رزاح بن عدي،
700 paragraphs · vol. 11, p. 284
Page 13 of 18
- vol. 11, p. 418
فدفعوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بأقصر سورتين في القرآن: إذا جاء نصر الله والفتح، وإنا أعطيناك الكوثر، واحتمل عمر فدخل الناس عليه فقال:
يا عبد الله بن عباس أخرج فناد في الناس: أيها الناس: إن أمير المؤمنين يقول أعن ملأ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله. ما علمنا ولا اطلعنا، ثم قال: ادعوا لي الطبيب فدعي له فقال: أي الشراب أحب إليك؟ فقال:
النبيذ. فسقي نبيذا فخرج من بعض طعناته فقال الناس: هذا صديد، اسقوه لبنا فخرج فقال الطبيب. ما أرك تمسي فما كنت فاعلا فافعله فقال:
يا عبد الله بن عمر ناولني الكتف، فلو أراد الله أن يمضي ما فيها أمضاه، فقال له ابن عمر: أنا أكفيك محوها. فقال: لا والله لا يمحوها أحد غيري، فمحاها عمر بيده وكان فيها فريضة الجد، ثم قال: ادعوا لي عليا، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعدا، فلم يكلم أحدا منهم غير عثمان وعلي رضي الله عنهم ، فقال: يا علي، لعل
vol. 11, p. 419هؤلاء القوم يعرفون لك قرابتك من النبي ﷺ وصهرك، وما آتاك الله من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه، ثم دعا عثمان فقال:
يا عثمان، لعل هؤلاء القوم سيعرفون لك صهرك من رسول الله ﷺ وسنك وشرفك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله ولا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، ثم قال: ادعوا لي صهيبا فدعي فقال: صلّ بالناس ثلاثا وليخل هؤلاء القوم في بيت فإذا أجمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه، فلما خرجوا من عند عمر قال: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق، يعني علي بن أبي طالب، فقال ابن عمر: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال:
أكره أن أتحملها حيا وميتا، ثم دخل عليه كعب فقال: جاء ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١) قد أنبأناك أنك شهيد، فقلت أنّى لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب.
-
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا وكيع عن أبي معشر، ثنا أشياخنا قالوا: قال عمر رضي الله عنه : إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية معها، واللين الذي لا وهن فيه.
-
المدائني قال: كان عمر يقول الرأي كثير، والحزم قليل، وكان عروة بن الورد العبسي من حزماء الرجال، وأشار عيينة بن حصن على عمر أن ينحي عنه العجم وقال: إني لأخاف عليك هذه الحمراء، فلما طعن قال: ما فعل عيينة بن حصن؟ قالوا: مات قال: لله رأي بين الحاجر
vol. 11, p. 420والرقم (١) ، ويقال انه قال: لله قبر بين الحاجر والرقم لقد ضمن رأيا وحزما.
-
حدثني شيبان الآجري عن نافع أبي هرمز عن أنس عن عمر أنه قال:
لكل شيء رأس ورأس المعروف أعجله.
-
حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا علي بن مسعدة، ثنا عبد الله الرومي قال: دخلت على أم طلق بيتها فإذا سمكه قصير يكاد يناله رأسي فقلت لها يا أم طلق، ما أقصر سقف بيتك! فقالت: أي بنيّ أو ما علمت ما كتب به عمر بن الخطاب إلى الأمصار والآفاق، كتب لا تطيلوا بيوتكم فإنه من شر أعمالكم. قلت: هل رأيت أبا ذر؟ قالت: نعم، ودخلت عليه بيته، قلت: كيف رأيت هيئته؟ قالت: رأيته أشعث أغبر وبيده عودان قد خالف بينهما وإلى جانبه صوف منفوش فهو يأخذ منه ويغزل، فأعطيته شيئا من دقيق أو سويق كان معي فأخذه في طرف ثوبه، ثم قال لي: ثوابك أو أجرك على الله.
-
حدثني محمد بن سعد، ثنا عبد الكريم بن بكر السهمي، ثنا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما احتضر قال: ان استخلف فسنّة، وإن لم استخلف فسنّة، توفي رسول الله ﷺ ولم يستخلف، وتوفي أبو بكر فاستخلف. فقال علي بن أبي طالب:
عرفت والله أنه لم يعدل بسنة رسول الله ﷺ ، فذاك حين جعلها شورى بين: علي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وسعد، وقال
vol. 11, p. 421للأنصار: أدخلوهم بيتا ثلاثة أيام، فإن استقاموا، وإلا فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم (١) .
