جلسة الاستراحة
٢١ فقرة، ج ٢ ص ٢٧٥
- ج ٢ ص ٢٧٥
ثم كان - صلى الله عليه وسلم - ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه كما ذكره عنه: وائل (١) وأبو هريرة (٢) ، ولا يعتمد على الأرض بيديه (٣) .
-
وقد ذكره عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا (٤) . وهذه هي التي تسمَّى جلسة الاستراحة. واختلف الفقهاء فيها:
ج ٢ ص ٢٧٦هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكلِّ أحد أن يفعلها، أو هي (١) ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد (٢) .
قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة (٣) . وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله (٤) سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة.
-
وحديث (٥) ابن عجلان (٦) يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وسائرُ من وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذُكِرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث (٧) .
-
ولو كان هديه - صلى الله عليه وسلم - فعلها دائمًا لذكرها كلُّ من وصف صلاته - صلى الله عليه وسلم -. ومجرَّدُ فعله - صلى الله عليه وسلم - لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا عُلِم أنه
ج ٢ ص ٢٧٧فَعَلها سنَّةً يقتدى به فيها. وأما إذا قُدِّر أنه فَعَلها للحاجة لم يدل ذلك على كونها سنَّةً من سنن الصلاة. فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة (١) .
-
وكان إذا نهض افتتح القراءة، ولم يسكت كما كان يسكت عند افتتاح الصلاة، فاختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أو لا، بعد اتفاقهم أنه ليس موضع استفتاح. وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كلِّ ركعة مستقلة بنفسها؟ ولا نزاع بينهم أن الاستفتاح لمجموع الصلاة. والاكتفاءُ باستعاذة واحدة أظهر، للحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت (٢) ، وكما يكفي افتتاح واحد، ولأنه لم يتخلَّل القراءتين سكوت، بل تخلَّلهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخلَّلها حمدٌ لله (٣) أو تسبيح أو تهليل أو صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونحو ذلك.
-
ثم كان يصلِّي الثانية كالأولى سواءً، إلا في أربعة أشياء: السكوت، والاستفتاح، وتكبيرة الإحرام، وتطويلها كالأولى؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يستفتح، ولا يسكت، ولا يكبِّر للإحرام فيها، ويقصِّرها عن الأولى، فتكون الأولى أطول منها في كلِّ صلاة، كما تقدَّم.
-
فإذا جلس للتشهُّد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده
ج ٢ ص ٢٧٨اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه السَّبَّابة. وكان لا ينصبها نصبًا، ولا يُنيمها، بل يَحنيها شيئًا، ويحرِّكها (١) ، كما تقدَّم في حديث وائل بن حجر. وكان يقبض إصبعين من أصابعه، وهما الخنصر والبنصر، ويحلِّق حلقةً وهي الوسطى مع الإبهام، ويرفع السبَّابة يدعو بها، ويرمي ببصره إليها، ويبسط الكفَّ اليسرى على الفخذ اليسرى، ويتحامل عليها.
-
وأما صفة جلوسه فكما تقدَّم بين السجدتين سواء، يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة.
-
وأما حديث عبد الله بن الزبير الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٢) أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرَشَ قدمه اليمنى؛ فهذا في التشهد الأخير كما يأتي، وهو إحدى الصفتين اللتين رُوِيت (٣) عنه فيه (٤) . ففي «الصحيحين» (٥) من حديث أبي حُميد في صفة صلاته - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصَب الأخرى. وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجله اليسرى، ونصب (٦) اليمنى، وقعد على مقعدته». فذكر أبو حميد أنه كان ينصب اليمنى، وذكر ابن الزبير أنه كان يفرشها؛ ولم يقل أحد عنه - صلى الله عليه وسلم -: إن هذا كان صفة (٧) جلوسه في
ج ٢ ص ٢٧٩التشهد الأول، ولا أعلم أحدًا قال به.
-
بل من الناس من قال: يتورَّك في التشهدين، وهذا مذهب مالك. ومنهم من قال: يفترش فيهما، فينصب اليمنى، ويفترش اليسرى ويجلس عليها، وهو قول أبي حنيفة. ومنهم من قال: يتورَّك في كلِّ تشهُّد يلي السلام، ويفترش في غيره، وهو قول الشافعي. ومنهم من قال: يتورَّك في كلِّ صلاة فيها تشهُّدان في الأخير (١) منهما فرقًا بين الجلوسين، وهو قول الإمام أحمد (٢) .
-
ومعنى حديث ابن الزبير أنَّه فرَش قدمه اليمنى: أنه كان في هذا الجلوس يجلس على مقعدته، فتكون قدمه اليمنى مفروشةً، وقدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ومقعدته على الأرض، فوقع الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس، هل كانت مفروشةً أو منصوبةً؟ وهذا ــ والله أعلم ــ ليس باختلاف في الحقيقة، فإنه كان لا يجلس على قدمه، بل يُخرجها عن يمينه، فتكون بين المنصوبة والمفروشة، فإنها تكون على باطنها الأيمن. فهي مفروشة بمعنى أنه ليس ناصبًا لها جالسًا على عقبه، ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالسًا على باطنها، وظهرها إلى الأرض. فصحَّ قول أبي حميد ومن معه وعبد الله بن الزبير. أو يقال: إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل هذا وهذا، فكان ينصب قدمه، وربما فرشها أحيانًا، وهو أروح لها. والله أعلم.
