال للخِوَان إلا إذا كان عليه طعامٌ، وإلَّا فهو خِوانٌ.
-
والكُوز الذي لا يقال لمسمَّاه إلا إذا كان ذا عُروةٍ، وإلَّا فهو كوبٌ.
-
والقلم الذي يشترط في صحَّة إطلاقه على القصبة كونها مَبْرِيَّةً، وبدون البَرْي فهو أُنبوبٌ أو قَصَبةٌ.
-
والخاتَم شرطُ إطلاقه أن يكون ذا فَصٍّ منه أو من غيره، وإلَّا فهو فَتْخَةٌ.
-
والفَرْوُ شرط إطلاقه على مسمَّاه الصُّوف، وإلَّا فهو جِلْدٌ.
-
والرَّيْطَة شرط إطلاقها على مسمَّاها أن تكون قطعةً واحدةً، فإن كانت ملفَّقةً من قطعتين فهي مُلَاءةٌ.
- ج ٧ ص ٢٥٠
والحُلَّة شرط إطلاقها أن تكون ثوبين، إزارٌ ورداء، وإلَّا فهو ثوبٌ.
-
والأَرِيْكَة لا تقال على السَّرير إلا إذا كان عليه حَجَلةٌ، وهي الَّتي تسمَّى بَشَخانه (١) وخَرْكاه (٢) ، وإلَّا فهو سريرٌ.
-
واللَّطِيمة لا تُقال للتجارة (٣) إلا إذا كان فيها طيبٌ، وإلَّا فهي عِيْرٌ.
-
والنَّفَق لا يقال إلا لما له مَنْفذٌ، وإلَّا فهو سَرَبٌ.
-
والعِهْن لا يقال للصُّوف إلا إذا كان مصبوغًا، وإلَّا فهو صُوفٌ.
-
والخِدْر لا يقال إلا لما اشتمل على المرأة، وإلَّا فهو سِتْرٌ.
-
والمِحْجَن لا يقال [للعصا إلا إذا كان مَحْنِيَّة الرَّأس، وإلَّا فهي عصًا.
-
والرَّكيَّة لا تقال على البئر إلا بشرط كون الماء فيها، وإلَّا فهي بئرٌ.
-
والوَقُود] (٤) لا يقال للحَطَب إلا إذا كان فيه النَّار، وإلَّا فهو حَطَبٌ.
-
ولا يقال للتُّراب ثَرًى إلا بشرط نَداوته، وإلَّا فهو تُرابٌ.
-
ولا يقال للرِّسالة مُغَلْغَلةٌ إلا إذا حُمِلَت من بلدٍ إلى بلدٍ، وإلَّا فهي رسالةٌ.
- ج ٧ ص ٢٥١
ولا يقال للأرض قَرَاحٌ إلا إذا هُيِّئتْ للزِّراعة، وإلَّا فهي أرض (١) .
-
ولا يقال لهروب العبد إباقٌ إلا إذا كان هروبه من غير خوفٍ ولا جوعٍ ولا جهدٍ، وإلَّا فهو هروبٌ.
-
والرِّيق لا يقال له رُضَابٌ إلا إذا كان في الفم، فإذا فارقه فهو بُصَاقٌ وبُزَاق (٢) وبُسَاقٌ.
-
والشُّجاع لا يقال له كَمِيٌّ إلا إذا كان شاكِيَ السِّلاح، وإلَّا فهو بطلٌ. وفي تسميته بطلًا قولان، أحدهما: لأنَّه يُبطِل شجاعةَ (٣) قِرْنِه وضرْبَه وطعْنَه، والثَّاني: لأنَّه يَبطُل شجاعة الشُّجعان عنده، فعلى الأوَّل فهو فَعَلٌ بمعنى فاعلٍ، وعلى الثَّاني فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو قياس اللُّغة.
-
والبعير لا يقال له راويةٌ إلا بشرط حمله للماء.
-
والطَّبَق لا يسمَّى مِهْدًى إلا بشرط كون (٤) عليه هديَّةٌ.
-
والمرأة لا تُسمَّى ظَعِينةً إلا بشرط ركوبها في الهَوْدَج، هذا في الأصل، وإلَّا فقد تُسمَّى المرأة ظعينةً وإن لم تكن (٥) في هودجٍ، ومنه في الحديث:
ج ٧ ص ٢٥٢«فمرَّت ظُعُنٌ يَجْرِينَ» (١) .
-
والدَّلو لا يقال لها سَجْلٌ إلا ما دام فيها ماءٌ، ولا يقال لها ذَنُوبٌ إلا إذا امتلأت به.
-
والسَّرير لا يقال له نَعْشٌ إلا إذا كان عليه ميِّتٌ.
-
والعَظْم لا يقال له عَرْقٌ إلا إذا اشتمل عليه لحمٌ.
-
والخَيط لا يسمَّى سِمْطًا إلا إذا كان فيه خَرَزٌ.