فصل في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم في الرفع من السجود والجلوس بعده
٩ فقرات، ج ٢ ص ٢٧١
- ج ٢ ص ٢٧١
قالوا: وهذا كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه ما زاد في الليل على إحدى عشرة ركعةً أو ثلاث عشرة ركعةً. وكان يصلي الركعة في بعض قيامه بالبقرة والنساء وآل عمران (١) . وأما بالنهار فلم يُحفَظ عنه شيء من ذلك، بل كان يخفِّف السنن.
وقال شيخنا - رضي الله عنه - (٢) : الصواب أنهما سواء، والقيام فُضِّل (٣) بذكره وهو القراءة، والسجود فُضِّل بهيئته. فهيئةُ السجود أفضل من هيئة القيام، وذكرُ القيام أفضل من ذكر السجود. قال: وهكذا كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، كما فعل في صلاة الكسوف، وفي صلاة الليل. وكان إذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وكذلك كان يفعل في الفرض، كما قال البراء بن عازب: كان قيامه وركوعه وسجوده واعتداله قريبًا من السواء (٤) . والله أعلم (٥) .
-
فصل
ثم كان - صلى الله عليه وسلم - يرفع رأسه مكبِّرًا غير رافع يديه، ويرتفع منه رأسُه قبل يديه (٦) . ثم يجلس مفترشًا، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى.
- ج ٢ ص ٢٧٢
وذكر النسائي (١) عن ابن عمر قال: «من سنَّة الصلاة: أن ينصب القدم (٢) اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى». ولم يحفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموضع جلسة غير هذه.
-
وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل حدَّ مرفقه (٣) على فخذه، وطرفَ يده على ركبته. وقبَض ثنتين من أصابعه وحلَّق حلقةً، ثم رفع إصبعه يدعو بها ويحرِّكها. هكذا قال وائل بن حُجْر عنه (٤) .
- ج ٢ ص ٢٧٣
وأما حديث أبي داود (١) عن عبد الله بن الزبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها، فهذه الزيادة في صحتها نظر (٢) . وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في «صحيحه» (٣) عنه، ولم يذكر هذه الزيادة، بل قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده (٤) اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه».
-
وأيضًا فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلاة (٥) . وأيضًا فلو كان في الصلاة لكان نافيًا، وحديث وائل بن حجر مثبتًا وهو مقدَّم، وهو حديث صحيح، ذكره أبو حاتم في «صحيحه» (٦) .
-
ثم يقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبُرْني، واهدني، وارزقني» (٧) .
- ج ٢ ص ٢٧٤
هكذا ذكر ابن عباس عنه (١) . وذكر حذيفة أنه كان يقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» (٢) .
-
وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود. هكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث. وفي «الصحيح» (٣) عن أنس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَم» . وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: «فكان (٤) أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه: يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو قد أوهَم» (٥) . وأما من حكَّم السنَّةَ ولم يلتفت إلى ما خالفها، فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي.