فصل في هديه في الجمع بين الصلاتين في السفر
٧ فقرات، ج ٢ ص ٦٠٥
- ج ٢ ص ٦٠٥
وكان من هديه أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمسُ أخَّر الظهرَ إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما. فإن زالت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر، ثم ركب (١) . وكان إذا أعجله السَّيرُ أخّر المغربَ حتى يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء (٢) .
-
وقد روي عنه في غزوة تبوك أنه كان (٣) إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهرَ حتى ينزل للعصر، فيصلِّيهما جميعًا. وكذلك في المغرب والعشاء. لكن اختُلِف في هذا الحديث: فمِن مصحِّحٍ له، ومن محسِّنٍ، ومن قادحٍ فيه وجعَلَه موضوعًا كالحاكم. وإسنادُه على شرط «الصحيح» ، لكن رُمِي بعلَّة عجيبة. قال الحاكم (٤) :
ثنا
ج ٢ ص ٦٠٦أبو بكر محمد (١) بن أحمد بن بالويه، ثنا موسى بن هارون، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهرَ حتى يجمعها إلى العصر، فيصلِّيهما جميعًا. وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلَّى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغربَ حتى يصلِّيها مع العشاء. وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء، فصلَّاها مع المغرب.
قال الحاكم (٢) : هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذُّ الإسناد والمتن، ثم لا نعرف له علةً نُعِلُّه (٣) بها. فلو كان الحديث عند الليث (٤) عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعلَّلنا به الحديث. ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب
ج ٢ ص ٦٠٧عن أبي الزُّبير (١) لعلَّلنا (٢) به. فلما لم نجد له العلَّتين خرج عن أن يكون معلولًا. ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل روايةً، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل (٣) ، فقلنا: الحديث شاذ.
-
وقد حدَّثونا (٤) عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على (٥) هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة؛ حتى عدّ قتيبةُ سبعةً من أئمة الحديث (٦) كتبوا عنه هذا الحديث، فأئمةُ الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجُّبًا من إسناده ومتنه. ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علَّةً.
ثم قال (٧) : فنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون.
-
ثم ذكر بإسناده إلى البخاري قال: قلت لقتيبة بن سعيد: مع مَن كتبتَ عن الليث بن سعد حديثَ يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: كتبته مع خالد المدائني. قال البخاري: وكان خالد المدائني يُدخِل الأحاديثَ على
ج ٢ ص ٦٠٨الشيوخ (١) .
قلت: وحكمُه (٢) بالوضع على هذا الحديث غير مسلَّم، فإنَّ أبا داود (٣) رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهَب الرَّملي، ثنا المفضَّل بن فَضَالة، عن (٤) الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ؛ فذكره. فهذا المفضَّل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجلَّ من المفضَّل وأحفظ، لكن زال تفرُّد قتيبة به. ثم إنَّ قتيبة صرَّح بالسماع، فقال: «حدَّثنا» ولم يعنعنه، فكيف يُقدَح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الحفظ والأمانة والثقة والعدالة (٥) .
- ج ٢ ص ٦٠٩
وقد روى إسحاق (١) بن راهويه (٢) : ثنا شبابة، ثنا ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كان في سفر فزالت الشمسُ صلَّى الظهر والعصر، ثم ارتحل. وهذا إسناد كما ترى. وشبَابة: هو شبابة بن سوَّار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له (٣) مسلم في «صحيحه» (٤) عن الليث بن سعد. فهذا الإسناد على شرط الصحيحين، وأقلُّ درجاته أن يكون مقوِّيًا لحديث معاذ. وأصله في «الصحيحين» (٥) لكن ليس فيه جمع التقديم (٦) .
ثم قال أبو داود (٧) : وروى هشام بن عروة (٨) ، عن حسين بن عبد الله، عن كُريب، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث المفضل، يعني حديث معاذ في جمع التقديم. ولفظه عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن كريب عن ابن عباس أنه قال: «ألا أخبركم عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر؟ كان إذا
ج ٢ ص ٦١٠زالت له الشمس، وهو في منزله، جمَع بين الظهر والعصر في الزوال. وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخَّر الظهرَ حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر. قال: وأحسِبه قال: في المغرب والعشاء مثل ذلك». رواه الشافعي (١) من حديث ابن أبي يحيى عن حسين، ومن حديث ابن عجلان بلاغًا عن حسين.
قال البيهقي (٢) : هذا رواه الأكابر هشام بن عروة وغيره عن حسين بن عبد الله. ورواه عبد الرزاق (٣) ، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة وعن كريب كلاهما عن ابن عباس. ورواه أيوب (٤) ، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: ولا أعلمه إلا مرفوعًا.
وقال إسماعيل بن إسحاق (٥) : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس (٦) قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال (٧) ، عن هشام بن عروة، عن كريب، عن
ج ٢ ص ٦١١ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جدَّ به السَّيرُ، فراح قبل أن تزيغ الشمس= ركِبَ، فسار، ثم نزل، فجمَع بين الظهر والعصر. وإذا لم يرُحْ حتى تزيغ الشمس جمَع بين الظهر والعصر، ثم ركب. وإذا أراد أن يركب فدخلت صلاة المغرب جمَع بين المغرب وبين صلاة العشاء.
قال أبو العباس بن سريج: وروى يحيى بن عبد الحميد (١) ، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يرتحل حتى تزيغ الشمس صلَّى الظهر والعصر جميعًا. وإذا كانت لم تزغ أخَّرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) : ويدل على جمع التقديم جمعُه بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف، ليتصل وقت الدعاء ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر، مع إمكان ذلك بلا مشقة. فالجمعُ كذلك لأجل المشقَّة والحاجةِ أولى.
قال الشافعي (٤) : وكان أرفقَ به يومَ عرفة تقديمُ العصر لأن يتصل له
ج ٢ ص ٦١٢الدعاء، فلا يقطعه بصلاة العصر؛ وأرفقَ بالمزدلفة أن يتصل له المسيرُ، ولا يقطعه بالنزول للمغرب، لما في ذلك من التضييق على الناس. والله أعلم (١) .
-
فصل
ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - الجمعُ راتبًا (٢) في أسفاره كما يفعله كثير من الناس، ولا الجمعُ حالَ نزوله أيضًا. وإنما كان يجمع إذا جدَّ به السَّيرُ أو إذا سار عقيب الصلاة كما ذكرنا في قصة تبوك.
-
وأما جمعُه وهو نازلٌ غيرُ مسافر، فلم يُنقَل ذلك عنه إلا بعرَفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي وشيخنا. ولهذا خصَّه أبو حنيفة بعرفة، وجعله من تمام النُّسك، ولا تأثير للسفر عنده فيه. وأحمد ومالك والشافعي جعلوا سببه السفر، ثم اختلفوا، فجعل الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثيرَ للسفر الطويل، ولم يجوّزاه (٣) لأهل مكة. وجوَّز مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمعَ والقصرَ بعرفة، واختارها شيخنا وأبو الخطاب في «عباداته» (٤) . ثم طرد شيخنا هذا وجعله أصلًا في جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره كما هو مذهب كثير من السلف، وجعله