-
حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ علي بن زيد عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مسندا إلى ابن عباس، وكان عنده ابن عمر وسعيد بن زيد، فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا، ولم استخلف بعدي أحدا، وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله، فقال سعيد بن زيد: أما أنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك الناس.
فقال عمر: قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، ثم قال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟ فقال له: قاتلك الله. والله ما أردت الله بها.
-
أستخلف رجلا لم يحسن يطلق امرأته؟ قال عفان: يعني بالرجل المغيرة بن شعبة.
-
حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد ثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة أن ابن عمر قال لعمر: لو استخلفت. قال: من؟ قال:
تجتهد. لو أنك بعثت إلى قيّم أرضك ألم تكن تحب أن تستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى، قال: أرأيت لو بعثت راعي غنمك ألم تكن تحب أن تستخلف رجلا حتى يرجع؟
-
حدثني محمد بن سعد، ثنا يعقوب بن ابراهيم الزهري عن أبيه عن
vol. 11, p. 422صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: دخل الرهط على عمر قبل أن ينزل به فنظر إليهم فقال: إني نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقا إلا أن يكون منكم، وإنما الأمر إلى هؤلاء الستة، وكان طلحة غائبا في ماله بالشراة، وإنما يؤم قومكم أحدكم أيها الثلاثة: عبد الرحمن، وعثمان، وعلي، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحملنّ ذوي قرابتك على رقاب الناس، وإن كنت يا عثمان على شيء من أمر الناس فلا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت يا عليّ على شيء من أمر الناس فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس، ثم قال: قوموا فتشاوروا وأمرّوا أحدكم.
قال عبد الله بن عمر: فقاموا يتشاورون، فدعاني عثمان ليدخلني في الأمر، ولا والله ما أحب أني كنت دخلت فيه، علما أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي، فوالله لقلّما رأيته يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان حقا، فلما أكثر عليّ عثمان قلت له: ألا تعقلون؟ أتؤمّرون وأمير المؤمنين حي؟ فوالله لكأنما أيقظت عمر من رقدة فقال: أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصلّ بكم صهيب ثلاث ليال، ثم اجمعوا أمركم فمن تأمّر على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.
قال ابن شهاب: قال سالم: قلت لعبد الله: ابدأ بعبد الرحمن قبل عليّ. قال: نعم والله.
-
حدثني محمد بن سعد، ثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن أبي شهاب قال: كان عمر بن الخطاب رضي
vol. 11, p. 423الله تعالى عنه لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة وهو على الكوفة يذكر غلاما له صانعا، ويستأذنه في دخوله المدينة، ويقول إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس، إنه: حداد، نقاش، نجار، فكتب إليه عمر فأذن له أن يرسل به إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم كل شهر، فجاء إلى عمر يشتكي إليه شدة الخراج وثقله فقال له: ماذا تحسن؟ فذكر له الأعمال التي يحسنها، فقال عمر: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطا يتذمر فلبث عمر ليالي، ثم إن العبد مرّ به فدعاه فقال له: ألم أحدّث أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت العبد إلى عمر ساخطا عابسا، وكان مع عمر رهط، فقال:
لأصنعنّ لك رحى تتحدث الناس في المشرق والمغرب بها. فلما ولّى العبد أقبل عمر على الرهط الذين كانوا معه فقال لهم: أو عدني العبد آنفا، فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في غبش السحر، فلم يزل هناك حتى خرج عمر رضي الله عنه يوقظ الناس لصلاة الصبح، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا عمر منه وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة فخنقت (١) الصفاق، وهي التي قتلته ثم أغار على أهل المسجد فطعن من يليه حتى طعن سوى عمر أحد عشر رجلا، ثم انتحر بخنجره، فقال عمر حين أدركه النزف وانقصف الناس عنه: قولوا لعبد الرحمن بن عوف، فليصل بالناس، ثم غلب عمر النزف حتى غشي عليه، قال ابن عباس: فاحتملته في رهط حتى أدخلته، ثم صلى للناس عبد الرحمن فأنكر الناس صوت عبد الرحمن، قال ابن
