[موقف الشيعة من صلح الحسن ومعاوية]

16 paragraphs · vol. 4, p. 290

  1. ستة أشهر والبعيد سنة وأن تستجم (١) بلاد إن جمدت خربت، وقد كنت شرطت شروطا ووعدت عداة ومنيت أماني لما أردت من إطفاء نار الفتنة وقطع الحرب ومداراة الناس وتسكينهم.

    vol. 4, p. 290
  2. ثم نادى بأعلى صوته: ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يخرج فيبايع، ألا وإني طلبت بدم عثمان قتل الله قاتليه، ورد الأمر إلى أهله على رغم معاطس أقوام، ألا وإنا قد أجلناكم ثلاثا فمن لم يبايع فلا ذمة له، ولا أمان له عندنا.

  3. فأقبل الناس يبايعون من كل أوب، وكان زياد يومئذ عاملا لعلي فلما بلغه أن ابن عامر قد ولي البصرة هرب فاعتصم بقلعة بفارس.

  4. قالوا وولى معاوية عبد الله بن عامر البصرة، والمغيرة بن شعبة الكوفة، ومضى إلى الشام، فوجه الحسن عماله إلى فسا ودر أبجرد، وكان معاوية قد أمر ابن عامر أن يغري أهل البصرة بالحسن فضجوا وجعلوا يقولون قد انقصت أعطياتنا بما جعل معاوية للحسن، وهذا المال مالنا فكيف يصرف إلى غيرنا، ويقال إنهم طردوا عماله في الكورتين فاقتصر معاوية بالحسن على ألفي ألف درهم من خراج أصبهان وغيرها، فكان حضين بن المنذر الرقاشي أبو ساسان يقول: ما وفى معاوية للحسن بشيء مما جعل، قتل حجرا وأصحابه، وبايع لابنه ولم يجعلها شورى، وسمّ الحسن.

  5. حدثني عباس بن هشام عن أبيه، عن أبي مخنف، عن أبي الكنود عبد الرحمن بن عبيد قال: لما بايع الحسن بن علي معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى باظهار الأسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية

    vol. 4, p. 291ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ولا حظا من العطية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتابا بأن الأمر لك من بعده كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك أشياء بينك وبينه ثم لم يف به، ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الناس: إني كنت شرطت شروطا ووعدت عداة إرادة لإطفاء نار الحرب ومداراة لقطع هذه الفتنة، فأما إذا جمع الله لنا الكلمة والإلفة وآمننا من الفرقة فإن ذلك تحت قدمي، فو الله ما اغترني بذلك إلا ما كان بينك وبينه وقد نقض، فإذا شئت فأعد الحرب جذعة، وأنذر لي في تقدمك إلى الكوفة، فأخرج عنها عامله وأظهر خلعه وتنبذ إليه ﴿عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ (١) .

  6. وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان، فقال الحسن: أنتم شيعتنا وأهل مودتنا، فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أربض وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكني أرى غير ما رأيتم. وما أردت فيما فعلت إلا حقن الدم، فارضوا بقضاء الله وسلّموا لأمره، والزموا بيوتكم وأمسكوا - أو قال: كفّوا أيديكم - حتى يستريح برّ أو يستراح من فاجر.

  7. حدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي، ومحمد بن حاتم المروزي قالا: ثنا أبو داود صاحب الطيالسة عن شعبة عن يزيد بن حمير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة

    vol. 4, p. 292فقال: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله، ثم أريدها بأهل الحجاز؟ ! وقال أحدهما: بأتياس الحجاز.

  8. حدثني أحمد بن أبراهيم الدورقي، ثنا وهيب بن جرير عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: لما قتل علي بن أبي طالب، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة، سار معاوية بالناس إلى العراق وسار الحسن بن علي بمن معه من أهل الكوفة، ووجّه عبيد الله بن العباس وقيس بن سعد بن عبادة في جيش عظيم حتى نزلوا مسكن من أرض العراق، وقد رقّ أمر الحسن، وتواكل فيه أهل العراق، فوثبوا عليه فانتزع رداؤه عن ظهره، وأخذ بساطه من تحته، وخرق سرادقه. فأرسل عبيد الله بن عباس إلى عبد الله بن عامر يأمره أن يأتيه إذا أمسى بأفراس حتى يصير معه إلى معاوية فيصالحه ففعل، فلحق عبيد الله بمعاوية وترك جنده لا أمير لهم، وفيهم قيس بن سعد فقام بأمر أولئك الجند، وجعل معاوية يرسل إليه أربعين ليلة يسأله أن يبايعه فيأبى حتى أراد معاوية قتاله، فقال له عمرو بن العاص: إنك لن تخلص إلى قتل هؤلاء حتى تقتل أعدادهم من أهل الشام، فصار إلى أن أعطاه ما أراد من الشروط لنفسه ولشيعته، ثم دخل قيس في الجماعة ومن معه وبايعه.

  9. ولم يزل معاوية بالحسن حتى بايعه وأعطاه كل ما ابتغى، حتى قيل إنه أعطاه عيرا أولها بالمدينة وآخرها بالشام، وصعد معاوية منبر الكوفة فقال للوليد بن عقبة يذكر قوله حين استبطأه في حرب علي:

    ألا أبلغ معاوية بن حرب … فإنك من أخي ثقة مليم

    يا أبا وهب كيف رأيت أهل المت؟

  10. حدثني أحمد بن أبراهيم، ثنا وهب بن جرير بن حازم، ثنا أبي قال:

    سمعت محمد بن سيرين يقول: لما بلغ الحسن معاوية، ركب الحسن إليه في عسكره وأردف قيس بن سعد بن عبادة خلفه، فلما دخلا العسكر قال الناس: جاء قيس، فلما دخلا على معاوية بايعه الحسن ثم قال لقيس: بايع.

    vol. 4, p. 293
  11. فقال قيس بيده هكذا، وجعلها في حجره ولم يرفعها إلى معاوية ومعاوية على السرير، فبرك معاوية على ركبتيه ومد يده حتى مسح على يد قيس وهي في حجره، قال إلي.

  12. وحكى لنا محمد صنيعه وجعل يضحك. وكان قيس رجلا جسيما.

  13. حدثنا خلف بن سالم، ثنا وهب قال: قال أبي، وأحسب رواه عن الحسن البصري قال: لما بايع أهل الكوفة الحسن أطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه، واجتمع له خمسون ألفا، فخرج بهم حتى أتى المدائن، وسرح بين يديه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في عشرين ألفا، فنزل بمسكن، وأقبل معاوية من الشام في جيش، ثم إن الحسن خلا ناحية الحسين فقال: يا هذا إني نظرت في أمري فوجدتني لا أصل إلى الأمر حتى يقتل من أهل العراق والشام من لا أحب أن احتمل دمه، وقد رأيت أن أسلّم الأمر إلى معاوية فأشاركه في إحسانه ويكون عليه إساءته، فقال الحسين: أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباك وطعن عليه ورغب عن أمره، فقال: إني لا أرى ما تقول، ووالله لئن لم تتابعني لأشدنّك في الحديد فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري. قال: فشأنك، فقام الحسن خطيبا فذكر رأيه في الصلح والسلم لما كره من سفك الدماء وإقامة الحرب فوثب عليه أهل الكوفة وانتهبوا ماله وخرقوا سرادقه وشتموه وعجزوه ثم انصرفوا عنه ولحقوا بالكوفة، فبلغ الخبر

    vol. 4, p. 294قيسا فخرج إلى أصحابه فقال: يا قوم إن هؤلاء القوم كذبوا محمدا وكفروا به ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، فلما أخذتهم الملائكة من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم دخلوا في الإسلام كرها وفي أنفسهم ما فيها من النفاق، فلما وجدوا السبيل إلى خلافه أظهروا ما في أنفسهم، وإن الحسن عجز وضعف وركن إلى صلح معاوية، فإن شئتم أن تقاتلوا بغير إمام فعلتم، وإن شئتم أن تدخلوا في الفتنة دخلتم، قالوا: فإنا ندخل في الفتنة، وأعطى معاوية حسنا ما أراد في صحيفة بعث بها إليه مختومة اشترط الحسن فيها شروطا فلما بايع معاوية لم يعطه مما كتب شيئا، فانصرف الحسن إلى المدينة ومعاوية إلى الشام.

    قالوا: ولما صالح الحسن معاوية وثب حمران بن أبان فأخذ البصرة، وأراد معاوية أن يبعث إليها رجلا من أهل الشام من بلقين فكلمه عبيد الله بن عباس في ذلك فأمسك.

  14. وولى عتبة بن أبي سفيان البصرة فقال له ابن عامر: ان لي بها أموالا وودائع فإن لم تولنيها ذهبت بولاة البصرة.

  15. وحدثني أبو مسعود عن ابن عون عن أبيه قال: لما ادعى معاوية زيادا وولاه، طلب زياد رجلا كان دخل في صلح الحسن وأمانه، فكتب الحسن فيه إلى زياد ولم ينسبه إلى أب، فكتب إليه زياد: أما بعد فقد أتاني كتابك في فاسق يؤوي مثله الفساق من شيعتك وشيعة أبيك، وأيم الله لأطلبنّه ولو بين جلدك ولحمك فإن أحبّ لحم إلي آكله للحم أنت منه.

  16. فلما قرأ الحسن الكتاب قال: كفر زياد، وبعث بالكتاب إلى معاوية فلما قرأه غضب فكتب إليه: أما بعد يا زياد فإن لك رأيين، رأي أبي سفيان ورأي