فصل في وصف حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -
٧٦ فقرة، ج ٣ ص ١٢٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ٣ ص ١٢٣
فريضة (١) الحجِّ، وإنَّما فيها الأمرُ بإتمامه وإتمامِ العمرة بعد الشُّروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوبَ الابتداء.
-
فإن قيل: فمن أين لكم تأخُّر (٢) نزول فرضه إلى التَّاسعة أو العاشرة؟
-
قيل: لأنَّ صدْر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنَّما نزلت عام تبوك سنة تسعٍ، وفيها نزل صدر سورة (٣) آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التَّوحيد والمباهلة. ويدلُّ عليه أنَّ أهل مكَّة وجدوا في نفوسهم بما فاتهم من التِّجارة من المشركين لمَّا أنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: ٢٨] ، فأعاضهم الله من ذلك بالجزية. ونزولُ هذه الآيات (٤) والمناداةُ بها إنَّما كان في سنة تسعٍ، وبعث الصِّدِّيق يؤذِّن بذلك في مكَّة في مواسم الحجِّ، وأردفه بعلي. وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحدٍ من السَّلف. والله أعلم.
-
فصل
ولمَّا عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحجِّ أعلمَ النَّاسَ أنَّه حاجٌّ، فتجهَّزوا للخروج معه، وسمع بذلك مَن حول المدينة، فقدموا يريدون الحجَّ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووافاه في الطَّريق خلائقُ لا يُحصَون، فكانوا من بين يديه
ج ٣ ص ١٢٤ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مدَّ البصر. وخرج من المدينة نهارًا بعد الظُّهر لستٍّ بقين من ذي القعدة بعد أن صلَّى الظُّهر بها أربعًا، وخطبَهم قبل ذلك خطبةً علَّمهم فيها الإحرامَ وواجباتِه وسننَه.
قال ابن حزمٍ (١) : وكان خروجه يوم الخميس.
قلت: والظَّاهر أنَّ خروجه كان يوم السَّبت، واحتجَّ أبو محمد ابن حزمٍ على قوله بثلاث مقدِّماتٍ، إحداها: أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين من ذي القعدة. والثَّانية: أنَّ استهلال ذي الحجَّة كان يوم الخميس. والثَّالثة: أنَّ يوم عرفة كان يوم الجمعة. واحتجَّ على أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين من ذي القعدة بما روى البخاريُّ (٢) من حديث ابن عبَّاسٍ: انطلق النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من المدينة بعدما ترجَّل وادَّهن، فذكر الحديث. وقال: وذلك لخمسٍ بقين من ذي القعدة (٣) .
قال ابن حزمٍ (٤) : وقد نصَّ عمر (٥) على أنَّ يوم عرفة كان يوم الجمعة، وهو التَّاسع، فاستهلالُ ذي الحجَّة بلا شكٍّ ليلة الخميس، فآخرُ ذي القعدة يوم الأربعاء، فإذا كان خروجه لستِّ ليالٍ بقين من ذي القعدة كان يوم الخميس، إذ الباقي بعده ستُّ ليالٍ سواء.
-
ووجهُ ما اخترناه أنَّ الحديث صريحٌ في أنَّه خرج لخمسٍ بقين، وهي يوم
ج ٣ ص ١٢٥السَّبت والأحد والاثنين والثُّلاثاء والأربعاء، فهذه خمسٌ، وعلى قوله يكون خروجه لسبعٍ بقين، فإن لم يعدَّ يوم الخروج كان لستٍّ، وأيُّهما كان فهو خلاف الحديث.
-
وإن اعتبر اللَّيالي كان خروجه لستِّ ليالٍ بقين لا لخمسٍ، فلا يصحُّ الجمع بين خروجه يومَ الخميس وبين بقاء خمسٍ من الشَّهر البتَّةَ، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السَّبت، فإنَّ (١) الباقي بيوم الخروج خمسٌ بلا شكٍّ. ويدلُّ عليه أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذكر لهم في خطبته شأنَ الإحرام وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظَّاهر أنَّ هذا كان يوم الجمعة، لأنَّه لم يُنقل أنَّه جمعهم ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر هذه الخطبة بالمدينة على منبره. وكان عادته - صلى الله عليه وسلم - أن يعلِّمهم في كلِّ وقتٍ ما يحتاجون إليه إذا حضر فعلُه، فأولى الأوقات به الجمعة الَّتي تلي خروجه، والظَّاهر أنَّه لم يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعضُ يومٍ من غير ضرورةٍ، وقد اجتمع إليه الخلق، وهو أحرص النَّاس على تعليمهم الدِّين، وقد حضر ذلك المجمع العظيم. والجمع بينه وبين الحجِّ (٢) ممكنٌ بلا تفويتٍ. والله أعلم.
-
ولمَّا علم أبو محمد ابن حزم أنَّ قول ابن عبَّاسٍ وعائشة: «خرج لخمسٍ بقين من ذي القعدة» لا يلتئم مع (٣) قوله أوَّلَه بأن قال: معناه أنَّ (٤) اندفاعه من ذي الحليفة كان لخمسٍ= قال: وليس بين ذي الحليفة وبين المدينة إلا أربعة أميالٍ
ج ٣ ص ١٢٦فقط، فلم تعدَّ هذه المرحلة القريبة لقلَّتها، وبهذا تأتلف جميع الأحاديث (١) .
قال (٢) : ولو كان خروجه من المدينة لخمسٍ بقين لذي القعدة لكان خروجه بلا شكٍّ يوم الجمعة، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الجمعة لا تُصلَّى أربعًا، وقد ذكر أنس (٣) أنَّهم صلَّوا الظُّهر معه بالمدينة أربعًا.
قال: ويزيده وضوحًا، ثمَّ ساق من طريق البخاريِّ (٤) حديث كعب بن مالكٍ: لَقلَّ ما (٥) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج إذا خرج في سفرٍ إلا يوم الخميس. وفي لفظٍ آخر: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس» (٦) ، فبطل خروجه يوم الجمعة لِما ذكرنا عن أنس، وبطل خروجه يوم السَّبت؛ لأنَّه يكون حينئذٍ خارجًا من المدينة لأربعٍ بقين من ذي القعدة، وهذا ما لم يقله أحدٌ.
قال: وأيضًا فقد صحَّ مبيتُه بذي الحليفة اللَّيلة المستقبلة من يوم خروجه من المدينة، فكان يكون اندفاعُه من ذي الحُليفة يوم الأحد. يعني: لو كان خروجه يوم السَّبت، وصحَّ مبيتُه بذي طوى ليلةَ دخوله مكَّة، وصحَّ أنَّه دخلها صُبْحَ (٧) رابعةٍ (٨) من ذي الحجَّة= فعلى هذا يكون مدَّة سفره من
ج ٣ ص ١٢٧المدينة إلى مكَّة سبعةَ أيَّامٍ؛ لأنَّه كان يكون خارجًا من المدينة لو كان ذلك لأربعٍ بقين لذي القعدة، واستوى على مكَّة لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة (١) وفي استقبال اللَّيلة الرَّابعة، فتلك سبع ليالٍ لا مزيد، وهذا خطأٌ بإجماعٍ وأمرٌ لم يقله أحدٌ، فصحَّ أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين لذي القعدة، وتآلفت الرِّوايات كلُّها، وانتفى التَّعارض عنها بحمد الله.
قلت: هي متآلفةٌ متوافقةٌ، والتَّعارض منتفٍ عنها مع خروجه يومَ السَّبت، ويزول عنها الاستكراه الذي أوَّلتَها عليه كما ذكرناه.
-
وأمَّا قول أبي محمد: لو كان خروجه من المدينة لخمسٍ بقين من ذي القعدة لكان خروجه يوم الجمعة، إلى آخره= فغير لازمٍ، بل يصحُّ أن يخرج لخمسٍ، ويكون خروجه يوم السَّبت. والَّذي غَرَّ أبا محمد أنَّه رأى الرَّاوي قد حذف التَّاء من العدد، وهي إنَّما تُحذف مع المؤنَّث، ففهم لخمس ليالٍ بقين، وهذا إنَّما يكون إذا كان الخروج يوم الجمعة، ولو كان يوم السَّبت لكان لأربع ليالٍ بقين. وهذا بعينه ينقلب عليه، فإنَّه لو كان خروجه يوم الخميس لم يكن لخمس ليالٍ بقين، وإنَّما يكون لستِّ ليالٍ بقين، ولهذا اضطُرَّ إلى أن يؤوِّل الخروج المقيَّد بالتَّاريخ المذكور بخمسٍ على الاندفاع من ذي الحليفة، ولا ضرورةَ له إلى ذلك، إذ من الممكن أن يكون شهر ذي القعدة كان ناقصًا، فوقع الإخبار عن تاريخ الخروج بخمسٍ بقين منه بناءً على المعتاد من الشَّهر، وهذه عادة العرب والنَّاس في تواريخهم، أن يؤرِّخوا بما بقي من الشَّهر بناءً على كماله، ثمَّ يقع الإخبار عنه بعد انقضائه وظهور
ج ٣ ص ١٢٨نقصِه كذلك، لئلَّا يختلف عليهم التَّاريخ، فيصحُّ أن يقول القائل يومَ الخامس والعشرين: «كُتِب لخمسٍ بقين» ، ويكون الشَّهر تسعًا وعشرين.
-
وأيضًا فإنَّ الباقي كان خمسة أيَّامٍ بلا شكٍّ بيوم الخروج، والعرب إذا اجتمعت اللَّيالي والأيَّام في التَّاريخ غلَّبت لفظَ اللَّيالي لأنَّها أوَّل الشَّهر، وهي أسبق من اليوم، فتذكر اللَّيالي ومرادها الأيَّام، فيصحُّ أن يقال: «لخمسٍ بقين» باعتبار الأيَّام، ويُذكَّر لفظ العدد باعتبار اللَّيالي، فصحَّ حينئذٍ أن يكون خروجه لخمسٍ بقين ولا يكون يوم الجمعة.
-
وأمَّا حديث كعب فليس فيه أنَّه لم يكن يخرج قطُّ إلا يوم الخميس، وإنَّما فيه أنَّ ذلك كان أكثر خروجه، ولا ريبَ أنَّه لم يكن يتقيَّد في خروجه إلى الغزوات بيوم الخميس.
-
وأمَّا قوله: لو خرج يوم السَّبت لكان خارجًا لأربعٍ، فقد تبيَّن أنَّه لا يلزم، لا (١) باعتبار اللَّيالي ولا باعتبار الأيَّام.
-
وأمَّا قوله: إنَّه بات بذي الحليفة اللَّيلةَ المستقبلة من يوم خروجه من المدينة إلى آخره، وإنه يلزم من خروجه يوم السَّبت أن تكون مدَّة سفره سبعة أيَّامٍ= فهذا عجبٌ منه، فإنَّه إذا خرج يوم السَّبت وقد بقي من الشَّهر خمسة أيَّامٍ ودخل مكَّة لأربعٍ مَضَين من ذي الحجَّة فبين خروجِه من المدينة ودخوله مكَّة تسعةُ أيَّامٍ، وهذا غير مشكلٍ بوجهٍ من الوجوه، فإنَّ الطَّريق الَّتي سلكها إلى مكَّة بين المدينة وبينها هذا المقدار، وسيرُ العرب أسرع من سير
ج ٣ ص ١٢٩الحضر بكثيرٍ، ولا سيَّما مع عدم المحامل والكَجاوات (١) والزَّوامل الثِّقال. وهذا القول الذي اخترناه أحد القولين في تاريخ خروجه، قاله الواقدي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) .
-
عدنا إلى سياق حَجته، فصلَّى الظُّهر بالمدينة بالمسجد أربعًا، ثمَّ ترجَّل وادَّهن، ولبس إزاره ورداءه (٣) ، وخرج بين الظُّهر والعصر، فنزل بذي الحليفة فصلَّى بها العصر ركعتين، ثمَّ بات بها، وصلَّى بها المغرب والعشاء والصُّبح (٤) والظُّهر (٥) ، فصلَّى بها خمس صلواتٍ. وكان نساؤه كلُّهنَّ معه (٦) ، فطاف عليهنَّ تلك اللَّيلة، فلمَّا أراد الإحرام اغتسل غسلًا ثانيًا لإحرامه غيرَ غسلِ الجماع الأوَّل.
-
ولم يذكر ابن حزمٍ أنَّه اغتسل غير الغسل الأوَّل للجنابة (٧) ، فإمَّا أن يكون تركه عمدًا لأنَّه لم يثبت عنده، وإمَّا أن يكون سهوًا منه، وقد قال زيد بن ثابتٍ: إنَّه رأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تجرَّد لإهلاله واغتسل (٨) . قال الترمذي:
ج ٣ ص ١٣٠حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
-
وذكر الدَّارقطنيُّ (١) عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يُحرِم غسلَ رأسه بخِطْميٍّ وأُشنانٍ. ثمَّ طيَّبته عائشة بيدها بذَرِيرةٍ (٢) وبطيبٍ فيه مِسْكٌ في بدنه ورأسه، حتَّى كان وَبيصُ (٣) المسكِ يُرى في مفارِقه ولحيته - صلى الله عليه وسلم - (٤) . ثمَّ استدامَه ولم يغسله، ثمَّ لبس إزاره ورداءه، ثمَّ صلَّى الظُّهر ركعتين، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ والعمرة في مصلَّاه. ولم يُنقل عنه أنَّه صلَّى للإحرام ركعتين غيرَ فرض الظُّهر.