vol. 11, p. 424عباس: فلم أزل عند عمر ولم يزل في غشية واحدة حتى أسفر الصبح، ثم أفاق فنظر إلى وجوهنا ثم قال: أصلى الناس؟ قلت: نعم. قال:
لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم دعا بوضوء فتوضأ ثم قال: اخرج يا عبد الله فسل من قتلني، قال: فخرجت حتى فتحت باب الدار فإذا الناس مجتمعون جاهلون بخبر عمر، فقلت من طعن أمير المؤمنين؟ قالوا: طعنه عدو الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ثم طعن معه رهطا، ثم قتل نفسه، فأخبرت عمر فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط، ما كانت العرب لتقتلني. قال سالم: فسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال عمر: أرسلوا إلى الطبيب ينظر في جرحي هذا فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسقاه نبيذا فشبه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي تحت السرة، قال فدعوت طبيبا آخر من الأنصار فسقاه لبنا فخرج من الطعنة أبيض، فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين إعهد، فقال عمر: صدقني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك كذبتك. قال: فبكى عليه القوم حين سمعوا قوله، فقال:
لا تبكوا علينا ألم تسمعوا قول رسول الله ﷺ : : «يعذّب الميت ببكاء أهله عليه» ، فبلغ عائشة رضي الله تعالى عنها قوله فقال: «إنما مر رسول الله ﷺ على نوّح يبكين على هالك، فقال إن هؤلاء يبكون وصاحبهم يعذب وكأن قد اجترم ذلك» .
-
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن عمار عن أبي الحويرث قال: لما قدم المغيرة بن شعبة المدينة ضرب على غلامه أبي لؤلؤة مائة وعشرين درهما، في كل شهر، أربعة دراهم في اليوم، وكان خبيثا إذا نظر إلى السبي الصغار مسح رؤوسهم وبكى وقال: إن العرب أكلت كبدي،
vol. 11, p. 425فلما قدم عمر من مكة جاء أبو لؤلؤة إلى عمر يريده فوجده غاديا إلى السوق وهو متكئ على يد عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين إن سيدي المغيرة يكلفني من الضريبة ما لا أطيق، فقال عمر: وكم كلفك؟ قال: أربعة دراهم في كل يوم، قال: وما تعمل؟ قال: الأرحية، وسكت عن سائر أعماله. قال: في كم تعمل الرحى؟ فأخبره، قال: وبكم تبيعها؟ فأخبره فقال عمر: لقد كلفك يسيرا، انطلق فأعط مولاك ما سألك، فلما ولى قال عمر: ألا تعمل لنا رحى؟ قال: بلى أعمل لك رحى يتحدث بها أهل الأمصار ففزع عمر من كلمته وقال لعلي وكان معه: ما تراه أراد؟ قال:
أوعدك يا أمير المؤمنين. قال عمر: يكفيناه الله، قد ظننت أنه يريد بكلمته غورا. قالوا وكان أبو لؤلؤة من سبي نهاوند.
-
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أبي بكر بن اسماعيل عن أبيه قال: لما طعن عمر هرب أبو لؤلؤة وجعل عمر ينادي: الكلب، الكلب، وطعن نفسه، فأخذ أبو لؤلؤة رهط من قريش: عبد الله بن عوف الزهري، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ورجل، فطرح عليه عبد الله بن عوف خميصة كانت عليه فانتحر بالخنجر حين أخذ، واحتز عبد الله بن عوف رأس أبي لؤلؤة، وقال هشام ابن الكلبي: وثب كليب بن قيس بن بكير الكناني الجزار على أبي لؤلؤة فقتله.
-
حدثني روح بن عبد المؤمن عن أبي عوانة عن رقبة بن مصقلة عن أبي صخرة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت عمر حين طعن يقول: ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (١) .
- vol. 11, p. 426
حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا العمري عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يكتب إلى أمراء الجيوش ألا تجلبوا علينا شيئا من العلوج أحدا جرت عليه الموسى، فلما طعنه أبو لؤلؤة قال: من هذا؟ قالوا: غلام المغيرة بن شعبة. قال: قد قلت لكم:
لا تجلبوا علينا من العلوج أحدا فغلبتموني.
