وأما الفرزدق فاسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال،

126 paragraphs · vol. 13, p. 65

Page 3 of 4

  1. يعني خالد بن جعفر بن كلاب.

    قالوا: ومرّ الفرزدق بالبصرة فإذا زياد بن جابر الأعجم ينشد والناس مجتمعون عليه فحسده، وأراد أن يضع منه فسلم عليه فحياه الأعجم، فقال له الفرزدق: ما زالت نفسي تنازعني إلى هجاء عبد القيس فقال

    vol. 13, p. 89الأعجم: وما يجرّيك على ذلك؟ فقال: يجريني أن كعبا الأشعري هجاهم فلم يصنع شيئا، ولم ترد عليه في قوله:

    إني وإن كنت فرع الأزد قد علموا … أخزى إذا قلت عبد القيس أخوالي

    بما يضارع ذلك أفيغلبك كعب وأعجز عنك؟ فقال الأعجم: إني باعث إليك بشعر فأجنبي فكتب إليه بهذا الشعر:

    ما ترك الهاجون لي إن هجوتهم … مصحا أراه في أديم الفرزدق

    وما تركوا لحما يرى فوق عظمة … لآكله أبقوه للمتعرق

    أأحطم ما أبقوا له من عظامه … وانكت مخ الساق منه وانتقي

    فإنّا وما تهدي لنا إن هجوتنا … لكالبحر مهما تلق في البحر يغرق (١)

    vol. 13, p. 88
  2. فلما أنشده الفرزدق قال: لا أهجو قوما هذا منهم.

    قالوا: وتزوج الفرزدق دهيمة وهي من آل الحارث بن عباد فارس النعامة، فوقع بينها وبين النوار شر، فقال الفرزدق:

    سوف تريك النجم والشمس ضحوة … عقيلة آل الحارث بن عباد

    أبوها الذي أدنى النعامة بعد ما … أبت وائل في الغيّ غير تماد

    أقمت بها ميل النوار فأصبحت … مقارنة لي بعد طول بعاد (٢)

  3. ثم إنه طلقها وهجاها فقال:

    لها بشر شثن كأن مضمّه … إذا عانقت بعلا مضم قتاد

    وما زلت حتى فرق الله بيننا … له الحمد منها في أذى وجهاد

    يجدد لي ذكرى عذاب جهنم … بلايا تمسيني بها وتغادي (٣)

    vol. 13, p. 90قالوا: واتخذ الفرزدق على النوار جارية سوداء فسماها مكية، ويقال بل أولدها جارية سماها مكية، فكانت إذا حمس الشر بينه وبين النوار اكتنى بها، وقال:

    شاهد إذا ما كنت ذا حميه … بدارميّ أمة ضبيّه

  4. سمحمح مثل أبي مكية
  5. ومدح الزنج فقال:
  6. يا ربّ خود من بنات الزنج … تحمل تنورا شديد الوهج

    أغبس مثل القدح الخلنج (١) … يزداد طيبا عند طول الهرج

    محجتها بالعرد (٢) … أيّ محج (٣)

    فقالت النوار: ريحها مثل ريحك. وقال للنوار:

    إن يك خالها من آل حام … فحام كان أكرم من عقال (٤)

  7. وغاب الفرزدق فكتبوا إليه يشكونها فقال:
  8. كتبتم إلينا أنها ظلمتكم … كذبتم وبيت الله بل تظلمونها

    فإلا تعدوا أمها من نسائكم … فإن ابن ليلى والد لا يشينها (٥)

    وقال للنوار وكانت أمها بخارية:

    أغرّك منها أدمة غريبة … علت لونها إن البخاريّ أحمر (٦)

  9. يريد مكية.

