فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الذكر عند دخول الخلاء
١٣ فقرة، ج ٣ ص ٤٥٤
- ج ٣ ص ٤٥٤
وصحَّ عنه أنه إذا دخل الرَّجل (١) بيتَه فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشَّيطان: لا مَبِيتَ لكم ولا عَشاء، وإذا دخلَ فلم (٢) يذكر الله عند دخوله قال الشَّيطان: أدركتم المبيتَ، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيتَ (٣) والعَشاء. ذكره مسلم (٤) .
-
فصل
في هديه في الذِّكر عند دخول الخلاء
ثبت عنه في «الصَّحيحين» (٥) أنَّه كان يقول عند دخوله: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُثِ والخَبائثِ» .
-
وذكر أحمد (٦) عنه أنَّه أمر من دخل الخلاء أن يقول ذلك.
-
ويُذكَر عنه: «لا يَعْجِزْ أحدُكم إذا دخل مَرْفِقَه أن يقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من الرِّجس النَّجِس، الخبيث المُخْبِث، الشَّيطانِ الرَّجيم» (٧) .
ج ٣ ص ٤٥٥وقال: «سَتْرُ ما بين الجنِّ (١) وعوراتِ بني آدم إذا دخلَ الكنيفَ أن يقول: بسم اللَّه» (٢) .
-
وثبت عنه أنَّ رجلًا سلَّم عليه وهو يبول, فلم يردَّ عليه (٣) .
-
وأخبر أنَّ الله سبحانه يَمقُت على الحديثِ على الغائط، فقال: «لا يخرج الرَّجلان يضرِبان الغائطَ كاشفَينِ عن عورتَيْهما يتحدَّثان، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يَمقُت على ذلك» (٤) .
-
وقد تقدَّم أنَّه كان لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائطٍ ولا بولٍ، وأنَّه نهى عن ذلك في حديث أبي أيوب، وسلمان الفارسيِّ، وأبي هريرة (٥) ، ومَعقِل بن أبي مَعْقِل، وعبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ الزُّبيديِّ، وجابر بن عبد اللَّه (٦) ،
ج ٣ ص ٤٥٦وعبد الله بن عمر (١) . وعامَّة هذه الأحاديث صحيحةٌ، وسائرها حسنٌ (٢) ، والمعارض لها إمَّا معلول السَّند، وإمَّا ضعيف الدَّلالة، فلا يُرَدُّ صريحُ نهيه المستفيض عنه بذلك، كحديث عِراكٍ عن عائشة: ذُكِر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: «أَوَقد فعلوها؟ حَوِّلوا مَقْعدتي قِبَلَ القبلة» . رواه الإمام أحمد (٣) ، وقال (٤) : هو أحسن ما روي في الرُّخصة، وإن كان مرسلًا.
-
ولكنَّ هذا الحديث قد طعن فيه البخاريُّ وغيره من أئمَّة الحديث (٥) ، ولم يُثبتِوه، ولا يقتضي كلام الإمام أحمد تثبيتَه ولا تحسينَه. قال الترمذي في
ج ٣ ص ٤٥٧كتاب «العلل الكبير» (١) له: سألت أبا عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ عن هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ فيه اضطرابٌ، والصَّحيح عندي عن عائشة قولها. انتهى.
قلت: وله علَّةٌ أخرى، وهي (٢) انقطاعه بين عِراكٍ وعائشة، فإنَّه لم يسمع منها، وقد رواه عبد الوهَّاب الثَّقفيُّ عن خالدٍ الحذَّاء عن رجلٍ [عن عراك] عن عائشة (٣) . وله علَّةٌ أخرى، وهي ضعف خالد بن أبي الصَّلْت (٤) .
-
ومن ذلك حديث جابر: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُستقبل القبلةُ ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقبَض بعامٍ يستقبلها (٥) . وهذا الحديث غَرَّبَه (٦) الترمذي بعد
ج ٣ ص ٤٥٨تحسينه، وقال الترمذي في كتاب «العلل» (١) : سألتُ محمَّدًا ــ يعني البخاريَّ ــ عن هذا الحديث فقال: هذا حديثٌ صحيحٌ، رواه غير واحدٍ عن ابن إسحاق.
-
فإن كان مراد البخاريِّ صحته عن ابن إسحاق لم يدلَّ على صحَّته في نفسه، وإن كان مراده صحَّته في نفسه فهي واقعةُ عينٍ، حكمُها حكمُ حديث ابن عمر لمَّا رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجتَه مستدبرَ الكعبة (٢) . وهذا يحتمل وجوهًا ستَّةً: نسخُ النهي به، وعكسه، وتخصيصه به - صلى الله عليه وسلم -، وتخصيصه بالبنيان، وأن يكون لعذرٍ اقتضاه (٣) المكان أو غيره، وأن يكون بيانًا لأنَّ النَّهي ليس على التَّحريم. ولا سبيلَ إلى الجزم بواحدٍ من هذه الوجوه على التَّعيين، وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه الثَّاني منها، فلا سبيلَ إلى ترك أحاديث النَّهي الصَّحيحة الصَّريحة المستفيضة بهذا المحتمل.
-
وقول ابن عمر إنَّما نُهِي عن ذلك في الصَّحراء، فَهْمٌ منه لاختصاص النَّهي بها، وليس بحكاية لفظ النَّهي، وهو مُعارَضٌ بفهم أبي أيوب (٤) للعموم، مع سلامة قول أصحاب العموم من التَّناقض الذي يَلزم المفرِّقين بين الفضاء والبنيان، فإنَّه يُقال لهم: ما حدُّ الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيلَ إلى ذكر حدٍّ فاصلٍ. وإن جعلوا مطلقَ البنيان مجوِّزًا لذلك لزِمَهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبلٌ قريبٌ أو بعيدٌ، كنظيره في البنيان.
- ج ٣ ص ٤٥٩
وأيضًا فإنَّ النَّهي تكريمٌ (١) لجهة القبلة، وذلك لا يختلف بفضاءٍ ولا بنيانٍ (٢) . وليس مختصًّا بنفس البيت، فكم من جبلٍ وأَكَمةٍ حائلة بين البائل وبين البيت، بمثل (٣) ما يحول جُدران (٤) البنيان وأعظم، وأمَّا جهة القبلة فلا حائلَ بين البائل وبينها، وعلى الجهة وقع النَّهي لا على البيتِ نفسه. فتأمَّلْه.
-
فصل
وكان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانَك» (٥) . ويُذكَر عنه أنَّه كان يقول: «الحمد لله الذي أذهبَ عنِّي الأذى وعافاني» ، ذكره ابن ماجه (٦) .