-
وقلَّد قبل الإحرام بَدَنتَه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن، فشقَّ صفحةَ سَنامها، وسَلَتَ الدَّم عنها (٥) .
-
وإنَّما قلنا: إنَّه أحرم قارنًا لاثنين وعشرين (٦) حديثًا صريحةً صحيحةً في ذلك:
أحدها: ما خَرَّجا (٧) في «الصَّحيحين» (٨) عن ابن عمر، قال: تمتَّع
ج ٣ ص ١٣١رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ. وذكر الحديث.
-
وثانيها: ما خرَّجا (١) في «الصَّحيحين» (٢) أيضًا عن عروة عن عائشة، أخبرته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث ابن عمر سواءً.
-
وثالثها: ما روى مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه قرن الحجَّ إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمَّ قال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
ورابعها: ما روى أبو داود (٤) عن النُّفيلي، ثنا زهير بن معاوية (٥) ، ثنا أبو إسحاق (٦) ، عن مجاهد: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: مرَّتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر ثلاثًا سوى الَّتي قَرنَ بحجَّته.
-
ولا يناقض هذا قول ابن عمر: «إنَّه - صلى الله عليه وسلم - قرنَ بين الحجِّ والعمرة» ؛ لأنَّه أراد العمرة الكاملة المفردة ولا ريب أنَّهما عمرتان: عمرة القضاء وعمرة
ج ٣ ص ١٣٢الجعرانة؛ وعائشة أرادت العمرتين المستقلَّتين، وعمرة القِران، والَّتي صُدَّ عنها، ولا ريب أنَّها أربعٌ.
-
وخامسها: ما رواه (١) سفيان الثَّوريُّ، عن جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه (٢) ، عن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجَّ ثلاث حِجَجٍ: [حجَّتين] (٣) قبل أن يهاجر، وحجَّةً بعدما هاجر، معها عمرةٌ. رواه الترمذي وغيره (٤) .
-
وسادسها: ما روى (٥) أبو داود (٦) عن النُّفيلي وقُتيبة قالا: حدَّثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، قال: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عمرٍ: عمرة الحديبية، والثَّانية حين تواطأوا على عمرةٍ من قابلٍ، والثَّالثة (٧) من الجِعرانة، والرَّابعة الَّتي قرن مع حجَّته.
-
وسابعها: ما رواه البخاريُّ في «صحيحه» (٨) عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوادي العقيق يقول: «أتاني اللَّيلةَ آتٍ من ربِّي عزَّ وجلَّ، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجَّةٍ» .
- ج ٣ ص ١٣٣
وثامنها: ما رواه أبو داود (١) عن البراء بن عازبٍ قال: كنت مع علي حين أمَّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اليمن، فأصبتُ معه أواقيَّ، فلمَّا قدم عليٌّ من اليمن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وجدتُ فاطمة قد لبست ثيابًا صَبِيغًا (٢) ، وقد نَضَحت البيت بنَضُوحٍ، فقالت: ما لك؟ فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أصحابه فأَحَلُّوا، قال: قلتُ لها: إنِّي أهللتُ بإهلال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: فأتيت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: «كيف صنعتَ؟» قال: قلت: أهللتُ بإهلال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «فإنِّي قد (٣) سقتُ الهدي وقرنتُ»، وذكر الحديث.
-
تاسعها: ما رواه النَّسائيُّ (٤) عن عمران بن يزيد الدمشقي، ثنا عيسى بن (٥) يونس، ثنا الأعمش، عن مسلم البَطِين، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم قال: كنتُ جالسًا عند عثمان، فسمع عليًّا يلبِّي بحج وعمرةٍ، فقال: ألم يكن يُنهى عن هذا؟ فقال: بلى، ولكنِّي سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبِّي بهما جميعًا، فلم أدَعْ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقولك.
-
عاشرها: ما رواه مسلم في «صحيحه» (٦) من حديث شعبة، عن
ج ٣ ص ١٣٤حميد بن هلالٍ قال: سمعت مطرِّفًا قال: قال عمران بن حُصينٍ: أحدِّثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين حج وعمرةٍ، ثمَّ لم يَنْهَ عنه حتَّى مات، ولم ينزل قرآنٌ يُحرِّمه.
