[المراسلات بين الحسن والمعاوية فى أمر الصلح]

13 paragraphs · vol. 4, p. 286

  1. وكلّمه عبد الرحمن بن سمرة بمثل كلام عبد الله أو نحوه، فقبل ذلك منهما، وبعث معهما عمرو بن سلمة الهمداني ثم الأرحبي ومحمد بن الأشعث الكندي ليكتبا على معاوية الشرط ويعطياه الرضى.

    vol. 4, p. 286
  2. فكتب معاوية كتابا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي أبي سفيان، إني صالحتك على أن لك الأمر من بعدي، ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد ﷺ وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد، لا أبغيك غائلة ولا مكروها، وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أن لك خراج فسا، ودرأبجرد، تبعث إليهما عمالك وتصنع بهما ما بدالك» .

  3. شهد عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سلمة الهمداني وعبد الرحمن بن سمرة ومحمد بن الأشعث الكندي. وكتب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين.

  4. فلما قرأ الحسن الكتاب قال: يطمعني معاوية في أمر لو أردت لم أسلمه إليه.

  5. ثم بعث الحسن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمه هند بنت أبي سفيان فقال له: ائت خالك فقل له إن أمنت بالناس بايعتك، فدفع معاوية إليه صحيفة بيضاء قد ختم في أسفلها وقال:

    اكتب فيها ما شئت، فكتب الحسن:

    vol. 4, p. 287بسم الله الرحمن الرحيم

    «هذا ما صالح عليه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل فيها بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين، وعلى أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى والناس آمنون حيث كانوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وعلى أن لا يبغي الحسن بن علي غائلة سرا ولا علانية، ولا يخيف أحدا من أصحابه» .

  6. شهد عبد الله بن الحارث. وعمرو بن سلمة.

  7. وردهما إلى معاوية ليشهدا ويشهدا عليه.

  8. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن رجل من قريش قال:

    رأى رسول الله ﷺ الحسن فقال: سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين.

    قالوا: وشخص معاوية من مسكن إلى الكوفة فنزل بين النخيلة ودارا لرزق، معه قصاص أهل الشام وقراؤهم، فقال كعب بن جعيل التغلبي:

    من جسر منبج أضحى غبّ عاشرة … في نخل مسكن تتلى حوله السّور

    قالوا: ولما أراد الحسن المسير من المدائن إلى الكوفة حين جاءه ابن عامر وابن سمرة بكتاب الصلح وقد أعطاه فيه معاوية ما أراد، خطب فقال في خطبته: ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١) ، وسار إلى الكوفة، فلقي معاوية بالكوفة فبايعه، وبايعه عمرو بن سلمة الهمداني، فقال له معاوية: يا حسن - أو يا أبا محمد - قم فاعتذر، فأبى، فأقسم عليه فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ أكيس الكيس التّقى، وأحمق الحمق

    vol. 4, p. 288الفجور. أيها الناس انكم لو طلبتم بين جابلق وجابرس رجلا جدّه رسول الله ﷺ ما وجدتموه غيري، وغير أخي الحسين، وإن الله قد هداكم بأولنا محمد وإن معاوية نازعني حقّا هو لي فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن أسالمه وقد بايعته، ورأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها، وأردت صلاحكم وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى هذا الأمر، ﴿وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (١) ، ثم سكت وتفرق الناس.

  9. ويقال أن معاوية قال للحسن: يا أبا محمد انك قد جدت بشيء لا تطيب أنفس الرجال بمثله، فاخرج إلى الناس فأظهر ذاك لهم. فقام فقال:

    إن اكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور، إنّ هذا الأمر الذي سلمته لمعاوية إما أن يكون حقّ رجل كان أحقّ به مني فأخذ حقّه، وإما أن يكون حقي فتركته لصلاح أمة محمد وحقن دمائها، فالحمد لله الذي أكرم بنا أوّلكم، وحقن دماء آخركم.

  10. حدثني أحمد بن سلمان الباهلي عن عبد الله بن بكر السهمي عن حاتم بن أبي صغيرة عن عمرو بن دينار قال: خطب الحسن حين صالح معاوية فقال: أيها الناس، إني كنت أكره الناس لأول هذا الأمر، وإني أصلحت آخره إما لذي حق أديت إليه حقه، وإما لجور حق بي التمست به صلاح أمر أمة محمد، وإنك قد وليت هذا الأمر يا معاوية لخير علمه الله منك أو شرّ أراده بك ﴿وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾.

    قالوا وجاء هانيء بن خطاب الهمداني إلى معاوية فقال: أبايعك على

    vol. 4, p. 289كتاب الله وسنة نبيه، فقال: لا شرط لك، قال: وأنت أيضا فلا بيعة لك.

    ثم قال معاوية: إذن فبايع فما خير شيء ليس فيه كتاب الله وسنة نبيه، فبايعه. وكندة تقول إن الذي قال هذا القول سعيد بن الأسود بن جبلة الكندي.

    قالوا: ثم قام معاوية فخطب الناس فقال في خطبته: ألا إني شرطت في الفتنة شروطا أردت بها الألفة ووضع الحرب، ألا وإنها تحت قدمي، فقال المسيب بن نجبة الفزاري للحسن: بايعت معاوية ومعك أربعون ألفا ولم تأخذ لنفسك منه ثقة، قد سمعت كلامه والله ما أراد بما قال غيرك.

  11. وقام سفيان بن ليل إلى الحسن فقال له: يا مذلّ المؤمنين، وعاتبه حجر ابن عدي الكندي وقال: سودت وجوه المؤمنين، فقال له الحسن: ما كل أحد يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وإنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم.

  12. ويقال إنه قال له: سمعت أبي يقول: يلي هذا الأمر رجل واسع البلعوم كثير الطعم، وهو معاوية، ثم إن الحسن شخص إلى المدينة وشيّعه معاوية إلى قنطرة الحيرة.

  13. وخرج على معاوية خارجي فبعث إلى الحسن من لحقه بكتاب يأمره فيه أن يرجع فيقاتل الخارجي وهو ابن الحوساء الطائي، فقال الحسن: تركت قتالك وهو لي حلال لصلاح الأمة وألفتهم، افتراني أقاتل معك؟ وكان لحاقه إياه بالقادسية.

    قالوا: وخطب معاوية أيضا بالنخيلة فقال: إني نظرت فعلمت أنه لا يصلح الناس إلا ثلاث خصال: إتيان العدو في بلاده فإنكم إن لم تأتوه أتاكم، وهذا العطاء والرزق أن يقسم في أيامه، وأن يقيم البعث القريب