-
ثم كان - صلى الله عليه وسلم - يتشهَّد دائمًا في هذه الجلسة، ويعلِّم أصحابه أن يقولوا:
ج ٢ ص ٢٨٠«التحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله» (١) .
-
وقد ذكر النسائي (٢) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلِّمنا التشهُّدَ، كما يعلِّمنا السورة من القرآن: «بسم الله وبالله، التحيَّات لله والصلوات والطيِّبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٣) . أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار». ولم يجئ ذكر التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث. وله علَّة غير عنعنة أبي الزبير (٤) .
- ج ٢ ص ٢٨١
وكان - صلى الله عليه وسلم - يخفِّف هذا التشهد جدًّا حتى كأنه على الرَّضْف ــ وهو الحجارة المُحْماة ــ ولم ينقل عنه في حديث قط أنه كان يصلِّي عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضًا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجَّال. ومن استحبَّ ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صحَّ تبيينُ موضعها وتقييدُها بالتشهد الأخير (١) .
-
ثم كان ينهض مكبِّرًا على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدًا على فخذيه كما تقدَّم. وقد ذكر مسلم في «صحيحه» (٢) في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع، وهي في بعض طرق البخاري (٣) أيضًا، على أن هذه الزيادة ليست متفقًا عليها في حديث عبد الله بن عمر، وأكثر رواته لا يذكرونها. وقد جاء ذكرها مصرَّحًا به في حديث أبي حميد الساعدي قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويقيم كلَّ عَظْمٍ (٤) في موضعه، ثم يقرأ (٥) . ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه (٦) ، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلًا، لا يصوِّب رأسه ولا
ج ٢ ص ٢٨٢يقنَع به. ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، حتى يقِرَّ كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يهوي إلى الأرض، ويجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله (١) فيقعد عليها، ويفتخ (٢) أصابع رجليه إذا سجد. ثم يسجد (٣) ، ثم يكبِّر ويجلس على رجله اليسرى، حتى يرجع كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يقوم، فيصنع في الأخرى مثل ذلك. ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنَع عند افتتاح الصلاة.
-
ثم يصلِّي بقية صلاته هكذا، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه وجلس على شقِّه الأيسر متورِّكًا». هذا سياق أبي حاتم في «صحيحه» (٤) ، وهو في «صحيح مسلم» (٥) أيضًا.
- ج ٢ ص ٢٨٣
وقد ذكره الترمذي (١) مصحِّحًا له من حديث علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يرفع يديه في هذا الموطن أيضًا.
-
ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الآخرتين (٢) بعد الفاتحة شيئًا. وقد ذهب الشافعيُّ في أحد قوليه وغيرُه إلى استحباب القراءة بما زاد على الفاتحة في الآخرتين (٣) ، واحتجَّ لهذا القول بحديث أبي سعيد الذي في «الصحيح» (٤) : «حزَرنا قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر في الركعتين الأوليين (٥) قدر قراءة (الم تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك. وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك».
-
وحديثُ أبي قتادة (٦) المتَّفقُ عليه ظاهرٌ في الاقتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين. قال أبو قتادة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا» . زاد مسلم: «ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب» ، والحديثان غير صريحين في محلِّ النزاع.
-
أما حديث أبي سعيد، فإنما هو حزرٌ منهم وتخمينٌ، ليس إخبارًا عن
ج ٢ ص ٢٨٤نفس (١) فعله - صلى الله عليه وسلم -. وأما حديث أبي قتادة، فيمكن أن يراد به أنه كان (٢) يقتصر على الفاتحة، وأن يراد به أنه لم يكن يُخِلُّ بها في الركعتين الأخريين، بل كان يقرؤها فيهما كما كان يقرؤها في الأوليين، فكان يقرأ الفاتحة في كلِّ ركعة؛ وإن كان حديث أبي قتادة في الاقتصار أظهر، فإنه في معرض التقسيم. فإذا قال: كان يقرأ في الأوليين بالفاتحة وسورة، وفي الأخريين بالفاتحة، كان كالصريح (٣) في اختصاص كلِّ قِسم بما ذُكر فيه.
-
وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن هذا كان أكثر فعله، وربما قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد. وهذا كما أنَّ هديَه - صلى الله عليه وسلم - تطويلُ القراءة في الفجر وكان يخفِّفها أحيانًا، وتخفيفُ القراءة في المغرب وكان يطيلها أحيانًا، وتركُ القنوت في الفجر وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرارُ في الظهر والعصر بالقراءة وكان يُسمِع الصحابةَ فيها الآيةَ أحيانًا (٤) ، وتركُ الجهر بالبسملة (٥) وكان يجهر بها أحيانًا (٦) . والله أعلم.