رزاح بن عدي،

700 paragraphs · vol. 11, p. 284

Page 8 of 18

  1. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في بعض خطبه: أيها الناس، إن بعض الطمع فقر حاضر، وإن بعض اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجلون في دار غرور.

    وقال رضي الله تعالى عنه: أظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم

    vol. 11, p. 357بسرائركم، فإنه من أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا، ومن أظهر لنا سوءا، وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه.

    وقال عمر رضي الله عنه : اتقوا الله وأصلحوا أموالكم ولا تلبسوا نساءكم القباطي (١) فإنها إلاّ تشفّ تصف، والله لوددت أني أنجو من أمركم كفافا لا عليّ ولا لي، وإني لأرجو إن عمرت يسيرا أو كثيرا أن أعمل فيكم بالحق، وألا يبقى أحد من المسلمين إلاّ أتاه نصيبه من مال الله، فأصلحوا أموركم واعلموا أن قليل الرزق في رفق خير من كثيره مع عنف وخرق.

    وقال رضي الله تعالى عنه في خطبة له: إن الدنيا خضرة حلوة فإياكم وإياها، خافوها على أعمالكم حيثما كنتم، وإن نزلتم بأرض عدو لا يفهمون كلامكم فأشار أحدكم إلى السماء لبعضهم فقد أمن لأنه يظن أن ذلك عقده.

    وقال عمر: إني فرضت الضيافة ثلاثة أيام، فأتت رفقة جنّ عليها الليل فاضطرها إلى قرية مصالحة فلم ينزلوهم حتى باتوا بالعراء فقد برئت من أهل تلك القرية الذمة.

    vol. 11, p. 356
  2. المدائني عن عبد الله بن داود الواسطي عن زيد بن أسلم قال قال عمر بن الخطاب: كنا نعد المقرض بخيلا، إنما كانت المؤاساة.

  3. حدثني عبد الله بن معاذ بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر.

  4. حدثنا محمد بن مصفى الحمصي، ثنا بقية بن الوليد، حدثني

    vol. 11, p. 358الزبيدي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى أني لأرى الريّ يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضله عمر. قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم» .

  5. المدائني عن الحسن بن دينار عن الحسن قال: لم يفضل عمر أصحاب رسول الله ﷺ ، لأنه كان أطولهم وأكثرهم صياما، ولكنه فضلهم بأنه كان أزهدهم في الدنيا، وأشدهم في أمر الله.

  6. حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا أبو شهاب الحناط عبد ربه، أنبأ اسماعيل بن أبي خالد عن عامر الشعبي قال: أشهد على أبي جحيفة أنه قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يا وهب، ألا أنبئك بأفضل هذه الأمة بعد نبيها؟ قلت: بلى. قال: أبو بكر، وعمر، ورجل آخر.

  7. وحدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا أبو شهاب عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله بن مسعود: كان عمر حصنا حصينا، وكانوا يدخلون فيه ولا يخرجون، فلما مات عمر انثلم الحصن فالناس يخرجون منه ولا يدخلون، فإذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر.

  8. المدائني عن أبي اسماعيل الهمداني عن مجالد عن الشعبي قال: ذكر رجل عند عمر بن الخطاب فقيل: يا أمير المؤمنين، لا يعرف من الشر شيئا، فقال ذلك أوقع له فيه.

  9. حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا سفيان عن عيسى عن الشعبي قال: قال عمر رضي الله عنه : لقد تركت تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام.

  10. المدائني عن طعمة بن غيلان عن اسماعيل بن أبي خالد عن أسلم النخعي قال: دخل عمر على النبي ﷺ وعليه ثوبان غسيلان فقال النبي ﷺ : «إلبس جديدا وعش حميدا، وانبعث شهيدا، ويعطك الله خيرا في الدنيا والآخرة» .

    وقال المدائني: روى ليث عن مجاهد أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أيّدني من الملائكة بجبريل وميكائيل ومن أهل الأرض بأبي بكر وعمر فمن خالفهما فقد خالفني» .

    vol. 11, p. 359
  11. وحدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن مجالد عن أبيه عن الشعبي أن عمر كتب إلى أهل الأمصار، أو قال إلى أهل الشام: أن علموا أولادكم الفروسية والعوم، ورووهم الشعر.

  12. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، ثنا قيس بن الربيع عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي أن عمر كان يغزي العزب عن ذي الحليلة، والفارس عن القاعد.

  13. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن خارجة بن عبد الله بن كعب عن أبيه أن عمر كان يعاقب بين الغزاة وينهى أن تحمل الذرية إلى الثغور.

  14. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: ما رأيت عمر غضب قط، فذكر الله عنده أو خوّف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما كان يريد.

  15. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، حدثني عبيد الله بن عون بن مالك الدارعي عن أبيه عن جده قال: صاح عمر عليّ يوما وعلاني بالدرة فقلت:

    اذكر الله، فطرحها وقال: لقد ذكرتني عظيما.

  16. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن عمر عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: جاء بلال فاستأذن على عمر فقلت: إنه نائم، فقال:

    يا أسلم كيف تجدون عمر؟ قلت: هو خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه.

    vol. 11, p. 360
  17. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن قيس بن الربيع عن عطاء بن السائب عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال سلمان: إن أنت جبيت من الأرض درهما أو أقل ثم وضعته في غير موضعه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر.

  18. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن سفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم، فقال له قائل: إن بينهما فرقا، إن الخليفة لا يأخذ إلاّ حقا ولا يضعه إلاّ في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا، قال: فسكت عمر.

  19. حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس عن سفيان قال: عمر إمامنا في الجماعة، وابنه إمامنا في الفرقة.

  20. حدثني محمد بن سعد عن سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي أن عمر كان إذا استعمل عاملا كتب ماله.

  21. حدثني محمد عن الواقدي عن اسماعيل بن ابراهيم بن عقبة عن عمه محمد بن عقبة عن سالم عن ابن عمر أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم منهم

    vol. 11, p. 361سعد بن أبي وقاص فشاطرهم إياها، فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا وقالوا:

    قاسم عمر أبا هريرة حين ولاه البحرين، وقاسم عمرو بن العاص، وقاسم معاذ بن جبل.

  22. حدثني محمد بن سعد عن عثمان بن عبد الله بن زياد مولى مصعب بن الزبير عن أيوب بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من المال شيئا حتى دخلت عليه خصاصة، فأرسل إلى أصحاب النبي ﷺ فاستشارهم فقال: قد شغلت بهذا الأمر فما يصلح لي من المال؟ فقال عثمان بن عفان: كل وأطعم، وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل مثل ذلك، وقال لعلي بن أبي طالب: ما تقول أنت؟ قال: غداء وعشاء، قال: فأخذ عمر بقول علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

  23. حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا محمد بن عبيد عن أبي سعيد البقال عن أبي حصين عن أبي وائل أنه سمع حذيفة يقول: ما أحد يفتش إلا فتش عن جائفة أو منقلة إلاّ عمر بن الخطاب وابنه.

  24. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: كان عمر بن الخطاب يقوت نفسه وأهله ويكتسي الحلة في الصيف، وربما خرّق الإزار في الصيف حتى يرقعه فما يبدل مكانه، وما من عام يكثر فيه المال إلا وكسوته فيه أدنى من العام الماضي، فكلمته حفصة في ذلك فقال: إنما أكتسي من مال المسلمين وهذا يبلّغني.

  25. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبيه قال: كان عمر يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله، وأنفق في حجته ثمانين ومائة درهم.

  26. حدثني محمد بن سعد. حدثني عمر بن صالح مولى التوأمة عن ابن الزبير قال: أنفق عمر في حجته مائة وثمانين درهما، وقال: قد أسرفنا في هذا المال.

    قال الواقدي: فمائة وثمانون درهما على صرف اثني عشر درهما بدينار خمسة عشر دينارا.

    vol. 11, p. 362
  27. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن الزهري قال: لما ولي عمر أكل هو وأهله من المال واحترف في مال نفسه.

  28. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، حدثني محمد بن عبد الله بن سليمان عن عبد الله بن واقد عن ابن عمر قال: أهدى أبو موسى الأشعري لامرأة عمر عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل طنفسة أراها تكون ذراعا وشبرا، فرآها عمر عندها فقال: أنّى لك هذه؟ فقالت: أهداها لي أبو موسى الأشعري، فأخذها عمر رضي الله تعالى عنه فضرب بها رأسها حتى نفض رأسها، ثم قال: عليّ بأبي موسى وأتعبوه فأتي به وقد أتعب وهو يقول: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين فقال عمر: ما يحملك على أن تهدي لنسائي ثم أخذها عمر فضرب بها فوق رأسه وقال: خذها فلا حاجة لنا فيها.

  29. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، ثنا عبد الله بن عمر عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال لي عمر: يا أسلم امسك عليّ الباب ولا تأخذنّ من أحد شيئا، قال: فرأى عليّ يوما ثوبا جديدا فقال: من أين لك هذا؟ قلت كسانيه عبيد الله بن عمر، فقال: أما عبيد الله فخذ منه، وأما غيره فلا تأخذ منه شيئا.

    vol. 11, p. 363قال أسلم: وجاء الزبير وأنا على الباب فسألني أن يدخل فقلت: أمير المؤمنين مشغول، قف ساعة. قال: فدفع يده فضربني خلف أذني ضربة صيّحتني، فدخلت على عمر فأخبرته فجعل عمر يقول: الزبير والله أرى، قال: وأدخله، فقال عمر: أضربت هذا الغلام؟ فقال الزبير: زعم أنه يمنعنا من الدخول عليك، فقال عمر: هل ردّك عن بابي قط؟ قال: لا، فقال عمر: أفقال لك اصبر ساعة فإن أمير المؤمنين مشغول فلم تعذرني، إنه والله إنما يدمى السبع للسباع فتأكله (١) .

  30. حدثني أبو الحسن علي بن محمد المدائني عن النضر بن إسحاق عن أبي المليح أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يقول: رحم الله من قدّم فضل المال وأمسك فضل الكلام.

  31. المدائني عن الوقاصي عن الزهري أن عمر بن الخطاب قال: لا شيء أنفع في دنيا وأبلغ في أمر دين من كلام.

  32. المدائني في إسناده، قال: خطب عمر بن الخطاب حين ولي فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: «إني قد وليت عليكم، ولولا رجائي أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم اضطلاعا بما ينوب من مهم أمركم، ما توليت ذلك منكم، ولكفى عمر مهمّا محزنا انتظار الحساب على ما يصنع بكم ويسير به فيكم، ولم يصبح عمر ينوء بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله برحمته وعونه وتأييده، وإني معطي الحق من نفسي، وإنما أنا رجل منكم، فمن كانت له حاجة أو مظلمة أو عتب عليّ في خلق فليؤذنّي،

    vol. 11, p. 364وعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأموالكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، فليس بيني وبين أحد هوادة».

    قالوا: وقال عمر في خطبة له: «أيها الناس إنه قد اقترب منكم زمان قليل الأمناء والفقهاء، كثير الأمراء والقراء، يعمل فيه أقوام بعمل الآخرة طلبا للدنيا التي تأكل دين صاحبها كما تأكل النار الحطب، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليصبر» .

    وقال عمر رضي الله تعالى عنه: «أيها الناس إنا لا نبعثكم أمراء جبارين، ولكنا نبعثكم أئمة هدى يقتدى بكم، فأدرّوا على المسلمين لقحتهم، ولا تضربوهم فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم، ولا تجهلوا عليهم فتحرجوهم، وقاتلوا الكفار بهم طاقتهم، فإذا رأيتم بهم كلالا فكفوهم فإنه أبلغ في جهاد عدوهم» .

  33. حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن زياد بن حدير قال: كنت أعشرّ بني تغلب إذا أقبلوا وإذا أدبروا، فانطلق شيخ منهم إلى عمر فشكا إليه فقال: تكفى ثم أتاه الشيخ بعد ذلك فقال: أنا الشيخ النصراني. قال عمر: وأنا الشيخ المسلم، وكتب إليّ ألا تعشرهم في السنة إلاّ مرة واحدة.

  34. وحدثني الحسين بن علي بن الأسود عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال:

    «أوصي الخليفة من بعدي بأهل الأمصار فإنهم جباة المال وغيظ العدو، وردء المسلمين، أن يقسم فيهم بالعدل ولا يحمل من عندهم فضل إلا أن تطيب به أنفسهم، وأوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم ولا يكلفوا فوق طاقتهم» .

  35. حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن اسماعيل بن أبي خالد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى شيخا من أهل الذمة يقوم على أبواب الناس يسألهم فقال:

    ما أنصفناك، أخذنا منك الخراج شابا فلما كبرت خذلناك. فأجرى عليه قوته من بيت مال المسلمين.

    vol. 11, p. 365
  36. حدثني عمرو الناقد، ثنا حفص بن غياث عن عبد الله بن سعيد المقبري عن جده قال: سمعت عمر رضي الله تعالى عنه يصالح أهل السواد فاشترط عليهم الضيافة، وأن يهدوا ابن السبيل. قال: وسمعته يقول:

    ونحن براء من معّرة الجيش، قالوا: واشترط عليهم ضيافة ثلاثة أيام، فإن حبست الرجل علة أو مطر أضافوه يوما آخر أو يومين، فان زاد استنفق من ماله، وأن لا يتعدى ما عندهم من طعام وعلف.

  37. حدثنا عفان، ثنا الأسود بن شيبان، أنبأ خالد بن سمير أن رجلا يقال له معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة، فأصاب خراجا من خراج الكوفة فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إلى المغيرة بن شعبة: إنه بلغني أن رجلا يقال له معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة فأصاب خراجا من خراج الكوفة فإذا أتاك كتابي هذا فإذا رأيته فنفذ أمري فيه، وأطع رسولي، فلما صلى المغيرة العصر وأخذ الناس مجالسهم، خرج المغيرة ومعه رسول عمر، فاشرأب الناس ينظرون إليه حتى وقف على معن فقال للرسول إن أمير المؤمنين أمرني أن أطيع فيه أمرك فمرني بما شئت فقال: ادع بجامعة فاجعلها في عنقه ففعل وجبذها جبذا شديدا، ثم قال: احبسه إلى أن يأتيك فيه أمر أمير المؤمنين ففعل، وكان السجن يومئذ من قصب، فتحيل معن

    vol. 11, p. 366للخروج، وبعث إلى أهله أن ابعثوا إلي بناقتي وجاريتي وعباءتي القطوانية ففعلوا، وخرج من الليل وأردف جاريته، وسار حتى إذا رهب أن يفضحه الصبح أناخ ناقته وعقلها، ثم كمن حتى إذا سكن عنه الطلب، أعاد على ناقته العباءة وأردف جاريته ثم سار كذلك حتى قدم على عمر وهو يوقظ المتهجدين النّوام لصلاة الصبح، ومعه درته، فجعل ناقته وجاريته ببعض المواضع، ثم دنا من عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك من أنت؟ فقال: معن بن زائدة قد جئتك تائبا قبل أن تقدر عليّ فقال عمر: أنت معن فلا حياك الله، فلما صلى الصبح قال للناس: مكانكم. فلما طلعت الشمس قال: هذا معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة فأصاب به خراجا من خراج الكوفة، فأشيروا عليّ. فقال قائل: اقطع يده وقال قائل: اصلبه، وعليّ عليه السلام ساكت، فقال له عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: رجل كذب كذبة عقوبته في بشره، فضربه عمر ضربا شديدا، أو قال مبرّحا، وحبسه فكان محبوسا ما شاء الله، ثم أرسل إلى صديق له من قريش أن كلم أمير المؤمنين في تخليه سبيلي فقد بلغ من عقوبتي ما أراد، فكلمه القرشي فقال: يا أمير المؤمنين، معن بن زائدة قد أصبته من العقوبة بما كان له أهلا فإن رأيت أن تخلي سبيله، فقال عمر: «ذكرتني الطعن وقد كنت ناسيا» ، ثم دعا بمعن فضربه وأمر به إلى السجن، فبعث معن إلى كل صديق له لا تذكروني لأمير المؤمنين، فلبث في السجن ما شاء الله، ثم إن عمر انتبه له فقال: معن فأتي به فقاسمه ماله وخلى سبيله، أو قال فقاسمه ما كان له.

  38. حدثني الحسين بن عثمان الزيادي أبو حسان، ثنا اسماعيل بن أبي

    vol. 11, p. 367خالد عن أبيه عن الشعبي أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي وفد على عمر بن الخطاب بعد فتح القادسية، فسأله عن سعد وعن رضا الناس عنه، فقال تركته يجمع لهم جمع الذرّة، ويشفق عليهم شفقة الأم البرّة، أعرابي في نمرته (١) ، نبطي في جبايته يقسم بالسوية ويعدل في القضية ويبعد بالسرية، فقال عمر: كأنكما تقارضتما الثناء، وكان سعد كتب يثني على عمرو، فقال عمرو: كلا يا أمير المؤمنين ولكني أثنيت بما أعلم.

    قال: يا عمرو أخبرني عن الحرب. قال: مرة المذاق إذا قامت على ساق، من صبر فيها عرف، ومن ضعف عنها تلف. قال: فأخبرني عن السلاح، قال: سل عمّ شئت منه. قال: الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك، قال: فالسهام؟ قال: رسل المنايا تخطئ وتصيب. قال:

    فالترس؟ قال: ذلك المجنّ وعليه تدور الدوائر، قال: فالدرع؟ قال:

    مشغلة للفارس متعبة للراجل، وإنها لحصن حصين. قال: فالسيف؟ قال هناك ثكلتك أمك، قال عمر: بل ثكلتك أمك، فقال عمرو: الحمى أضرعتني إليك (٢) .

  39. حدثنا شيبان بن فروخ الآجري، ثنا أبو هلال الراسبي، ثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: استعملني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على البحرين، فاجتمع لي اثنا عشر ألفا فلما قدمت عليه قال: يا عدوّ الله وعدوّ المسلمين، أو قال: وعدو كتابه، سرقت مال الله؟ قال: قلت:

    vol. 11, p. 368لست بعدو لله، ولا للمسلمين، أو قال: ولا كتابه، ولكني عدو من عاداهما، ولكن خيل تناتجت وسهام اجتمعت، قال: فأخذ مني اثنا عشر ألفا فلما صليت الغداة قلت: اللهم اغفر لعمر.

    قال: وكان يأخذ منهم ويعطيهم أفضل من ذلك، حتى إذا كان بعد قال: ألا تعمل يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: قد عمل من هو خير منك يوسف عليه السلام : ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ (١) قلت: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخاف منكم ثلاثا، واثنتين.

    قال: فهلا قلت خمسا. قلت: أخشى أن تضربوا ظهري، وتشتموا عرضي، وتأخذوا مالي، وأكره أن أقول بغير حلم، وأحكم بغير علم.

  40. حدثنا القاسم بن سلام وروح بن عبد المؤمن قالا: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي عن يزيد بن ابراهيم التستري عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه لما قدم البحرين قال له عمر: يا عدو الله وعدو كتابه، أسرقت مال الله؟ فقال: لست عدو الله، ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، لم أسرق مال الله. قال: فمن أين اجتمع لك عشرة آلاف درهم؟ قال: خيل تناسلت، وعطاء تلاحق، وسهام اجتمعت فقبضتها منه، وذكر باقي الحديث نحو الذي ذكر أبو هلال الراسبي.