-
حدثني عمرو الناقد، ثنا يعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: طعن الذي طعن عمر اثني عشر رجلا بعمر، فمات منهم ستة بعمر، وأفرق (١) ستة.
-
حدثنا سريج بن يونس وعمرو الناقد قالا: ثنا اسماعيل بن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة أن عمر لما طعن جعل يغمى عليه، فقيل إنكم لن تنبهوه أو لم تفزعوه بمثل الصلاة إن كانت به حياة.
فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين الصلاة فقد صلّيت، فانتبه فقال: الصلاة؟ ها الله إذا، ولا حظّ لمن ترك الصلاة. قال: فصلى وإن جرحه ليثغب دما.
وقال الواقدي: حدثني عمر بن أبي عاتكة عن أبيه عن ابن عمر أن عمر صلى الصبح حين طعن فقرأ في الأولى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. وفي الثانية: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾.
-
حدثنا عفان، ثنا شعبة عن سماك قال: سمعت ابن عباس قال:
دخلت على عمر حين طعن فجعلت أثني عليه، فقال: بأي شيء تثني عليّ يا بن عباس؟ بالإمرة أم بغيرها؟ قال: قلت: بكل، قال: ليتني أخرج منها كفافا بلا أجر ولا وزر.
- vol. 11, p. 427
حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا جرير بن حازم قال: سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن نافع قال: رأى عبد الرحمن بن عوف السكين الذي قتل به عمر، فقال: رأيت هذا السكين أمس مع الهرمزان وجفينة فقلت: ما تصنعان بهذا السكين؟ فقالا: نقطع به اللحم، فإنا لا نمسّ اللحم فقال له عبيد الله بن عمر: أنت رأيتها معهما؟ قال: نعم، فأخذ عبيد الله سيفه ثم أتاهما فقتلهما، فأرسل إليه عثمان: ما حملك على قتل هذين الرجلين وهما في ذمتنا، فأخذ عبيد الله عثمان فصرعه حتى قام الناس فحجزوه عنه، وكان حين أرسل إليه عثمان أخذ سيفه فتقلده فعزم عليه عبد الرحمن بن عوف أن يضعه فوضعه.
-
حدثني محمد بن سعد، ثنا معن بن عيسى، ثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما حضرت عمر الوفاة قال: أبالإمارة تغيظونني، فوالله لوددت أني أنجو كفافا لا علي ولا لي، قال مالك: فحدث سليمان بن يسار الوليد بن عبد الملك بذلك، فقال له: كذبت. قال سليمان: أو كذبت؟ أبو الحسن علي بن محمد المدائني قال: سمع عمر بكاء من سقيفة النساء وفيهنّ خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون، فأتاهن وخولة تبكي فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: رأيت ديكا أحمر وثب عليك فنقرك ثلاث نقرات، فأوّلت ذاك أن رجلا علجا أحمر يطعنك ثلاث طعنات، فقال: أنّى لي بالشهادة ولست بأرضها وبيني وبين الروم مسيرة أشهر.
-
المدائني قال: قال عيينة بن حصن لعمر: إن الله قد جعلك فتنة على
vol. 11, p. 428أمة محمد، فقال: كذبت. إنّ ربي ليعلم أني لم أضمر لها غير العدل والإحسان، فقال عيينة: لم أذهب هناك، ولكن يفقدون سيرتك فيضرب بعضهم رقاب بعض، فقال: ما أنا لذلك بآمن، فقال: يا أمير المؤمنين احترس من الأعاجم، وأخرجهم من المدينة، فإني لا آمنهم عليك، فلما طعن قال: ما فعل عيينة؟ قالوا: مات بالحاجر، فقال: إن هناك لرأيا.
قال: وقال عبد الله بن الزبير: دعا عمر أبا لؤلؤة عبد المغيرة فقال له: اعمل لي رحى، فقال: نعم أعمل لك رحى يسمع بها من بين لابتيها (١) ، قال: وكان أبو لؤلؤة من سبي نهاوند.
قال المدائني: ومن رواية بعضهم أن عمر افتتح سورة النحل فطعنه أبو لؤلؤة، وجال في الصفوف، فطعن من عرض له قريبا، فرماه رجل ببرنس، كان عليه فصرعه فنحر نفسه، قال: ويقال إن الذي رمى أبا لؤلؤة رجل من بني تميم، ثم من بني رباح يقال له حطان بن مالك. قال: ويقال إنه مات من طعنه أربعة منهم: إياس بن البكير بن عبد ياليل الكناني، وكليب بن قيس الجزار الكناني، فأخبر عمر، فقال: ما كنت أرى كليبا يسبقني إلى الجنة.
-
المدائني قال: قال الزهري: طعن عمر رضي الله تعالى عنه يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة، وقال غيره لستّ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وتوفي لهلال المحرم سنة أربع وعشرين، وتوفي ابن ستين سنة وذلك أثبت الأقاويل، قال: وكان مغشيا عليه حتى قيل له الصلاة، فقال: نعم الصلاة، ولا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
- vol. 11, p. 429
المدائني عن شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: بينا رأس عمر في حجري إذ قال: ضع رأسي بالأرض، قلت:
وما عليك أن يكون في حجري هو أوقى له، قال: ضعه لا أمّ لك، قال فوضعته. فقال: ويل لعمر ولأم عمر إن لم يغفر الله له.
-
المدائني عن هشام بن لاحق عن عاصم الأحول عن الشعبي أن عمر قال عند موته: ليتني أنجو من الأمر كفافا لا عليّ ولا لي، يا عبد الله بن عمر ضع خدي على الأرض، ويل لعمر وأم عمر إن لم ينجه الله من النار.
-
المدائني عن عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمر أن كعب الأحبار قال لعمر: يا أمير المؤمنين أنت ميت في ثلاث، أجد ذلك في كتاب الله، قال:
أتجد اسمي ونسبي؟ قال: لا ولكني أجد صفتك وسيرتك، فقال عمر:
أيوعدني كعب ثلاثا أعدها … ولا شكّ أنّ القول ما قال لي كعب
وما بي خوف الموت إني لميّت … ولكن خوفي الذنب يتبعه الذنب
وقال الشاعر:
ليبك على الاسلام من كان باكيا … فقد أوشكوا هلكا وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر أهلها … وقد ملها من كان يؤمن بالوعد
المدائني عن ابراهيم بن محمد عن قيس بن مسلم عن محمد بن الحنفية قال: دخل عليّ على عمر وهو مسجّى فقال: ما أحد من الناس أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجّى.
-
المدائني عن جويرية بن أسماء عن نافع قال: قال رجل لابن عمر:
أيغسّل الشهيد؟ قال: كان عمر شهيدا فغسل، وكفن وصلي عليه.
-
حدثنا شيبان بن فروخ الآجري، ثنا عثمان بن مقسم البري عن نافع
vol. 11, p. 430قال: قال المغيرة بن شعبة لعمر: ألا أدلك على القوي الأمين تستخلفه؟ قال: بلى. قال: عبد الله بن عمر، قال: ويحك ما أردت الله بقولك، ولأن يموت فأكفنه بيديّ أحبّ إليّ من أن أوليه وأنا أعلم أن في الناس من هو خير منه.
-
المدائني عن عبد الله بن فائد وابن جعدبة قالا: لما مات عمر جاء رجل من أصحاب الشورى ليصلي عليه فقال عبد الرحمن بن عوف: إن هذا لهو الحرص، وقدم صهيبا فصلّى، وقال: إن عمر ولى صهيبا الصلاة حتى يجتمع الناس على إمام يختاره الستة ودفن عمر عند غروب الشمس.
وقال أبو عمر الجلحي:
ثلاثة لا ترى عين لهم شبها … تضمّ أعظمهم في المسجد الحجر
المدائني قال: لما مات عمر رضي الله تعالى عنه ندبته ابنة أبي حثمة فقالت:
واعمراه أقام الأود وأبرأ العمد وأمات الفتن وأحيا السنن، واعمراه خرج من الدنيا نقي الثوب بريئا من العيب.
