[موقف عبد الله بن حسن من خلافة بنى العباس]

17 paragraphs · vol. 4, p. 307

  1. وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: كان عبد الله بن حسن يقول لابنه:

    إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم فيها مكر حليم أو مباداة جاهل.

    vol. 4, p. 307
  2. وكان عبد الله يرشح ابنيه محمدا وابراهيم للخلافة من قبل أن يستخلف أمير المؤمنين أبو العباس. ويسميّ محمدا ابنه المهدي والنفس الذكية.

  3. ويروي ذلك له المغيرة مولى بجيلة الذي ينتسب إليه المغيرية، وبيان التبان وكانا يكفّران أصحاب محمد بن علي بن الحسين. فقال أبو هريرة العجلي - وكان أبو هريرة من شيعة محمد بن علي بن الحسين-:

    أبا جعفر أنت الإمام نحبه … ونرضى الذي يرضى به ونبايع

    أتتنا رجال يحملون عليكم … أحاديث قد ضاقت بهن الأضالع

    أحاديث أفشاها المغيرة عنكم … وشرّ الأمور المحدثات البدائع

    وكان بيان خرج على خالد بن عبد الله القسري داعيا لمحمد بن عبد الله بن الحسن، وخالد على العراق فأدهشه خروجه، فقال: أطعموني ماء. ووجه إليه الخيل فأخذ بيان وأتي به خالدا فقتله وصلبه.

  4. ثم خرج المغيرة عليه بعد بيان فأخذه فقتله وصلبه بحيال بيان فقال الشاعر لخالد:

    وقلت لما أصابك أطعموني … شرابا ثم بلت على السرير

    إذا ذكر الكرام بيوم خير … فأير في حرامّك من أمير

    وقد قيل أيضا أن المغيرة استخفى بعد قتل بيان، فدلّ خالد عليه فأخذه وصلبه فقال الشاعر:

    طار التجاور من بيان واقفا … ومن المغيرة عند جسر العاشر

    vol. 4, p. 308قالوا: ولما قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك. وكانت الفتنة، كتب الفضل بن عبد الرحمن بن عياش بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب إلى عبد الله بن الحسن:

    دونك أمر قد بدت أشراطه … وريشت من نبله أمراطه

    إن السبيل واضح صراطه … لم يبق إلا السيف واختراطه

    فدعا عبد الله بن الحسن قوما من أهل بيته إلى بيعة ابنه محمد، وأتى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فأراده على أن يبايع لمحمد فأبى وقال:

    اتق الله يا أبا محمد وأبق على نفسك وأهلك فإن هذا الأمر ليس فينا، وإنما هو في ولد عمنا العباس، فإن أبيت فادع إلى نفسك فأنت أفضل من ابنك.

  5. فأمسك ولم يجبه.

  6. واستتر محمد بن عبد الله وقد بايعه قوم من أهل بيته ومن قريش، وكان يخرج إلى البادية فيطيل المقام بها ثم يظهر أحيانا ويستتر أحيانا، فلم يزل على ذلك حتى بويع أبو العباس أمير المؤمنين ومحمد يومئذ في بلاد غطفان عند آل أرطاة بن شبيب، وجعل يتنقل بالبادية، وتسمّى المهدي.

  7. وكان مروان بن محمد بن مروان يخوف من محمد بن عبد الله فيقول:

    لا تهيجوه فليس هو بالذي يخاف ظهوره علينا.

    قالوا: ولما بويع أبو العباس وظهر أمره استخفى محمد، وتمارض أبوه وأظهر أن ابنه محمدا قد مات، وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن الحسن يأمره بالقدوم عليه فقدم في رجال من أهله فأكرمهم أبو العباس وبرّهم ووصلهم، وقال له: يا أبا محمد إني أرضى من ابنك محمد بأن يبايع بالمدينة ولا يشخص إلي؟. فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أدري أين مستقره،

    vol. 4, p. 309فقال: أما إني لا أطلبه، والله ليقتلنّ محمد وليقتلنّ ابراهيم، فلما خرج من عنده قال لأخيه حسن بن حسن: ما نتهنأ باكرام هذا الرجل لنا مع كثرة ذكره محمدا وابراهيم.

  8. وسمعه أبو العباس يقول: ما رأيت ألف ألف درهم قط مجتمعة.

  9. فدعا له بألف ألف درهم فوصله بها فقال: إنما أعطانا بعض حقنا.

  10. وكان لا يمتنع من إظهار حسده، فأطافه ذات يوم في مدينة يريد بناءها فجعل ينشد:

    ألم تر حوشبا أمسى يبنّي … منازل نفعها لبني بقيله

    يؤمّل أن يعمّر ألف عام … وأمر الله يطرق كلّ ليله

    فتطيّر أبو العباس من إنشاده وقال: أف لك. قلّما يملك الحسود لسانه، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين فإني لم أرد سوءا، فقال: لا أقالني الله إذا، وهجره أياما، واشتد عليه في طلب ابنيه فقال: تغيبا فما أدري أين هما، فقال: أنت غيبتهما، ثم أظهر الرجوع له وبره فدخل عليه ذات يوم وبين يديه مصحف فقال: يا أمير المؤمنين اعطنا ما في هذا المصحف بحق ما فيه، فقال: أعطيك ما أعطاك أبوك حين ولي الأمر.

  11. ثم إنه استأذنه في إتيان المدينة فأذن له في ذلك ووصله ومن معه، وقضى حوائجهم وأقطع عبد الله قطائع، وأقطع أخاه الحسن بن الحسن بن الحسن عين مروان بذي خشب (١) ، ولم يمت عبد الله حتى بلغت غلته مائة ألف درهم.

  12. وكان عثمان بن حيان المرّي من قبل الوليد على المدينة فأساء بعبد الله

    vol. 4, p. 310والحسن، فلما عزل أتياه فعرضا عليه الحوائج فجزاهما خيرا، وقال: الله أعلم حيث يضع رسالاته.

  13. وكان عبد الله بن الحسن إذا كلم عاملا في حاجة فلم يقضها عمل في عزله، وقال لبنيه: إياكم ومعاداة الرجال فإنكم لن تعدموا فيها أمرا من أمرين: مكر حليم أو مباداة جاهل.

    وقال عبد الله بن الحسن:

    أنس غرائر ما هممن بريبة … كظباء مكّة صيدهنّ حرام

    يحسبن من أنس الحديث زوانيا … ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام

    وولى أبو العباس المدينة داود بن علي بن عبد الله بن العباس عمه، فألفى بها داود دعاة لمحمد فتغيبوا، وتوفي داود بالمدينة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقام بأمر المدينة موسى بن داود بن علي بعد أبيه، ثم قدم زياد بن عبيد الله الحارثي من قبل أبي العباس على المدينة في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فقدمها محمد بن عبد الله من البادية فدعا زياد الناس للبيعة ودعاه معهم فبايع مع الناس، وأراد أن يحضر الناس بيعة محمد وحده، فطلب لذلك فاستخفى، فتكلم الناس فقال قائل: بايع وقال آخر: لم يبايع. وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن الحسن:

    أريد حباءه ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد

  14. فكتب إليه:
  15. وكيف أريد ذاك وأنت مني … وزندك حين يقدح من زنادي

    وكيف أريد ذاك وأنت مني … بمنزلة النياط من الفؤاد

    vol. 4, p. 311وكيف أريد ذاك وأنت مني … وأنت لغالب رأس وهاد

    وقال بعضهم: كتب هذا البيت إلى محمد حين ظهر، فكتب إليه بهذه الأبيات، ثم كان بين الظاهر والمستخفي.

  16. حدثني الأثرم عن الأصمعي عن نافع بن أبي نعيم قال: قدم عبد الله بن حسن بن حسن بن علي على عمر بن عبد العزيز فقال له عمر:

    إنك لن تغنم غنيمة لا يغنمها أهلك خير من نفسك. فرجع وأتبعه حوائجه.

  17. وكان عبد الله يقول لبنيه: اصبروا فإنما هي غدوة أو روحة حتى يأتي الله بالفرج.