-
وحادي عشرها: ما رواه يحيى بن سعيدٍ القطَّان وسفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: إنَّما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحجِّ والعمرة، لأنَّه علم أنَّه لا يحجُّ بعدها (١) . وله طرقٌ صحيحةٌ إليهما.
-
وثاني عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٢) من حديث سُراقة بن مالك قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة» ، قال: وقرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع. إسناده ثقاتٌ.
-
وثالث عشرها: ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه (٣) من حديث أبي طلحة الأنصاريِّ: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الحجِّ والعمرة. ورواه ابن ماجه (٤) ، وفيه الحجَّاج بن أرطاة.
- ج ٣ ص ١٣٥
ورابع عشرها: ما رواه الإمام أحمد (١) من حديث الهِرماس بن زيادٍ الباهليِّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرنَ في حجَّة الوداع بين الحجِّ والعمرة.
-
وخامس عشرها: ما رواه البزّار (٢) بإسنادٍ صحيحٍ إلى ابن أبي أوفى قال: إنَّما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحجِّ والعمرة لأنَّه علمَ أنَّه لا يحجُّ بعد عامه ذلك. وقد قيل: إنَّ يزيد (٣) بن عطاء أخطأ في إسناده (٤) ، وقال آخرون: لا سبيلَ إلى تخطئته بغير دليلٍ.
-
وسادس عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٥) من حديث جابر بن عبد اللَّه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرن الحجَّ والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا. ورواه الترمذي، وفيه الحجَّاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشيءٍ أو (٦) يخالف الثِّقات.
-
وسابع عشرها: ما رواه الإمام أحمد (٧) من حديث أم سلمة قالت:
ج ٣ ص ١٣٦سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أهِلُّوا يا آلَ محمَّدٍ بعمرةٍ في حجٍّ» .
-
وثامن عشرها: ما أخرجاه في «الصَّحيحين» (١) ــ واللَّفظ لمسلم ــ عن حفصة قالت: قلت للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما شأن النَّاس حَلُّوا ولم تَحلِلْ من عمرتك؟ قال: «إنِّي قلَّدتُ هَدْيي، ولبَّدتُ رأسي، فلا أحلُّ حتى أحلَّ من الحجِّ» . وهذا يدلُّ على أنَّه كان في عمرةٍ معها حجٌّ، وأنَّه لا يحلُّ من العمرة حتَّى يحلَّ من الحجِّ. وهذا على أصل مالك والشَّافعيِّ ألزمُ؛ لأنَّ المعتمر عمرةً مفردةً لا يمنعه عندهما الهديُ من التَّحلُّل، وإنَّما يمنعه عمرة القران، فالحديث على أصلهما نصٌّ.
-
وتاسع عشرها: ما رواه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ (٢) عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنَّه سمع سعد بن أبي وقَّاصٍ والضَّحَّاكَ بن قيسٍ عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهِلَ أمرَ اللَّه، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي! قال الضحاك: فإنَّ (٣) عمر بن الخطَّاب نهى عن ذلك، قال سعد: قد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
- ج ٣ ص ١٣٧
ومراده هنا بالتَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ: أحدُ نوعيه، وهو تمتُّع القِران، فإنّ لغة القرآن والصَّحابةِ الذين شهدوا التَّنزيل والتَّأويل تشهد بذلك، ولهذا قال ابن عمر (١) : «تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحجِّ، فبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ» ، وكذلك قالت عائشة (٢) .
-
وأيضًا فالذي صنعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو متعة القِران بلا شكٍّ، كما قطع به أحمد، ويدلُّ على ذلك أنَّ عمران بن حُصينٍ قال: تمتَّع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتمتَّعنا معه. متَّفقٌ عليه (٣) . وهو الذي قال لمطرِّف: أُحدِّثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمعَ بين حجٍّ وعمرةٍ، ثمَّ لم يَنْهَ عنه حتَّى مات. وهو في «صحيح مسلم» (٤) . فأخبر عن قِرانه بقوله: «تمتَّع» ، وبقوله: «جمعَ بين حجٍّ وعمرةٍ» .
-
ويدلُّ عليه أيضًا ما ثبت في «الصَّحيحين» عن سعيد بن المسيِّب قال: اجتمع علي وعثمان بعُسْفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنهى عنه؟ فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إنِّي لا أستطيع أن أدَعَك. فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا. هذا لفظ مسلم (٥) .
- ج ٣ ص ١٣٨
ولفظ البخاريِّ (١) : «اختلف علي وعثمان وهما بعُسْفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعًا» .