بحث التغني بالقرآن وقراءته بالألحان

١٥ فقرة، ج ٢ ص ٦١٧

  1. أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد: مرَّ بنا أبو لُبابة، فاتبعناه حتى دخل بيته، فإذا رجلٌ رثُّ الهيئة. فسمعته يقول: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» . قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسَن الصوت؟ قال: يحسِّنه ما استطاع.

    قلت: ولا بدَّ من كشف هذه المسألة، وذكر اختلاف الناس فيها، واحتجاج كلِّ فريق، وما لهم وعليهم في احتجاجهم، وذكر الصواب في ذلك، بحول الله (١) ومعونته.

    فقالت طائفة: تُكرَه قراءة الألحان. وممن نصَّ على ذلك أحمد ومالك وغيرهما. فقال أحمد (٢) في رواية علي بن سعيد في (٣) قراءة الألحان: ما تعجبني وهو محدَث. وقال في رواية المرُّوذي: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع. وقال في رواية عبد الرحمن المتطبِّب: قراءة الألحان بدعة بدعة. وقال في رواية ابنه عبد الله، ويوسف بن موسى، ويعقوب بن بَخْتان، والأثرم، وإبراهيم بن الحارث: القراءة بالألحان لا تعجبني إلا أن يكون

    ج ٢ ص ٦١٨ذلك جِرْمَه (١) ، فيقرأ بحزنٍ مثل صوت أبي موسى. وقال في رواية صالح: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم» معناه أن يحسِّنه (٢) .

    وقال في رواية المرُّوذي: «ما أذِن الله لشيء كأَذَنه لنبيٍّ حسنِ الصَّوت أن يتغنَّى بالقرآن» ، وفي قوله: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» ، فقال: كان ابن عيينة يقول: يستغني به، وقال الشافعي: يرفع صوته. وذكر له حديث معاوية بن قُرَّة في قصة قراءة سورة الفتح والترجيع بها، فأنكر أبو عبد الله أن يكون هذا على معنى الألحان، وأنكر الأحاديث التي يُحتجُّ بها في الرخصة في الألحان.

    ج ٢ ص ٦١٧
  2. وروى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال: لا تعجبني. وقال: إنما هو غناء يتغنَّون به، ليأخذوا عليه الدراهم (٣) . وممن رويت عنه الكراهة: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيَّب، وسعيد بن جبير،

    ج ٢ ص ٦١٩والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي (١) .

    وقال عبد الله بن يزيد العُكبري (٢) : سمعت رجلًا يسأل أحمد ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال: ما اسمك؟ قال (٣) : محمد. قال (٤) : فيسرُّك أن يقال لك: يا مُوحمَّد، ممدود؟ قال القاضي أبو يعلى (٥) : وهذا مبالغة منه في الكراهة.

    وقال الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي: أوصى إليَّ رجل بوصية، وكان فيما خلَّف جاريةٌ تقرأ بالألحان، وكانت أكثرَ (٦) تركته أو عامَّتها. فسألتُ أحمد بن حنبل والحارث بن مسكين وأبا عبيد: كيف أبيعها؟ قالوا: بِعها ساذجةً. فأخبرتهم بما في بيعها من النقصان، فقالوا: بِعها ساذجةً (٧) . قال القاضي: وإنما قالوا ذلك لأنَّ سماع ذلك منها مكروه، فلا يجوز (٨) أن

    ج ٢ ص ٦٢٠يعاوَض عليه كالغناء.

    قال ابن بطال (١) : وقالت طائفة: التغنِّي بالقرآن هو تحسين الصوت به والترجيع بقراءته. والتغنِّي بما شاء من الأصوات واللحون. قال: هو قول ابن المبارك والنَّضر بن شُمَيل.

    قال (٢) : وممن أجاز الألحان في القرآن: ذكر الطبري عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى: ذكِّرنا ربَّنا. فيقرأ أبو موسى ويتلاحن (٣) . وقال: من استطاع أن يتغنَّى (٤) بالقرآن غناءَ أبي موسى فليفعل (٥) . وكان عُقْبة بن عامر من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فقال له عمر: اعرِض عليّ سورة كذا. فعرض عليه، فبكى عمر، وقال: ما كنت أظن أنها نزلت (٦) .

    قال (٧) : وأجازه ابن عباس وابن مسعود، وروي عن عطاء بن أبي رباح. قال: وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبَّع الصوت الحسن في

    ج ٢ ص ٦٢١المساجد في شهر رمضان (١) . وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنهم كانوا يستمعون القراءة (٢) بالألحان. وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يستمعون (٣) القراءة بالألحان (٤) . وهذا اختيار ابن جرير الطبري.