وقالت عاتكة بنت زيد ترثيه:
فجعني فيروز لا درّ درّه … بأبيض تال للقران منيب
عطوف على الأدنى غليظ على العدى … أخي ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله … سريع إلى الخيرات غير قطوب
حدثني علي بن الحسين بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأ إسرائيل عن كثير النواء عن أبي عبيد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال:
كنت مع علي بن أبي طالب فسمعنا الصيحة على عمر فدخلنا عليه، فقالت
vol. 11, p. 431أم كلثوم: واعمراه، وكان معها نسوة يبكين، فارتجّ البيت بكاء، فقال عمر: والله لو أن لي ما على الأرض لافتديت به نفسي من هول المطلع، فقال ابن عباس: والله إني لأرجو ألا تراها إلا قدر ما قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ (١) لقد كنت ما علمناك تقضي بكتاب الله، وتقسم بالسوية.
قال: فضرب على كتفي ابن عباس وقال: تشهد يا بن عباس بهذا؟ قال: نعم أشهد به.
-
حدثني عفان بن مسلم الصّفار، ثنا أبو عوانة، ثنا داود بن عبد الرحمن عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، ثنا ابن عباس بالبصرة قال: أنا أول من أتى عمر بن الخطاب حين طعن، فقال: احفظ مني ثلاثا فإني أخاف أن لا يدركني الناس: أما أنا فلم أقض في الكلالة، ولم أستخلف خليفة، وكل مملوك لي عتيق. قلت: أبشر بالجنة، صاحبت رسول الله ﷺ فأطلت صحبته ووليت أمر المؤمنين فقويت فيه، وأديت الأمانة. قال: أما تبشيرك إياي بالجنة فوالله الذي لا إله إلا هو لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي، وأما قولك في إمرة المؤمنين فوالله لوددت أني أنجو من ذلك كفافا لا لي ولا عليّ، وأما ما ذكرت من صحبتي لرسول الله ﷺ فذاك.
-
حدثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على عمر حين طعن ونحن تسعة عشر فشكا إلينا ألم الوجع.
-
حدثني عمرو بن محمد الناقد، وبكر بن الهيثم قالا: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا هارون بن أبي ابراهيم عن عبد الله بن عبيد الله بن
vol. 11, p. 432عمير أن عمر لما طعن سقي لبنا فخرج من جرحه، فلما رأى بياضه بكى، وأبكى الناس حوله، ثم قال: لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، قالوا: فهذا أبكاك؟ قال: ما أبكاني غيره.
قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين لقد كان إسلامك نصرا، وإمارتك فتحا، ولقد ملأت الأرض عدلا، فقال عمر: أجلسوني، فلما جلس قال: يا بن عباس أعد علي كلامك، فأعاده فقال: أتشهد لي بهذا عند الله يوم تلقاه؟ قال ابن عباس: نعم، فأعجب ذلك عمر وفرح به.
-
حدثني محمد بن سعد، ثنا يزيد بن هارون عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما طعن عمر جعل جلساؤه يثنون عليه، فقال: إن من غره عمره لمغرور، والله لوددت أني أخرج منها كما دخلت فيها، والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع.
-
حدثني محمد بن سعد، أنبأ يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال حين قتل عمر: مررت على قاتل عمر أبي لؤلؤة فيروز، ومعه جفينة، والهرمزان وهم نجيّ، فلما بغتّهم ثاروا فسقط من بينهم خنجر له رأسان ونصابه وسطه، فانظروا ما الخنجر الذي قتل به عمر فنظروه فإذا هو الخنجر الذي نعته عبد الرحمن فانطلق عبيد الله بن عمر حين سمع ذلك من عبد الرحمن ومعه السيف حتى دعا الهرمزان فلما خرج إليه قال: انطلق معي ننظر إلى فرس لي، وتأخر عنه حتى إذا مضى بين يديه علاه بالسيف، قال عبيد الله: فلما وجد حر السيف قال: لا إله إلا الله، قال عبيد الله: ودعوت جفينة وكان نصرانيا من نصارى الحيرة وكان ظئرا لسعد بن أبي
vol. 11, p. 433وقاص أقدمه المدينة للملح (١) الذي كان بينه وبينه، فكان يعلم الكتاب بالمدينة، فلما علوته بالسيف صلّب بين عينيه، ثم انطلق عبيد الله فقتل ابنة لأبي لؤلؤة صغيرة تدّعي الإسلام، وأراد عبيد الله أن لا يترك يومئذ سبيا بالمدينة إلا قتله، فاجتمع المهاجرون الأولون عليه فنهوه وتوعدوه فقال: والله لأقتلنّهم وغيرهم، وعرض ببعض المهاجرين فلم يزل عمرو بن العاص به حتى دفع إليه السيف، فلما دفعه إليه أتاه سعد بن أبي وقاص فأخذ كل واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان حتى حجز بينهما، وأقبل عثمان قبل أن يبايع له في تلك الليالي فكلمه حتى تناصيا، وأظلمت الأرض يوم قتل عبيد الله الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة على الناس، فلما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار فقال: أشيروا علي في قتل هذا الذي فتق في الدين ما فتق فأجمع المهاجرون على كلمة واحدة يشايعون عثمان على قتله وجلّ الناس مع عبيد الله يقولون: لجفينة والهرمزان أبعدهما الله، لعلكم تريدون أن تتبعوا عمر ابنه، فكثر اللغط في ذلك والاختلاف، وقال عمرو بن العاص: هذا أمر كان قبل أن يكون لك على الناس سلطان، فأعرض عنه، وتفرق الناس عن خطبة عمرو بن العاص، وودى عثمان الرجلين والجارية.
