فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه

٩ فقرات، ج ٢ ص ١٧٣

  1. كان إذا مشى تكفَّى تكفِّيًا (٤) ، وكان أسرع الناس مِشْيةً وأحسنَها وأسكنَها. قال أبو هريرة: «ما رأيتُ شيئًا أحسنَ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كأن

    ج ٢ ص ١٧٤الشمس تجري في وجهه. وما رأيت أحدًا أسرعَ في مشيته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كأنما الأرض تُطْوى له. إنَّا لَنُجْهِد أنفسَنا، وإنَّه لَغيرُ مكترِث» (١) .

    وقال علي بن أبي طالب: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مشى تكفَّى تكفِّيًا، كأنما ينحَطُّ من صَبَب» (٢) . وقال مرةً: «إذا مشى تقلَّعَ» (٣) .

    قلت: والتقلُّع: الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحَطّ في الصَّبَب. وهي مِشية أولي العزم والهمة والشجاعة. وهي أعدَل المِشْيات وأروَحها للأعضاء وأبعَدها من مِشية الهَوَج والمهانة والتَّماوُت، فإن الماشي إما أن يتماوَت في مِشيته، ويمشي قطعةً واحدةً كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة. وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مشي الجمل الأهوَج، وهي مشية مذمومة أيضًا، وهي علامة على خفَّة عقل صاحبها، ولا سيَّما إن كان يُكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا. وإما أن يمشي هَونًا، وهي مشية

    ج ٢ ص ١٧٥عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه فقال: {الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا} [الفرقان: ٦٣] . قال غير واحد من السلف: سكينةً ووقارًا من غير كبر ولا تماوُت (١) . وهي مشية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحَطُّ من صَبَب (٢) ، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كان الماشي معه يُجهِد نفسَه ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غير مكترث. وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن (٣) بتماوت ولا بمهانة، بل أعدل المشيات.

    ج ٢ ص ١٧٣
  2. والمِشْيات عشرة أنواع، هذه ثلاثة منها. والرابع: السعي، والخامس: الرَّمَل، وهو أسرع المشي مع تقارُب الخطى ويسمَّى: الخبَب. وفي «الصحيح» (٤) من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبَّ في طوافه ثلاثًا ومشى أربعًا.

  3. والسادس: النَّسَلان، وهو العَدْو الخفيف الذي لا يُزعج الماشي ولا يُكْرِثه (٥) . وفي بعض «المساند (٦) » (٧) أن المشاة شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المشي في حَجَّة الوداع، فقال: «استعينوا بالنَّسَلان» .

  4. والسابع: الخَوزلى، وهي مشية التمايل (١) ، يقال: إنَّ فيها تكسُّرًا وتخنُّثًا.

    ج ٢ ص ١٧٦
  5. والثامن: القهقرى، وهي المشي إلى وراء.

  6. والتاسع: الجَمَزى، وهي مشية يثِبُ فيها الماشي وثبًا.

  7. والعاشر (٢) : مشية التبختُر، وهي مشية أولي العُجْب والتكبُّر. وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لمّا نظَر في عِطفَيه، وأعجبته نفسُه، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة (٣) .

  8. وأعدَل هذه المشيات مشية الهَون والتكفِّي (٤) .

  9. وأما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه، وهو خلفهم، ويقول: «دَعُوا ظهري للملائكة» (٥) . ولهذا في الحديث: وكان يسوق أصحابه (٦) .