    قال المجوِّزون واللفظ لابن جرير (٥) : الدليل على أن معنى الحديث تحسين الصوت والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامعَ قراءته، كما أنَّ الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه= ما روى سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لنبيٍّ حسَنِ الترنُّم (٦) بالقرآن» (٧) ، ومعقولٌ عند ذوي الحِجا أنَّ الترنُّم لا يكون إلا بالصوت إذا حسّنه المترنِّم وطرَّب به. وروي في هذا الحديث: «ما

    ج ٢ ص ٦٢٢أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لنبيٍّ (١) حسَنِ الصوت يتغنَّى بالقرآن، يجهَر به» (٢) .

    قال الطبري (٣) : وهذا الحديث أبيَنُ البيان أنَّ ذلك كما قلنا. ولو كان كما قال ابن عيينة ــ يعني: يستغني به عن غيره ــ لم يكن لذكر حُسنِ الصَّوت والجَهْرِ به معنًى. والمعروف في كلام العرب أنَّ التغنِّي إنما هو الغناء الذي هو حُسن الصوت بالترجيع. قال الشاعر (٤) :

    تغَنَّ بالشِّعر إمَّا كنتَ قائله ... إنَّ الغناء لهذا الشعر مضمارُ

    قال: وأما ادعاء الزاعم (٥) أن «تغنَّيت» بمعنى «استغنيت» فاشٍ (٦) في كلام العرب، فلم نعلم أحدًا من أهل العلم بكلام العرب قاله.

  3. وأما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى (٧) :

    وكنتُ امرأً زَمنًا بالعراق ... عفيفَ المناخ طويلَ التَّغَنْ

    وزعم أنه أراد بقوله: «طويل التغنِّي» : طويل الاستغناء= فإنه غلط منه.

  4. وإنما عنى الأعشى بالتغنِّي في هذا الموضع الإقامةَ، من قول العرب: غنِيَ فلان بمكان كذا، إذا أقام به. ومنه قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: ٩٢] . وأما استشهاده بقوله (١) :

    كلانا غنيٌّ عن أخيه حياتَه ... ونحن إذا متنا أشدُّ تغانيا

    =فإنه إغفال منه، وذلك أنَّ «التغاني» تفاعل من نفسين (٢) إذا استغنى كلُّ واحد منهما عن صاحبه، كما يقال: تضارب الرجلان، إذا ضرب كلُّ واحد منهما صاحبَه وتشاتما وتقاتلا. ومن قال هذا القول في فعل اثنين لم يجُز أن يقول مثله في فعل الواحد، فيقول: تغانى زيد، وتضاربَ عمرو. وكذلك غير جائز أن يقول: تغنَّى زيد بمعنى استغنى إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء وهو غير مستغن، كما يقال: تجلَّد فلان إذا أظهر جلدًا من نفسه وهو غير جليد، وتشجَّع وتكرَّم.

    ج ٢ ص ٦٢٣
  5. فإن وجَّه موجِّهٌ التغنيَّ بالقرآن إلى هذا المعنى ــ على بُعده من مفهوم كلام العرب ــ كانت المصيبة في خطئه (٣) في ذلك أعظم، لأنه يوجب بذلك من

    ج ٢ ص ٦٢٤تأوُّله (١) أن يكون الله تعالى ذكرُه لم يأذن لنبيِّه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذِن له أن يُظهِر من نفسه لنفسه خلافَ ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فساده.

    قال (٢) : ومما يبيِّن فساد تأويل ابن عيينة أيضًا: أنَّ الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون «الأَذَن» عند ابن عيينة بمعنى الإذْن الذي هو إطلاق وإباحة. فإن كان كذلك فهو غلط من وجهين، أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه.

  6. أما اللغة، فإنَّ «الأَذَن» مصدر قوله: أذِن فلانٌ لكلام فلان، فهو يأذَن له، إذا استمعَ له وأنصَت، كما قال تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: ٢] بمعنى سمعت لربِّها، وحُقَّ لها ذلك؛ كما قال عدي بن زيد:

    إنَّ هَمِّي في سَماعٍ وأَذَنْ (٣)

  7. يعني: في سماع واستماع. فمعنى قوله: «ما أذِنَ الله لشيء» إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع (٤) إلى نبيٍّ يتغنَّى بالقرآن.

  8. وأما الإحالة في المعنى، فلأنَّ الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفُه بأنه مسموع ومأذون له. انتهى كلام الطبري.

    ج ٢ ص ٦٢٥قال أبو الحسن بن بطال (١) : وقد رفَع الإشكالَ في هذه المسألة أيضًا ما (٢) رواه ابن أبي شيبة (٣) ، حدثنا زيد بن الحُباب قال: حدثني موسى بن أبي رباح (٤) ، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعلَّموا القرآن وغَنُّوا (٥) به، واكتبوه. فوالذي نفسي بيده، لَهُو أشدُّ تفصِّيًا من المَخاض من العُقُل».

    قال (٦) : وذكر عمر بن شبَّة (٧) قال: ذُكِر لأبي عاصم النبيل تأويلُ ابن

    ج ٢ ص ٦٢٦عيينة في قوله: «يتغنَّى بالقرآن» : يستغني به، فقال: لم يصنع ابن عيينة شيئًا. حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: كانت لداود نبيِّ الله - صلى الله عليه وسلم - مِعْزَفةٌ يتغنَّى عليها، فيبكي ويُبكي. وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، يلوِّن (١) فيهن. ويقرأ قراءةً يطرب منها المحموم (٢) .

  9. وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال (٣) : نحن أعلم بهذا. لو أراد الاستغناء لقال: «من لم يستغنِ بالقرآن» ، ولكن لما قال: «يتغنَّ (٤) بالقرآن» علمنا أنه أراد به التغنِّي.

    قالوا: ولأنَّ تزيينَه وتحسينَ الصَّوت به والتطريبَ بقراءته أوقعُ في النفوس، وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه، ففيه تنفيذٌ للفظه إلى الأسماع ومعانيه إلى القلوب؛ وذلك عون على المقصود. وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعَل في الدواء لتنفِّذه (٥) إلى مواضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعَل في الطعام لتكون الطبيعة أعظمَ له قبولًا، وبمنزلة الطِّيب والتحلِّي وتجمُّل المرأة لبعلها ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح.

    قالوا: ولا بدَّ للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء، فعُوِّضت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كلِّ محرَّم ومكروه بما هو خير لها منه،

    ج ٢ ص ٦٢٧كما عوِّضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محض التوحيد والتوكل، وعن السِّفاح بالنكاح، وعن القمار بالمراهنة في النِّضال وسباق الخيل، وعن السَّماع الشيطاني بالسَّماع الرحماني القرآني. ونظائره كثيرة جدًّا.

    قالوا: والمحرَّم لا بد أن يشتمل على مفسدة راجحة أو خالصة، وقراءةُ التطريب والألحان لا تتضمَّن شيئًا من ذلك، فإنَّها لا تُخرج الكلام عن وضعه، ولا تحول بين السامع وبين فهمه. ولو كانت متضمِّنةً لزيادة الحروف كما ظنَّ المانع منها لأخرجت الكلمةَ عن موضوعها (١) ، وحالت بين السامع وبين فهمها ولم يدر ما معناها، والواقع بخلاف ذلك.

    قالوا: وهذا التطريب والتلحين أمر راجع إلى كيفية الأداء، وتارةً يكون سليقةً وطبيعةً، وتارةً يكون تكلُّفًا وتعمُّلًا. وكيفياتُ الأداء لا تُخْرج الكلام عن موضوع (٢) مفرداته، بل هي صفاتٌ لصوت المؤدِّي له (٣) ، جاريةٌ مجرى ترقيقه وتفخيمه وإمالته، وجاريةٌ مجرى مدود القراء (٤) الطويلة والمتوسطة؛ لكن تلك الكيفيات متعلِّقة بالحروف، وكيفياتُ الألحان والتطريب متعلِّقة بالأصوات. والآثار في هذه الكيفيات لا يمكن نقلها، بخلاف كيفيات أداء

    ج ٢ ص ٦٢٨الحروف. فلهذا نُقلِت تلك بألفاظها، ولم يمكن نقلُ هذه بألفاظها، بل نُقِل منها ما أمكن نقلُه، كترجيع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سورة الفتح بقوله: آ آ آ.

    قالوا: والتطريب والتلحين يرجع إلى أمرين: إلى مدٍّ وترجيع. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يمُدُّ صوتَه بالقراءة. يمُدُّ (الرحمن) ويمُدُّ (الرحيم) . وثبت عنه الترجيع كما تقدَّم.

    قال المانعون من ذلك: الحجة لنا وجوه. أحدها: ما رواه حذيفة بن اليمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقرؤوا القرآن بلُحون العرب وأصواتها. وإياكم ولُحونَ أهل الكتاب والفسق، فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنَّوح، لا يجاوِزُ حناجرَهم، مفتونةً قلوبهم وقلوبُ الذين يُعجِبهم شأنُهم» . رواه أبو الحسن رَزين في «تجريد الصِّحاح» ، ورواه أبو عبد الله الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» (١) . واحتجَّ به القاضي أبو يعلى في «الجامع» . واحتجَّ معه بحديث آخر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذكر شرائط الساعة وذكر أشياء منها: «وأن يُتَّخذ القرآنُ مزاميرَ، يقدِّمون أحدَهم ليس بأقرئهم ولا

    ج ٢ ص ٦٢٩أفضلِهم (١) ، إلا ليغنِّيهم غِناءً» (٢) .

    قالوا: وقد جاء زياد النُّمَيري (٣) إلى أنس بن مالك (٤) مع القراء، فقيل له: اقرأ، فرفَع صوته وطرَّب، وكان رفيع الصوت. فكشَف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوداء، فقال: يا هذا، ما هكذا كانوا يفعلون. وكان إذا رأى شيئًا ينكره كشف الخرقةَ عن وجهه (٥) .

    قالوا: وقد منع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المؤذِّنَ المطرِّبَ في أذانه من التطريب، كما روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذِّن يطرِّب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سمحًا سهلًا وإلا فلا تؤذِّن» . رواه الدارقطني (٦) .

  10. وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ (١) من حديث قتادة عن عبد الرحمن بن أبي بكر (٢) عن أبيه قال: كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدّ ليس فيها ترجيع.

    قالوا: والترجيع والتطريب يتضمَّن: همز ما ليس بمهموز، ومدّ ما ليس بممدود، وترجيع الألف الواحدة ألفات، والواو واوات، والياء ياءات، فيؤدِّي ذلك إلى زيادة في القرآن، وذلك غير جائز.

    قالوا: ولا حدَّ لما يجوز من ذلك وما لا يجوز منه. فإن حُدَّ بحدٍّ معيَّن كان تحكُّمًا في كتاب الله ودينه، وإن لم يُحَدَّ بحَدٍّ أفضى إلى أن يطلق لفاعله ترديدَ (٣) الأصوات، وكثرةَ الترجيعات، والتنوُّعَ في أصناف الإيقاعات والألحان المشبهة للغناء كما يفعل أهل الغناء بالأبيات، كما (٤) يفعله كثيرٌ

    ج ٢ ص ٦٣١من القرَّاء أمام الجنائز، ويفعله كثيرٌ من قرَّاء الأصوات، مما يتضمَّن تغييرَ كتاب الله والغناءَ به على نحو ألحان الشعر والغناء به، ويوقعون الإيقاعات عليه مثل الغناء سواءً، اجتراءً على الله وكتابه، وتلاعُبًا بالقرآن، وركونًا إلى تزيين الشيطان؛ ولا يجيز ذلك أحد من علماء الإسلام. ومعلوم أنَّ التطريب والتلحين ذريعة مفضية إلى هذا إفضاءً قريبًا، فالمنعُ منه كالمنع من الذرائع الموصلة إلى الحرام.

    ج ٢ ص ٦٣٠
  11. فهذا نهاية أقدام الفريقين، ومنتهى احتجاج الطائفتين.

  12. وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين:
  13. أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به، من غير تكلُّف ولا تمرين وتعليم، بل إذا خُلِّي وطبعَه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين كما قال أبو موسى للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو علمتُ أنَّك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا» (١) . والحزين ومن هاجه الطربُ والحبُّ والشوقُ لا يملك من نفسه دفعَ التحزين والتطريب في القراءة، ولكنَّ النفوس تقبله وتستحليه وتستملحه (٢) لموافقة الطبع وعدم التكلُّف والتصنُّع فيه، فهو مطبوع لا متطبِّع، وكلِفٌ لا متكلِّف. فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنِّي الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثَّر به التالي والسامع. وعلى هذا الوجه تُحمَل أدلَّةُ أرباب هذا القول كلُّها.

  14. الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائع، ليس في الطبع السماحةُ به، بل لا يحصل إلا بتكلُّف وتصنُّع وتمرُّن، كما يتعلَّم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركَّبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلُّم والتكلُّف. فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذمُّوها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها. وأدلَّةُ أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه.

    ج ٢ ص ٦٣٢
  15. وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبيَّن الصواب من غيره. وكلُّ من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلَّفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها أو يسوِّغوها؛ ويعلمُ (١) قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجًى تارةً، وبطرب تارةً، وبشوق تارةً. وهذا أمر (٢) في الطباع تقاضيه (٣) ، ولم ينه عنه الشارعُ مع (٤) شدَّة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه، وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به (٥) ، وقال: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» . وفيه وجهان، أحدهما: أنه إخبار بالواقع، أي كلُّنا نفعله. والثاني: أنه نفيٌ لهَدْيِ من لم يفعله عن هَدْيه وطريقته. والله أعلم.