    قالوا: ولقي الفرزدق جارية لبني نهشل، فنظر إليها نظرا شديدا فقالت: والله لو كان لي ألف حر ما طمعت في واحد منها. قال: ولم يا لخناء؟ قالت: لأنك قبيح المنظر سيئ المخبر. قال: أما والله لو جربتني لعفّى خبري على منظري، قال: ثم كشف لها عن مثل ذراع البكر فتضبعت له عن مثل سنام الناب، فعاجلها فقالت: أنكاحا بنسيئة؟ هذا سوء قضية. فقال: ويحك ما معي إلاّ جبتي، ثم تسنمها وقال:

    أولجت فيها كذراع البكر … مد ملك الرأس شديد الأسر

    زاد على شبر ونصف شبر … كأنني أولجته في جمر

    يطير عند نفيان الشعر … نفي شعور الناس يوم النّحر (١)

    vol. 13, p. 91
  10. في أبيات فحملت منه وماتت بجمع (٢) فقال:

    وغمد سلاح قد رزئت فلم أنح … عليه ولم أبعث عليه البواكيا

    وفي جوفه من دارم ذو حفيظة … لو أن المنايا أخرته لياليا

    كما مثله في مثلها قد وضعته … وما زلت وثابا أجر المخازيا (٣)

    وقال جرير:

    وكم لك يا بن القين إن جاء سائل … من ابن قصير الباع مثلك حامله

    أتيت به بعد العشاء ملففا … فألقيته للذئب فالذئب آكله

    وآخر لم يشعر به قد أضعته … وأودعته رحما كبيرا غوائله (٤)

    vol. 13, p. 92وقال أبو عبيدة وغيره: كان الفرزدق يحلف بطلاق النوار كثيرا ويحنث فقالت له: يا هذا إنك مقيم معي على الحرام. قال: فما ترين؟ قالت:

    أشهد الحسن ومن في حلقته على طلاقي، فأتاه وعبيد أبو شفقل راويته فقال: يا أبا سعيد إن النوار طالق مني ثلاثا، فنظر إليه الحسن، ثم أكبّ، ثم رفع رأسه فقال: قد سمعت وسمع القوم ثم تولّى فلما بلغ باب المسجد قال: يا أبا شفقل، والله ما طلقتها. فقال له: كذبت قد والله طلقتها وذهبت أباطيلك، أتدري من شهد عليك؟ الحسن وجلساؤه. فأنشأ يقول:

    ندمت ندمة الكسعي لما … غدت مني مطلقة نوار

    في أبيات.

  11. وتزوجت النوار ابن عم لها فلما حضرت النوار الوفاة أوصت أن يصلي عليها الحسن فصلى عليها الحسن، وشهد الفرزدق جنازتها، فلما دفنت قال الفرزدق: يا أبا سعيد يقول الناس شهد هذه الجنازة خير الناس وشر الناس يعنونك وإياي. فقال لست بخير الناس ولست بشرّهم.

    وقال أبو عبيدة: حضر ابن سيرين جنازة النوار.

  12. حدثني التوزي عن الأصمعي، ثنا معتمر بن سليمان عن أبي محزوم عن أبي شفقل قال قالت لي النوار: كان بيني وبين هذا الشيخ ما علمت فكلمه أن يبين طلاقي فكلمته فقال: لا والله حتى أشهد الحسن وأصحابه فأتاه فأشهده.

    قالوا: وتزوج الفرزدق طيبة من بني مجاشع بعد النوار، وبعد أن أسنّ، وضعف فتركها عند أمها بالبادية ولم يكن صداقها عنده، فكتب إلى

    vol. 13, p. 93أبان بن الوليد البجلي، وهو عامل خالد بن عبد الله على فارس فأعطاه فمدحه وساق إليها مهرها وقال:

    لقد طال ما استودعت طيبة أمّها … فهذا زمان ردّ فيه الودائع (١)

  13. فلما دخلت عليه عجز عنها فقال:
  14. يا لهف نفسي على أير فجعت به … حين التقى الرّكب المحلوق والركب (٢)

    فقال رجل من بني كوز من بني ضبة: عجزت عنها يا أبا فراس، فوالله إني لأحمل عليه جزة صوف ثم أدرج بها، فقال الفرزدق:

    لنعم الأير أيرك يا بن كوز … يقلّ جفالة الكبش الجزيز (٣)

    فقال الكوزي: أنشدك الله والرحم. فقال لولا قرابتك لأتممتها عشرا.

  15. وخاصمته أم طيبة إلى المهاجر بن عبد الله الكلابي وجرير عنده بالقرب من منزل المهاجر باليمامة، فقال:

    إنّ البلية وهي كل بلية … شيخ يعلل نفسه بالباطل

    ولسوف يقطع حبلها من حبله … حكم المهاجر بالقضاء العادل (٤)

    فقال المهاجر حين سمع شعر جرير: لو أتتني الملائكة لقضيت للفرزدق عليها، فلم تمكث معه إلا يسيرا حتى نشزت.

  16. وروي أن نفيع بن صفّار المحاربي تعرّض بالفرزدق، فرأته أمه، وهو يقول فيه شعرا، فقالت له: ما هذا؟ فأخبرها وقال: هذا شعر أهجو به

    vol. 13, p. 94كلب تميم. فقالت: يا بني لست والله تقرن به، وقد عرّضتني لما أكره، وأنا غريبة فيكم ولا آمن أن يهجو قومي، فأبى فأتت قبر غالب فاستجارت به، فبلغ ذلك الفرزدق، فأتى القبر وسألها عن خبرها فأعلمته فقال الفرزدق.

    وإنّ نفيعا إذ هجاني لحينه … كباحثة عن شفرة تستثيرها

    لئن نافع لم يرع أرحام أمه … وكانت كدلو لا يزال يعيرها

    لبئس دم المولود بلّ ثيابها … عشية نادى بالغلام بشيرها (١)

  17. حدثني أبو محمد التوزي عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال:

    قال رجل للفرزدق: أيما أكبر أنت أم جرير؟ فقال: لقد طعن عليّ في فرجي قبل أن يولد جرير.

  18. وحدثنا عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال رجل لرؤبة: من كان أشد الشعراء الذين هاجاهم جرير عليه؟ فقال:

    الفرزدق.

  19. وحدثت عن أبي عبيدة عن منتجع بن نبهان عن الأشهب بن رميلة قال: جاء الفرزدق إلى ناحيتنا فجعل الصبيان ينظرون إليه وهو على بغلة له، فقال: ما لكم تنظرون إلي يا صبيان نظر التيوس إلى مدى الجزار؟ فصاحوا به: القرد مليح، القرد مليح. فجعل يفر من أيديهم ويضرب بغلته ويقول: عدس.

  20. حدثني الحرمازي عن مشايخه أن الفرزدق قال: ضوّال الشعر أحب إلي من ضوّال الإبل.

  21. وحدثني التوزي النحوي عن أبي عبيدة قال: كان الفرزدق يختلف إلى نبّاذ بالبصرة يقال له سنان، فغلا التمر فاستخفى سنان من دين عليه فقال الفرزدق:

    غلا التمر واستخفى سنان وفرّخت … خفافيش في راقودة المثلّم (١)

    vol. 13, p. 95
  22. وحدثني أبو عدنان، ثنا الأصمعي قال: كان بالبصرة مولى لبني حنيفة يكنى أبا الخشناء يتولى بعض عمل البريد بالبصرة فمات، فسأله قوم من بني حنيفة أن يرثيه فقال:

    ليبك أبا الخشناء بغل وبغلة … ومخلاة سوء قد أبيد شعيرها

    ومجرفة ومروحة ومجسة … وطير أواريّ (٢) تداعت شطورها

    وفرّانق (٣) … يبكي على رزق شهره

    ومقرعة صفراء بال سيورها (٤)

  23. وحدثت أن أبا عمرو بن العلاء قال: أتاني حماد الراوية فقال: كلّم لي الفرزدق في أن يروّني شعره، فكلمته فقال له الفرزدق: ممن أنت؟ قال:

    من بني شيبان. قال: أرويت أشعار قومك؟ قال: نعم. فقال: أتروي لفلان شيئا؟ فذكر شاعرا لم يعرفه حماد، ثم ذكر شاعرا آخر فقال:

    لا أعرفه. فقال: أنت لا تروي أشعار قومك، أفتريد أن تكتب شعري؟ فقال حماد: فكنت آتيه فما خرجت من عنده قط إلا وأنا سكران فأنشدني:

    ومات أبي والأقرعان كلاهما … وعمرو بن كلثوم شهاب الأراقم (٥)

    vol. 13, p. 96فقلت له: أخبرني عن أبيك ما كان إذ قرنته بهؤلاء، فقال: كان والله لا يساوي عباءة.

    قال: ومر الفرزدق بجندل بن سفيح المنقري فصال به جمله فألقى إليه سيفه وقال: عرقبه، فضربه فلم يعرقبه، فقام رجل يقال له حميّ فعرقبه فقال الفرزدق:

    لعمرك ما أدري أعجز بجندل … عن العود أم لم يدر أين مضاربه

    فما كان عند الروع إلا وليدة … ينوس لها بظر طويل ذباذبه

    أعضّ حميّ ساقة السيف بعد ما … رأى خابطا يغشى من الموت صاحبه (١)

  24. قال وحج الفرزدق فلما قضى حجته أتى المدينة، فدخل على سكينة بنت الحسين بن علي مسلّما، فقالت له: يا فرزدق من أشعر الناس؟ قال:

    أنا. قالت: كذبت، أشعر منك صاحبك جرير حين يقول:

    بنفسي من تجنبه عزيز … عليّ ومن زيارته لمام

    ومن أمسي وأصبح لا أراه … ويطرقني إذا هجع النيام (٢)

  25. فخرج ثم عاد، فقالت له: يا فرزدق من أشعر الناس؟ قال: أنا.

    قالت: كذبت. صاحبك أشعر منك حين يقول:

    لولا الحياء لعادني استعبار … ولزرت قبرك والحبيب يزار

    كانت إذا هجع الضجيع فراشها … كتم الحديث وعفّت الأسرار

    لا يبرح القرناء أن يتفرقوا … ليل يكرّ عليهم ونهار (٣)

  26. فخرج، ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولدات لها كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى جارية منهنّ فكاد يجن وبهت ينظر إليها، فقالت سكينة:

    من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت، صاحبك أشعر منك حين يقول:

    إن العيون التي في طرفها مرض … قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

    يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به … وهن أضعف خلق الله أركانا (١)

    فقال: ائذني لي حتى أنشدك أجود من شعره، فلم تفعل. فقال:

    يا بنت رسول الله ضربت إليك من مكة للسلام عليك فكذبتني ومنعتني أن أنشدك شيئا من شعري، وهذه المنايا تغدو وتروح ولعلي لا أفارق المدينة حتى أموت فان أنا متّ فأمري جعلت فداك أن أدفن في حر هذه الجارية، يعني التي أعجبته، فضحكت سكينة، ووهبت الجارية له، وقالت:

    يا فرزدق أحسن صحبتها فقد آثرتك بها على نفسي.

    وقالوا: لقي ضرار بن القعقاع وابن أحوق العنبري الفرزدق فقالا له:

    أجب الأمير الجراح بن عبد الله الحكمي فتعتعاه وزلزلاه، وكان من أجبن الناس حتى إذا كاد يموت ضحكا منه وتركاه فقال:

    ما كنت لو فرّقتماني كلا كما … لأجزع مما تصنعان وأفرقا

    لكنما فرقتماني بضيغم … إذا علقت أنيابه القرن مزّقا

    لشرّ عريف من معدّ ومنكب … ضرار الخنا والعنبريّ ابن أحوقا (٢)

    قالوا: ولما ولي يزيد بن المهلب صلاة العراق وأحداثه، وولي صالح بن

    vol. 13, p. 98عبد الرحمن الخراج لقي رجل الفرزدق فقال له: قد ولي يزيد بن المهلب الصلاة بأهل العراقين، والخراج بهما صالح بن عبد الرحمن. فقال الفرزدق: إنما هو شرطيّ لمولانا صالح بن عبد الرحمن يأمره بحبس من أراد ويجري له ما أراد. فقال الرجل: أما إني سأخبره بمقالتك. فقال الفرزدق:

    سيمنع عبد الله ظلمي ونهشل … وضبّة بالبيض الحديث صقالها

    ومأمومة فيها الحديد كثيفة … إذا ما ارجحنّت بالمنايا ظلالها

    هنالك لو رام ابن دحمة ظلمنا … رأى لامعات الموت يبرق حالها (١)

    قالوا: لما مر بنو نهشل وبنو مرة بن فقيم بن خازم بأبي الفرزدق بالقبينات فشربوا الماء الذي كان منعهم منه وأوثقوه، فمشى الفرزدق حتى شق أسقيتهم وقربهم وعقر بعض إبلهم تحمل غالب أبو الفرزدق يريد كاظمة، فعقروا بعيرا لغالب عليه معه أم الفرزدق فقال الذي عقره واسمه ذكوان:

    لقد عضّ سيفي ساق عود فتاتهم … وخرّ على ذات الجلاميد غالب

    تكدح منه وجهه وجبينه … فذلك منه إن تبينت جالب

    وقال جرير:

    لعمري لقد أخزى أباك بسعيه … وأمّك ذكوان الذي لا يصاوله (٢)

    vol. 13, p. 97
  27. وكان الفرزدق وأخوه الأخطل غائبين.

  28. ابن الأعرابي قال: تزوج يزيد بن المهلب عاتكة بنت الملاءة، والملاءة أمها، وأبوها الفرات بن معاوية البكائي. وخرج بها إلى واسط فقتل عنها فقال الفرزدق:

    vol. 13, p. 99إذا ما المزونيّات أصبحن حسّرا … يبكّين أشلاء على عقر بابل

    فكن طالبا بنت الملاءة إنها … تذكر ريعان الشباب المزايل (١)

  29. أبو الحسن المدائني قال: استزار يزيد بن المهلب الفرزدق، ويزيد بجرجان، فأراد الخروج إليه ثم خافه فأنشأ يقول:

    دعاني إلى جرجان والري دونه … أبو خالد إني إذا لزؤور

    لأني من آل المهلب ثائر … بأعراضهم والدائرات تدور

    سآبي وتأبى لي تميم وربما … أبيت فلم يقدر علي أمير (٢)

  30. فلما بلغ يزيد هذا الشعر قال: لقد كنت أعددت له مائة ألف درهم أصله بها. فبلغ الفرزدق قوله فقال: صدق، كان يدفعها إلي، ثم يدس إلي من يقتلني ويردها عليه.

  31. حدثني عمر بن شبه، حدثني ابن سلام الجمحي قال: قال الفرزدق في مديحه لسليمان بن عبد الملك:

    وكم أطلقت كفاك من قيد يابس … ومن عقد ما كان يرجى انحلالها (٣)

  32. وكان الحجاج حبسه زمانا. قال: فخرجت فرأيت عظما فكدت أنهشه من القرم (٤) .

  33. وحدثنا أبو عدنان عن أبي عبيدة قال: حدثني أعين بن لبطة بن الفرزدق عن أبيه لبطة قال: دخلت مع أبي على سليمان بن عبد الملك فأنشدت قصيدة أبي التي يقول فيها:

    vol. 13, p. 100لئن نفر الحجاج آل معتب … لقوا دولة كان العدو يدالها

    لقد أصبح الأحياء منهم أذلة … وفي الناس موتاهم كلوحا سبالها

    وكنا إذا قلنا اتق الله شمرت … به عزة ما يستطاع جدالها (١)

    فقال سليمان: يا فرزدق إذا مدحتني فجوّد في الشعر، فلهزني أبي لهزة قعدت منها وأنشد:

    طرقت نوار ودون مطرقها … جذب البرى لنواحل صعر (٢)

  34. وفيها يقول:
  35. وإلى سليمان الذي سكنت … أروى الهضاب له من الذعر

    وتراجع الطراد إذ وثقوا … بالأمن من رتبيل والشحر (٣)

    قال أبو عبيدة: فلما خرج الفرزدق يومئذ من عند سليمان قال له رجل: يا أبا فراس رثيته حين ظننت أن ابنه يثبت على عمله، ثم هجوته بعد ذلك. فقال: إنما نكون مع القوم ما كان الله معهم، فإذا تركهم من يده تركناهم.

    قال: وكان الفرزدق رثى الحجاج، وابنه على صلاة العراق، ويزيد بن أبي مسلم على الخراج، ويزيد ابن أبي كبشة على الحرب لأنه لما حضرته الوفاة استخلفهم على ذلك، فقال الفرزدق شعرا يقول فيه:

    فليت الأكف الدافنات ابن يوسف … تقطعن إذا يحثين فوق السقائف

    vol. 13, p. 101فما حملت أنثى على الأرض مثله … ولا خطّ نعي في بطون الصحائف (١)

    وقال أبو عبيدة: لما ولي فراس بن سميّ بن رباط صلاة البصرة طلب الفرزدق، فقال له خلف بن زياد العمي، وكانت إليه نقابة بني مالك بن حنظلة: إن الفرزدق فروقة، وإن بلغه طلبك إياه هرب، فقال: أرسلوا إلى أبي فراس من يأتي به، وبلغه الخبر فهرب الفرزدق وقال فراس لخلف: أنت أنذرته، فحبسه وأرسل إلى النوار امرأة الفرزدق فحبسها، ولحق الفرزدق بالبادية، ثم لحق بيزيد بن عبد الملك وقال:

    إني حملت الهم حين جمعته … إليك وحزني للأسير المقيد

    سبقت إليك الطالبين وانهم … لخلفي وقدامي على كل مرصد (٢)

  36. في أبيات فكتب يزيد بتخليه خلف والنوار، وايمان الفرزدق.

  37. وحدثني أبو عدنان عن أبي عبيدة قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق قال الفرزدق:

    أمير المؤمنين وأنت عف … كريم لست بالطمع الحريص

    أأطعمت العراق ورافديه (٣) … فزاريا أحذّ يد القميص

    ولم يك قبلها راعي مخاض … ليأمنه على وركي قلوص

    تفهق بالعراق أبو المثنى … وعلم قومه أكل الخبيص (٤)

  38. فلما حبس خالد بن عبد الله عمر بن هبيرة قال الفرزدق:

    لقد حبس القسري في سجن واسط … فتى شيظميا لا ينهنهه الزجر

    vol. 13, p. 102فتى لم توركه الإماء ولم يكن … غذاء له لحم الخنازير والخمر (١)

    فقال ابن هبيرة: ما رأيت أكرم من الفرزدق مدحني أسيرا، وهجاني أميرا.

  39. المدائني قال: كتب بلال بن أبي بردة إلى الشماخ عامله على اليمامة في تسخير الإبل فسخر إبلا لابن الفرزدق، فجعل ابن الفرزدق يعقرها، فضربه الشماخ مائة سوط، فاستعدى الفرزدق بلالا، فلم يعده فقال:

    فلو كان من جهال قومي عذرته … ولكن عبدا من شعاعة أحمرا (٢)

  40. وكلم الفرزدق الزعل الجرمي في حاجة لراويته أبي شفقل فلم يقضها فقال:

    سل الزعل عن آبائه ثم قل له … ألست ابن جرم معدن اللؤم والبخل

    وما خلت جرما يعرفون أباهم … إذا حصّلوا يوما ونجلوا إلى الأصل (٣)