فصل [أن الحمل ينتفي بلعانه]

٨ فقرات، ج ٦ ص ٥٢٧

  1. فيها بالباطل والكذب موجبةٌ عليه اللَّعنةَ أو الغضبَ، نَوى ما ذكرتم أو لم يَنوِه، فإنَّه لا يُموِّه على من يعلم السِّرَّ وأخفى بمثل هذا.

    ج ٦ ص ٥٢٧
  2. فصل

    ومنها: أنَّ الحمل ينتفي بلعانه، ولا يحتاج أن يقول: وما هذا الحمل منِّي، ولا يحتاج أن يقول: وقد استبرأتُها. هذا قول أبي بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد، وقول بعض أصحاب مالك، وأهل الظَّاهر. وقال الشَّافعيُّ: يحتاج الرَّجل إلى ذكر الولد، ولا تحتاج المرأة إلى ذكره. وقال الخِرَقي وغيره: يحتاجان إلى ذكره. وقال القاضي: يشترط أن يقول: هذا الولد من زنًا، وليس هو منِّي (١) . وهو قول الشَّافعيِّ. وقول أبي بكر أصحُّ الأقوال، وعليه تدلُّ السُّنَّة الثَّابتة.

  3. فإن قيل: فقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لاعنَ بين رجلٍ وامرأته، وانتفى من ولده (٢) ، ففرَّق بينهما، وألحق الولد بالمرأة (٣) . وفي حديث سهل بن سعدٍ: «وكانت حاملًا، فأنكر حملَها» . وقد حكم - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ الولد للفِراش، وهذه كانت فراشًا له حال كونها حاملًا، فالولد له، فلا ينتفي عنه إلا بنفيه.

  4. قيل: هذا موضع تفصيلٍ لا بدَّ منه، وهو أنَّ الحمل إن كان سابقًا على ما رماها به وعلم أنَّها زنتْ وهي حاملٌ منه، فالولد له قطعًا، ولا ينتفي عنه

    ج ٦ ص ٥٢٨بلعانه، ولا يحلُّ له أن ينفيه (١) في اللِّعان، فإنَّها لمَّا عَلِقتْ به كانت فراشًا (٢) ، وكان الحمل لاحقًا به، فزِناها لا يُزيل حكمَ لحوقه به. وإن لم يعلم حملها حالَ زناها الذي قذَفَها به فهذا يُنظر فيه؛ فإن جاءت به لأقلَّ من ستَّة أشهرٍ من الزِّنا الذي رماها به فالولد ولده، ولا ينتفي عنه بلعانه، وإن ولدتْه لأكثر من ستَّة أشهرٍ من الزِّنا الذي رماها به نُظِر؛ فإمَّا أن يكون استبرأها قبل زِناها أو لم يستبرئها، فإن استبرأها انتفى الولد عنه بمجرَّد اللِّعان، سواءٌ نفاه أو لم يَنْفِه، ولا بدَّ من ذكره عند من يشترط ذكره، وإن لم يستبرئها فهاهنا أمكن أن يكون الولد منه وأن يكون من الزَّاني، فإن نفاه في اللِّعان انتفى، وإلَّا لَحِقَ به؛ لأنَّه أمكن كونُه منه ولم يَنْفِه.

  5. فإن قيل: فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بعد اللِّعان، ونفى الولدَ بأنَّه إن جاء يُشبِه الزَّوجَ صاحبَ الفراش فهو له، وإن جاء يُشبِه الذي رُمِيَتْ به فهو له، فما قولكم في مثل هذه الواقعة إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها، ثمَّ جاء الولد يُشبِهه، هل تُلحِقونه به بالشَّبه عملًا بالقافة، أو تحكمون بانقطاع نسبه منه عملًا بموجب لعانِه؟

  6. قيل: هذا مجالٌ ضَنْكٌ وموضعٌ ضيِّقٌ تَجاذبَ أَعِنَّتَه اللِّعانُ المقتضي لانقطاع النَّسب وانتفاءِ الولد، وأنَّه يُدعى لأمِّه ولا يُدعى لأبٍ، والشَّبه الدَّالُّ على ثبوت نسبه من الزَّوج، وأنَّه ابنه مع شهادة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّها إن جاءت به على شبهه فالولد له، وأنَّه كذب عليها، فهذا مضيقٌ لا يتخلَّص منه إلا المستبصر البصير بأدلَّة الشَّرع وأسراره، والخبير بجمعه وفَرْقه، الذي

    ج ٦ ص ٥٢٩سافرت به همَّتُه إلى مطلعِ الأحكام، والمشكاةِ التي ظهر منها الحلال والحرام.

  7. والَّذي يظهر في هذا ــ والله المستعان وعليه التُّكلان ــ أنَّ حكم اللِّعان قَطَعَ حكم الشَّبه، وصار معه بمنزلة أقوى الدَّليلين مع أضعفهما، فلا عبرةَ للشَّبه بعد مُضيِّ حكم اللِّعان في تغيير أحكامه. والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُخبِر عن شأن الولد وشَبَهِه ليغيِّر بذلك حكم اللِّعان، وإنَّما أخبر عنه ليتبيَّن الصَّادق منهما من الكاذب، الذي قد استوجب اللَّعنة والغضب، فهو إخبارٌ عن أمرٍ قدريٍّ كونيٍّ يتبيَّن به الصَّادق من الكاذب بعد تقرُّر الحكم الدِّينيِّ، وأنَّ الله سبحانه سيجعل الولد دليلًا على ذلك.

  8. ويدلُّ عليه أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك بعد انتفائه من الولد وقال: «إن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا صَدقَ عليها، وإن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا كذَبَ عليها» ، فجاءت به على النَّعت المكروه، فعَلِمَ أنَّه صدق عليها، ولم يَعرِض لها، ولم يفسخ حكم اللِّعان، فيحكم عليها بحكم الزَّانية مع العلم بأنَّه صدق عليها، فكذلك لو جاءت به على شَبَه الزَّوج لعَلِمَ (١) أنَّه كذب عليها، ولا يُغيِّر ذلك حكمَ اللِّعان فيحدَّ الزَّوج ويلحق به الولد. فليس قوله: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية» إلحاقًا له به في الحكم، كيف وقد نفاه باللِّعان، وانقطع نسبه به. كما أنَّ (٢) قوله: «وإن جاءت به كذا وكذا فهو للَّذي رُمِيَتْ به» ليس إلحاقًا له (٣) به وجَعْلَه ابنَه، وإنَّما هو إخبارٌ عن الواقع. وهذا