خروج الحسين بن علي من مكة إلى الكوفة

65 paragraphs · vol. 4, p. 373

Page 2 of 2

  1. ووجه أيضا يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم في ألف أو أقل، ثم ان ابن زياد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث، وأمر القعقاع بن سويد بن عبد الرحمن بن بجير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل، فوجد رجلا من همدان قد قدم يطلب ميراثا له بالكوفة، فأتى به ابن زياد فقتله فلم يبق بالكوفة محتلم إلا خرج إلى العسكر بالنخيلة.

    vol. 4, p. 387
  2. ثم جعل ابن زياد يرسل العشرين والثلاثين والخمسين إلى المائة غدوة وضحوة ونصف النهار وعشية من النخيلة، يمدّ بهم عمر بن سعد، وكان يكره أن يكون هلاك الحسين على يده. فلم يكن شيء أحب إليه من أن يقع الصلح.

    vol. 4, p. 388
  3. ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلا يجوز أحد من العسكر مخافة لأن يلحق الحسين مغيثا له، ورتب المسالح حولها وجعل على حرس الكوفة والعسكر زحر بن قيس الجعفي، ورتب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلا مضمرة مقدحة فكان خبر ما قبله يأتيه في كل وقت.

  4. وهمّ عمار بن أبي سلامة الدالاني أن يفتك بعبيد الله بن زياد في عسكره بالنخيلة فلم يمكنه ذلك. فلطف حتى لحق بالحسين فقتل معه.

    وقال حبيب بن مظهر للحسين: إن ههنا حيا من بني أسد أعرابا ينزلون النهرين وليس بيننا وبينهم إلا روحه، أفتأذن لي في إتيانهم ودعائهم لعل الله أن يجر بهم إليك نفعا أو يدفع عنك مكروها، فإذن له في ذلك فأتاهم فقال لهم: إني أدعوكم إلى شرف الآخرة وفضلها وجسيم ثوابها، أنا أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم فقد أصبح مظلوما، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلما أتاهم خذلوه وعدوا عليه ليقتلوه، فخرج معهم منهم سبعون.

  5. وأتى عمر بن سعد رجل ممن هناك يقال له جبلة بن عمرو فأخبره خبرهم، فوجه أزرق بن الحارث الصيداوي في خيل فحالوا بينهم وبين الحسين، ورجع ابن مظهر إلى الحسين فأخبره الخبر فقال: الحمد لله كثيرا.

  6. وكان فراس بن جعدة بن هبيرة المخزومي مع الحسين وهو يرى أنه لا يخالف، فلما رأى الأمر وصعوبته هاله ذلك فأذن له الحسين في الانصراف فانصرف ليلا.

  7. وجاء كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد أن حل بين حسين وأصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم، فبعث خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يستقوا منه وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام، وناداه عبد الله بن حصن الأزدي: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا.

    فقال الحسين: اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا، فمات بالعطش، كان يشرب حتى يبغر (١) فما يروى فما زال ذاك دأبه حتى لفظ نفسه.

    vol. 4, p. 389
  8. فلما اشتد على الحسين العطش بعث العباس بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين بنت حزام من بني كلاب في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا، وبعث معهم بعشرين قربة فجاؤوا حتى دنوا من الشريعة، واستقدم أمامهم نافع بن هلال المرادي ثم الجملي، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي، وكان على منع الماء: من الرجل؟ قال: نافع بن هلال، قال: ما جاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأ تمونا (٢) عنه. قال: اشرب هنيئا. قال: أفأشرب والحسين عطشان ومن ترى من أصحابه؟ فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء.

  9. فأمر أصحابه باقتحام الماء ليملاؤا قربهم فثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس ونافع بن هلال فدفعوهم ثم انصرفوا إلى رحالهم وقد ملاؤا قربهم.

  10. ويقال إنهم حالوا بينهم وبين ملئها فانصرفوا بشيء يسير من الماء.

    vol. 4, p. 390
  11. ونادى المهاجر بن أوس التميمي: يا حسين ألا ترى إلى الماء يلوح كأنه بطون الحيّات، والله لا تذوقه أو تموت، فقال: إني لأرجو أن يوردنيه الله ويحلأكم عنه.

  12. ويقال أن عمرو بن الحجاج قال: يا حسين. إن هذا الفرات تلغ فيه الكلاب وتشرب منه الحمير والخنازير، والله لا تذوق منه جرعة حتى تذوق الحميم في نار جهنم.

    قال: وتواقف الحسين وعمر بن سعد خلوين فقال الحسين: اختاروا مني الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه أو أن أضع يدي في يد يزيد فهو ابن عمي ليرى رأيه فيّ، وإما ان تسيّروني إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلا من أهله لي ما له وعلي ما عليه. ويقال إنه لم يسله إلا أن يشخص إلى المدينة فقط.

  13. فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد بما سأل فأراد عبيد الله أن يجيبه إلى ذلك، فقال له شمر بن ذي الجوشن الكلابي ثم الضبابي: لا تقبلن منه إلا أن يضع يده في يدك فإنه إن لم يفعل ذلك كان أولى بالقوة والعز، وكنت أولى بالضعف والعجز فلا ترض إلا بنزوله على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كان ذلك لك وإن غفرت كنت أولى بما تفعله، لقد بلغني أن حسينا وعمر يجلسان ناحية من العسكر يتناجيان ويتحادثان عامة الليل، فقال ابن زياد: نعم ما رأيت فاخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على حسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا ابعث بهم إليّ سلما، وإن

    vol. 4, p. 391هم أبوا قاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطعه، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه.