وقال ابن شهاب: قال حمزة بن عبد الله: قال عبد الله بن عمر: يرحم الله حفصة فإنها ممن شجع عبيد الله على ما فعل من قتلهم.
-
محمد بن سعد عن الواقدي عن موسى بن يعقوب عن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال: رأيت عبيد الله وإنه ليناصي عثمان وشعر عبيد الله في
vol. 11, p. 434يده وهو يقول له: قاتلك الله قتلت رجلا يصلي، وصبية صغيرة، وآخر من ذمة رسول الله ﷺ ، ما في الحق تركك. فعجب الناس لعثمان حين ولي كيف تركه ولكن عمرو بن العاص لفته عن رأيه.
وقال الواقدي: حدثني عتبة بن جبيرة عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: ما كان عبيد الله يومئذ إلا كالسبع الحرب، وجعل يعترض العجم بالسيف حتى جلس في السجن فكنت أحسب عثمان يقتله إن ولي لما كنت أراه يصنع به، وكان هو وسعد أشد أصحاب النبي ﷺ عليه، ولما استخلف عليّ هرب ولحق بمعاوية.
-
الواقدي قال: لما تناصى عثمان وعبيد الله جعل عثمان رضي الله تعالى عنه يقول:
لعمري لقد أصبحت تهدر دائبا … وغالت أسود الأرض عنك الغوائل
- وجعل عبيد الله يقول:
-
وما أنا باللحم الغريض تسيغه … فكل من خشاش الأرض إن كنت آكلا
قال وحبسه عثمان ثم أطلقه.
قالوا: وكانت تلك أول مغالظة بين عمار بن ياسر وعثمان في أمر عبيد الله، قال له: اتق الله واقتله بالهرمزان فإنه مسلم قد حج.
وقال الواقدي: تطاول عمرو بن العاص للشورى فقال عمر: اطمئن كما وضعك الله، والله لا أجعل فيها أحدا حمل السلاح على رسول الله ﷺ .
-
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: إن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا
vol. 11, p. 435لأبناء الطلقاء. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما طمع يزيد بن أبي سفيان ومعاوية أن استعملهما على الشام.
قال الواقدي: قال عمر لعبد الله: ألصق خدي بالتراب، وكان آخر ما تكلم به: ويل لعمر إن لم يغفر الله له، ويح عمر إن لم ينجه الله من النار، وجعل يلوي رجلا على رجل.
-
المدائني عن جويرية بن أسماء عن جعفر بن محمد قال: دخل عليّ على عمر حين طعن وهو يبكي فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري أيذهب بي إلى الجنة أم إلى النار؟ فقال: ابشر بالجنة فقال: أو تشهد لي بها يا أبا الحسن؟ فقال: نعم سمعت رسول الله ﷺ ويقول: «إن أبا بكر وعمر لمن أهل الجنة» .
-
المدائني قال: قال ابن عباس لعمر رضي الله تعالى عنهما: ما يبكيك وفيك خصال لا يعذبك الله بعدها: إنك إذا قلت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت.