بحث في صيام يوم عاشوراء، والجواب عن الإشكالات الواردة عليه
٣٧ فقرة، ج ٣ ص ٨٣
- ج ٣ ص ٨٣
وأمَّا صيام ستَّة أيَّامٍ من شوَّالٍ فصحَّ عنه أنَّ صيامها مع رمضان يَعدِل صيامَ الدَّهر (١) .
-
وأمَّا صيام (٢) يوم عاشوراء فإنَّه كان يتحرَّى صومه على سائر الأيَّام، ولمَّا قدم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظِّمه، فقال: «نحنُ أحقُّ بموسى منكم» . فصامه وأمر بصيامه (٣) ، وذلك قبل فرض رمضان، فلمَّا فُرِض رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه» (٤) .
-
وقد استشكل بعض النَّاس (٥) هذا وقال: رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما قدِمَ المدينةَ في شهر ربيعٍ الأوَّل، فكيف يقول ابن عبَّاسٍ: إنَّه قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء؟
-
وفيه إشكالٌ آخر، وهو أنَّه قد ثبت في «الصَّحيحين» (٦) عن عائشة أنَّها قالت: كانت قريشٌ تصوم عاشوراء في الجاهليَّة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه، فلمَّا هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه (٧) ، فلمَّا فُرِض شهر رمضان قال: «من شاء صامه ومن شاء تركه» .
- ج ٣ ص ٨٤
وإشكالٌ آخر، وهو ما ثبت في «الصَّحيحين» (١) أنَّ الأشعث بن قيسٍ دخل على عبد الله بن مسعودٍ وهو يتغدَّى، فقال: أبا محمد، ادنُ إلى الغداء. قال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنَّما هو يومٌ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلمَّا نزل رمضان تركه.
-
وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صام يوم عاشوراء أو أمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنَّه يومٌ تعظِّمه اليهود والنَّصارى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان العامُ المقبلُ إن شاء الله صمنا اليوم التَّاسع» . فلم يأتِ العام المقبل حتَّى توفِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
فهذا فيه أنَّ صومه والأمر بصيامه قبل وفاته بعامٍ، وحديثه المتقدِّم فيه أنَّ ذلك كان عند مقدمه المدينة. ثمَّ ابن مسعودٍ أخبر أنَّ يوم عاشوراء تُرِك برمضان، وهذا يخالفه حديث ابن عبَّاسٍ المذكور، ولا يمكن أن يقال: تُرِك فرضه، لأنَّه لم يفرض، لما قد ثبت في «الصَّحيحين» (٣) عن معاوية بن أبي سفيان سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائمٌ، فمن شاء فليصم (٤) ، ومن شاء فليُفطِر». ومعاوية إنَّما سمع هذا بعد الفتح قطعًا.
- ج ٣ ص ٨٥
وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ مسلمًا روى في «صحيحه» (١) عن عبد الله بن عبَّاسٍ أنَّه لمَّا قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ هذا اليوم تُعظِّمه اليهود والنَّصارى، قال: «إن (٢) بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التّاسع»، فلم يأتِ العام القابل حتَّى توفِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثمَّ روى مسلم في «صحيحه» (٣) عن الحكم [بن] (٤) الأعرج قال: انتهيتُ إلى ابن عبَّاسٍ وهو متوسِّدٌ رداءه في زمزم، فقلت له: أخبِرْني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيتَ هلال المحرَّم فاعدُدْ، وأصبِحِ التّاسعَ صائمًا. قلت: هكذا كان يصومه محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم.
-
وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ صومه إن كان مفروضًا في أوَّل الإسلام فلم يأمرهم بقضائه، وقد فات تبييتُ النية له من اللَّيل، وإن لم يكن فرضًا فكيف أمر بإتمام الإمساك من كان أكل؟ كما في «المسند» و «السُّنن» (٥) من وجوهٍ متعدِّدةٍ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من كان طعِمَ فيه أن يُتِمَّ بقيَّة يومه. وهذا إنَّما يكون في الواجب، وكيف يصحُّ قول ابن مسعودٍ: فلمَّا فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء، واستحبابه لم يُترك؟
-
وإشكالٌ آخر، وهو أنَّ ابن عبَّاسٍ جعل عاشوراء يوم التَّاسع، وأخبر أنَّ هكذا كان يصومه - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي روى عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا يوم
ج ٣ ص ٨٦عاشوراء، وخالِفوا اليهودَ، صوموا يومًا قبله ويومًا بعده». ذكره أحمد (١) . وهو الذي روى (٢) : «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصوم عاشوراء يوم العاشر» . ذكره الترمذي (٣) .
- والجواب عن هذه الإشكالات بعون الله وتوفيقه وتأييده:
-
أمَّا الإشكال الأوَّل، وهو أنَّه لمَّا قدم المدينة وجدهم يصومون عاشوراء، فليس فيه أنَّ يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنَّه إنَّما قدم يوم الاثنين في ربيعٍ الأوَّل ثاني عشره، ولكنَّ أوَّل علمه بذلك ووقوع القصَّة في اليوم كان بعد قدومه المدينة، لم يكن وهو بمكَّة، هذا إن كان حساب أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلاليَّة، وإن كان بالشَّمسيَّة كما هو دينهم المعروف (٤) زال الإشكال بالكلِّيَّة، ويكون اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء من أوَّل المحرَّم، فضبطه أهل الكتاب بالشُّهور الشَّمسيَّة، فوافق ذلك مقدمَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ في ربيعٍ الأوَّل (٥) ، وصوم أهل الكتاب
ج ٣ ص ٨٧إنَّما هو بحساب سَير (١) الشّمس، وصوم المسلمين إنَّما هو بالشَّهر الهلاليِّ، وكذلك حجُّهم وجميعُ ما تعتبر له الأشهر من واجبٍ ومستحبٍّ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «نحن أحقُّ بموسى منكم» . فظهر حكم هذه الأولويَّة في تعظيم هذا اليوم وفي تعيينه، وهم أخطأوا تعيينه لدورانه في السَّنة الشَّمسيَّة، كما أخطأ النَّصارى تعيينَ صومهم بأن جعلوه في فصلٍ من السَّنة تختلف فيه الأشهر.
-
فصل
وأمَّا الإشكال الثاني، وهو أنَّ قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهليَّة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه، فلا ريبَ أنَّ قريشًا كانت تعظِّم هذا اليوم، وكانوا يَكْسُون (٢) الكعبةَ فيه، وصومه من تمام تعظيمه، ولكن إنَّما كانوا يعدُّون بالأهلَّة، فكان عندهم عاشر المحرَّم، فلمَّا قدم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة (٣) وجدهم يعظِّمون ذلك اليوم ويصومونه، فسألهم عنه فقالوا: هو اليوم الذي نجَّى (٤) الله فيه موسى وقومه من فرعون، فقال: «نحن أحقُّ بموسى منكم» ، فصامه وأمر بصيامه (٥) تقريرًا لتعظيمه وتأكيدًا، وأخبر أنه - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته أحقُّ بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شكرًا لله كنَّا أحقَّ أن نقتدي به (٦) من اليهود، ولا سيَّما إذا قلنا: شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يخالفه شرعنا.
- ج ٣ ص ٨٨
فإن قيل: من أين لكم أنَّ موسى صامه؟
-
قلنا: ثبت في «الصَّحيحين» أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا سألهم عنه قالوا: يومٌ عظيمٌ أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم» ، فصامه وأمر بصيامه. فلمَّا أقرَّهم على ذلك ولم يكذِّبهم عُلِم أنَّ موسى صامه شكرًا للَّه، فانضمَّ هذا القدر إلى التَّعظيم الذي كان قبل الهجرة، فازداد تأكيدًا حتَّى بعثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديًا ينادي في الأنصار (١) بصومه وإمساكِ من كان أكل، والظَّاهر أنَّه حتَّم ذلك عليهم وأوجبه، كما سيأتي تقريره إن شاء الله.
-
فصل
وأمَّا الإشكال الثالث، وهو أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم يوم عاشوراء قبل أن ينزل فرض رمضان، فلمَّا نزل فرض رمضان تركه، فهذا لا يمكن التَّخلُّص منه إلا بأنَّ صيامه كان فرضًا قبل رمضان، وحينئذٍ فيكون المتروك وجوب صومه لا استحبابه، ويتعيَّن هذا ولا بدَّ، لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال قبل وفاته بعامٍ وقد قيل له: إنَّ اليهود تصومه: «لئن عشتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التَّاسع» أي معه، وقال: «خالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» (٢) أي معه، ولا ريبَ أنَّ هذا كان في آخر الأمر، وأمَّا في أوَّل الأمر فكان يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيءٍ، فعُلِم أنَّ استحبابه لم يُترك.
- ج ٣ ص ٨٩
ويلزم من قال: إنَّ صومه لم يكن واجبًا، أحدُ الأمرين: إمَّا أن يقول: تُرِك استحبابه فلم يبقَ مستحبًّا، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعودٍ برأيه، وخفي عليه استحباب صومه، وهذا بعيدٌ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حثَّهم على صيامه، وأخبر أنَّ صومه يكفِّر السَّنة الماضية (١) ، واستمرَّ الصَّحابة على صيامه إلى حين وفاته، ولم يَرِدْ (٢) عنه حرفٌ واحدٌ بالنَّهي عنه وكراهة صومه، فعُلِم أنَّ الذي تُرِك وجوبُه لا استحبابه.
-
فإن قيل: حديث معاوية المتَّفق عليه صريحٌ في عدم فرضيَّته وأنَّه لم يُفرَض قطُّ.
-
فالجواب: أنَّ حديث معاوية صريحٌ في نفي استمرار وجوبه، وأنَّه الآن غير واجبٍ، ولا ينفي وجوبًا متقدِّمًا منسوخًا، فإنَّه لا يمتنع أن يقال لِما كان واجبًا ونُسِخ وجوبه: «إنّ الله لم يكتبه علينا» (٣) .
-
وجوابٌ ثانٍ: أنَّ غايته أن يكون النَّفي عامًّا في الزَّمان الماضي والحاضر، فيُخَصُّ بأدلَّة الوجوب في الماضي ويُترك النَّفي على استمرار الوجوب.
-
وجوابٌ ثالثٌ: وهو أنَّه - صلى الله عليه وسلم - إنَّما نفى أن يكون فرضه ووجوبه مستفادًا من جهة القرآن، ودلَّ على هذا بقوله: «إنَّ الله لم يكتبه علينا» ، وهذا لا ينفي الوجوب بغير ذلك، فإنَّ الواجب الذي كتبه الله على عباده هو ما أخبرهم بأنَّه كتبه عليهم، كقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: ١٨٣] ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -
ج ٣ ص ٩٠أنَّ صوم عاشوراء لم يدخل (١) في هذا المكتوب الذي كتبه الله علينا، قطعًا لتوهُّم من يتوهَّم أنَّه داخلٌ فيما كتبه علينا، فلا تناقضَ بين هذا وبين الأمر السَّابق بصيامه الذي صار منسوخًا بهذا الصِّيام المكتوب.
-
يُوضِّح هذا أنَّ معاوية إنَّما سمع هذا منه بعد فتح مكَّة، واستقرار فرض رمضان، ونَسْخ وجوب عاشوراء به. والَّذين شهدوا أمره بصيامه والنِّداء بذلك وبالإمساك لمن أكل، شهدوا ذلك قبل فرض رمضان عند مقدَمِه المدينةَ، وفرضُ رمضان كان في السَّنة الثَّانية من الهجرة، فتوفِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صام تسع رمضاناتٍ، فمن شهد الأمر بصيامه شهده قبل نزول فرض رمضان، ومن شهد الإخبار عن عدم فرضه شهده في آخر الأمر بعد فرض رمضان. وإن لم يُسلَك هذا المسلك تناقضت أحاديث الباب واضطربت.
-
فإن قيل: فكيف يكون فرضًا ولم يحصل تبييت النية من اللَّيل، وقد قال: «لا صيامَ لمن لم يُبيِّتِ الصِّيام من اللَّيل» (٢) .
-
فالجواب: أنَّ هذا الحديث قد اختُلِف فيه: هل هو من كلام النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو من قول حفصة وعائشة؟ فأمَّا حديث حفصة: فأوقفه عليها معمر،
ج ٣ ص ٩١والزبيدي (١) ، وسفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد الأيليُّ، عن الزُّهريِّ، ورفعه بعضهم، وأكثر أهل الحديث يقولون: الموقوف أصحُّ. وقال الترمذي (٢) : وقد رُوي عن نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصحُّ. ومنهم من يصحِّح رفعه لثقة رافعه وعدالته. وحديث عائشة أيضًا (٣) رُوي مرفوعًا وموقوفًا، واختُلِف في تصحيح رفعه.
-
فإن لم يثبت رفعه فلا كلامَ، وإن ثبت رفعه فمعلومٌ أنَّ هذا إنَّما قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخِّرٌ عن الأمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك تجديد حكمٍ واجبٍ وهو التَّبييت، وليس نسخًا لحكمٍ ثابتٍ بخطابٍ، فإجزاء صيام عاشوراء بنيَّةٍ من النَّهار كان قبل فرض رمضان وقبل فرض التَّبييت من اللَّيل، ثمَّ نُسخ وجوب صومه برمضان وتجدَّد وجوب التَّبييت. فهذه طريقةٌ.
-
وطريقةٌ ثانيةٌ: وهي طريقة أصحاب أبي حنيفة، أنَّ وجوب عاشوراء تضمَّن أمرين: وجوبَ صوم ذلك اليوم وإجزاءه بنيَّةٍ من النَّهار، ثمَّ نُسخ تعيين الواجب بواجبٍ آخر، فبقي حكم الإجزاء بنيَّةٍ من النَّهار غير منسوخٍ (٤) .
-
وطريقةٌ ثالثةٌ: وهي أنَّ الوجوب (٥) تابعٌ للعلم، ووجوب عاشوراء إنَّما
ج ٣ ص ٩٢عُلِم من النَّهار، وحينئذٍ فلم يكن التَّبييت ممكنًا، فالنية وجبت وقتَ تجدُّد الوجوب والعلم به، وإلَّا كان تكليفًا بما لا يطاق وهو ممتنعٌ. قالوا: وعلى هذا إذا قامت (١) البيِّنة بالرُّؤية في أثناء النَّهار أجزأ صومه بنيَّةٍ مقارنةٍ للعلم بالوجوب، وأصله صوم يوم عاشوراء.
-
وهذه طريقة شيخنا، وهي كما تراها أصحُّ الطُّرق وأقربها إلى موافقة أصول الشَّرع وقواعده، وعليها تدلُّ الأحاديث ويجتمع شَمْلُها الذي يُظنُّ تفرُّقه، ويُتخلَّص من دعوى النَّسخ بغير ضرورةٍ. وغير هذه الطَّريقة لا بدَّ فيه من مخالفة قاعدةٍ من قواعد الشَّرع أو مخالفة بعض الآثار.
-
وإذا كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أهل قُباءٍ بإعادة الصَّلاة الَّتي صلَّوا بعضها إلى القبلة المنسوخة إذ لم يبلغهم وجوب التَّحوُّل، فكذلك من لم يبلغه وجوب فرض الصَّوم أو لم يتمكَّن من العلم بسبب وجوبه، لم يؤمر بالقضاء، ولا يقال: إنَّه ترك التَّبييت الواجب، إذ وجوب التَّبييت تابعٌ للعلم بوجوب المبيَّت، وهذا في غاية الظُّهور.
-
ولا ريبَ أنَّ هذه الطَّريقة أصحُّ من طريقة من يقول: كان عاشوراء فرضًا، وكان يُجزئ صيامه بنيَّةٍ من النَّهار، ثمَّ نُسخ الحكم بوجوبه فنُسخت متعلِّقاته، ومن متعلِّقاته إجزاء صيامه بنيَّةٍ من النَّهار؛ لأنَّ متعلِّقاته تابعةٌ له، وإذا زال المتبوع زالت توابعه وتعلُّقاته، فإنَّ إجزاء الصيام (٢) الواجب بنيَّةٍ من النَّهار لم يكن من متعلِّقات (٣) خصوص هذا اليوم، بل من متعلِّقات
ج ٣ ص ٩٣الصَّوم الواجب، والصَّوم الواجب لم يَزُل، وإنَّما زال تعيينُه فنُقِل من محلٍّ إلى محلٍّ، والإجزاء بنيَّةٍ من النَّهار وعدمه من توابع أصل الصَّوم لا تعيينه.
-
وأصحُّ من طريقة من يقول: إنَّ صوم يوم عاشوراء لم يكن واجبًا قطُّ؛ لأنَّه قد ثبت الأمر به، وتأكيد الأمر بالنِّداء العامِّ، وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل بالإمساك، وكلُّ هذا ظاهرٌ قويٌّ في الوجوب، ويقول ابن مسعودٍ: إنَّه لمَّا فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء. ومعلومٌ أنَّ استحبابه لم يُترك بالأدلَّة الَّتي تقدَّمت وغيرها، فتعيَّن (١) أن يكون المتروك وجوبه.
-
فهذه خمس (٢) طرقٍ للنَّاس في ذلك. والله الموفق للصواب.
-
فصل
وأمَّا الإشكال الرابع، وهو أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التَّاسع» ، وأنَّه توفِّي قبل العام المقبل، وقول ابن عبَّاسٍ: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم التَّاسع (٣) = فابن عبَّاسٍ روى هذا وهذا، وصحَّ عنه هذا وهذا، ولا تَنافيَ بينهما، إذ من الممكن أن يصوم التَّاسع ويخبر أنَّه إن بقي إلى (٤) العام القابل صامه، أو يكون ابن عبَّاسٍ أخبر عن فعله مستندًا إلى ما عزم عليه ووعد به، ويصحُّ الإخبار عن ذلك مقيَّدًا، أي: كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقًا إذا علم الحال. وعلى كلِّ واحدٍ من الاحتمالين فلا تَنافيَ بين الخبرين.
- ج ٣ ص ٩٤
فصل
وأمَّا الإشكال الخامس، فقد تقدَّم جوابه بما فيه كفايةٌ.
-
فصل
وأمَّا الإشكال السادس، وهو قول ابن عبَّاسٍ: اعدُدْ تسعًا وأصبِحْ يوم التَّاسع (١) صائمًا، فمن تأمَّل مجموع روايات ابن عبَّاسٍ تبيَّن له زوال الإشكال، وسعةُ علم ابن عبَّاسٍ، فإنَّه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التَّاسع، بل قال للسَّائل: صم اليوم التَّاسع، واكتفى بمعرفة السَّائل أنَّ يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعدُّه النَّاس كلُّهم يوم عاشوراء، فأرشد السَّائل إلى صيام التَّاسع معه، وأخبر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصومه كذلك. فإمَّا أن يكون فعلَ ذلك وهو الأولى، وإمَّا أن يكون حملَ فعلَه على الأمر به وعزمِه عليه في المستقبل، ويدلُّ على ذلك أنَّه هو الذي روى: «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» ، وهو الذي روى: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر» . وكلُّ هذه الآثار عنه يُصدِّق بعضها بعضًا ويؤيِّد بعضها بعضًا (٢) .
-
فمراتب صومه ثلاثةٌ: أكملُها أن يصام قبله يومٌ وبعده يومٌ، ويلي ذلك أن يصام التَّاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصَّوم. وأمَّا إفراد التَّاسع فمِنْ نَقْصِ فهم الآثار، وعدمِ تتبُّع ألفاظها وطرقها، وهو بعيدٌ من اللُّغة والشَّرع، والله الموفِّق للصَّواب.
-
وقد سلك بعض أهل العلم مسلكًا آخر فقال: قد ظهر أنَّ القصد مخالفة