  14. وكان كتابه إلى عمر: «أما بعد فإني لم أبعثك إلى حسين لتطاوله، وتمنيه بالسلامة وتكون له عندي شافعا، فانظر إن نزل حسين وأصحابه على الحكم فابعث بهم إليّ سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، وإن قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره لنذر نذرته وقول قلته، فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم، فإن فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر وأمر الناس، فإنا قد أمرناه فيك بأمرنا والسّلام» .

  15. فلما أوصل شمر الكتاب إليه قال عمر: يا أبرص ويلك لا قرّب الله دارك ولا سهّل محلّتك، وقبّحك وقبحّ ما قدمت له، والله إني لأظنك ثنيته عن قبول ما كتبت به إليه.

    فقال شمر: أتمضي لأمر الأمير وإلا فخلّ بيني وبين العسكر وأمر الناس، فقال عمر: لا ولا كرامة، ولكني أتولى الأمر. قال: فدونك.

  16. فجعل عمر شمرا على الرجال ونهض بالناس عشية الجمعة، ووقف شمر فقال: أين بنو اختنا؟ يعني: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان بني علي بن أبي طالب، وأمهم أم البنين بنت حزام بن ربيعة الكلابي الشاعر، فخرجوا إليه، فقال: لكم الأمان، فقالوا: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن بنت رسول الله لا أمان له؟

  17. ثم إن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وابشري، فركب في الناس وزحف نحو الحسين وأصحابه بعد صلاة العصر والحسين جالس أمام

    vol. 4, p. 392بيته محتبيا بسيفه، فقال العباس بن علي: يا أخي، أتاك القوم، فنهض فقال:

    يا عباس اركب، بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما بدا لكم وما تريدون؟

  18. فأتاهم العباس في عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظهر، فسألوهم عن أمرهم فقالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم.

  19. فانصرف العباس وحده راجعا فأخبر الحسين بقولهم، وقال لهم حبيب بن مظهر. والله لبئس القوم عند الله قوم قتلوا ذرية نبيهم وعترته، وعبّاد أهل المصر. فقال له عزرة بن قيس: انك لتزكي نفسك.

    وقال عزرة لزهير بن القين: كنت عندنا عثمانيا فما بالك؟ فقال: والله ما كتبت إلى الحسين ولا أرسلت إليه رسولا ولكن الطريق جمعني وإياه فلما رأيته ذكرت به رسول الله ﷺ وعرفت ما تقدم عليه من غدركم ونكثكم وميلكم إلى الدنيا، فرأيت أن أنصره وأكون في حزبه حفظا لما ضيعتم من حق رسول الله.

  20. فبعث الحسين إليهم يسألهم أن ينصرفوا عنه عشيتّهم حتى ينظر في أمره، وإنما أراد أن يوصي أهله ويتقدم إليهم فيما يريد.

  21. فأقبل عمر بن سعد على الناس فقال: ما ترون؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله. لو كان هؤلاء من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي أن تجيبهم إليها.

  22. وقال له قيس بن الأشعث بن قيس، أجبهم إلى ما سألوا فلعمري

    vol. 4, p. 393لنصحبنك بالقتال غدا، فقال: والله لو أعلم أنهم يفعلوا ما أخّرتهم، فانصرفوا عنه تلك العشية.

  23. وعرض الحسين على أهله ومن معه أن يتفرقوا ويجعلوا الليل جملا، وقال: إنما يطلبونني وقد وجدوني، وما كانت كتب من كتب إليّ فيما أظن إلا مكيدة لي وتقرّبا إلى ابن معاوية بي، فقالوا: قبح الله العيش بعدك.

    وقال مسلم بن عوسجة الأسدي: أنخليك ولم نعذر إلى الله فيك في أداء حقك، لا والله حتى أكسر رمحي في صدورهم، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن سلاحي معي لقذفتهم بالحجارة دونك.

  24. وقال له سعيد بن عبد الله الحنفي نحو ذلك، فتكلم أصحابه بشبيه بهذا الكلام، وكان مع الحسين حويّ مولى أبي ذر الغفاري فجعل يعالج سيفه ويصلحه ويقول:

    يا دهر أفّ لك من خليل … كم لك بالإشراق والأصيل

    من طالب وصاحب قتيل … والدهر لا يقنع بالبديل

    وإنما الأمر إلى الجليل … وكل حيّ سالك سبيل

    ورددها حتى حفظت وسمعتها زينب بنت علي فنهضت إليه تجر ثوبها وهي تقول: وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم، ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضي، وثمال (١) الباقي، فقال الحسين:

    يا أخيّة، لا يذهبنّ حلمك الشيطان. قالت: أتغتصب نفسك اغتصابا، ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وهو يعزيها ويصبرها، ثم أمر أصحابه أن يقرّبوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا بعض الأطناب في بعض، وأن يقفوا بين

    vol. 4, p. 394البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت وراءهم وعن أيمانهم وشمائلهم، وقد حفّت بهم البيوت إلا الوجه الذي يأتيهم عدوهم منه.

  25. ولما جنّ الليل على الحسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويسبحون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون.