وأما معاوية بن أبي سفيان
273 paragraphs · vol. 6, p. 21
Page 5 of 7
- vol. 6, p. 72
حدثني عبد الله بن صالح عن يحيى بن يمان عن سفيان قال: ذكر الأعمش معاوية فقال: لقد كان مستصغرا لعظيم ما يجبه به من القول الغليظ مغتفرا له إذا قيل له يا أمير المؤمنين.
-
حدثني محمد بن سعد الواقدي عن محمد بن راشد عن مكحول قال:
قال معاوية: ما من عدوّ إلا وأنا أقدر على مداراته واستصلاحه، إلاّ عدوّ نعمة وحاسدها، لا يرضيه منّي إلاّ زوال نعمتي، فلا أرضاه الله أبدا.
-
المدائني عن عبد الله بن فائد وغيره قال: أراد معاوية ابتياع ضيعة من بعض اليهود، وذكرت له، فبعث إلى صاحبها فأتي به، وهو شارب نبيذ، فلمّا رآه معاوية طمع في غبنه، فقال له: بعني ضيعتك، فضحك اليهودي
vol. 6, p. 73وقال: ليس هذا وقت بيع ولا شراء، ولكن إن شئت غنّيتك صوتا، فضحك معاوية وقال: اللهم أخزه فما أشد عقدته وأثبت عكدته (١) !
-
المدائني عن علي بن مجاهد عن هشام بن عروة قال: سأل عبد الله بن الزبير معاوية حوائج فمنعه فقال: يا أمير المؤمنين، أو يا معاوية، إنّي لخليق أن أخرج فأقعد على طريق الشام فلا أشتم لك عرضا ولا أقصب لك حسبا، ولكنّي أسدل عمامتي بين يديّ ذراعا وخلفي ذراعا، وأذكر سيرة أبي بكر وعمر، فيقال هذا ابن حواريّ رسول الله ﷺ ، فقال معاوية: كفى بذلك، وقضى حوائجه.
-
المدائني قال: طلب عبد الله بن الزبير الإذن على معاوية هو وعمرو بن الزبير، وكانت أمّ عبد الله بن الزبير أسماء بنت أبي بكر، وأمّ عمرو بنت خالد بن سعيد بن العاص، فقال سعيد بن العاص: يا أمير المؤمنين ائذن لعمرو أوّلا، فقال معاوية: دعني من ولادتكم له، فما هما عندي إلا كجنبي شاة لا أبالي أيّهما وضع على النار أولا.
-
حدثني أبو مسعود عن ابن الكلبي عن عوانة قال: دخل الضحّاك بن قيس الفهريّ على معاوية وعنده أبو الجهم بن حذيفة، فقال أبو الجهم:
يا أبا أنيس كيف ترى الدهر؟ قال: هو كما قال الأسدي:
أبى الخلد أنّ الدّهر أفنت صروفه … رجالا كراما من لؤيّ بن غالب
فلا تأمننّ الدّهر إنّي رأيته … تناول كسرى مجدبا في الكتائب
فلم تنجه مل الموت حزم وحيلة … وقد كان محتالا كثير التجارب
vol. 6, p. 74فقال أبو الجهم - وكان شريرا: كأنّك أردت أمير المؤمنين بهذا، قال: كليكما أردت، فقال معاوية: كلّنا يجري إلى غاية وهو بالغها.
-
المدائني عن بكر بن الأسود عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: قال عبد الرحمن بن الحكم لمعاوية: والله يا معاوية لو لم تجد إلاّ الزّنج لتكّثرت بهم علينا قلّة وذلّة، كأنا لسنا بني أبيك؟ ! فأقبل معاوية على مروان فقال:
ألا تغني عنّا أخاك هذا الخليع! فقال مروان: قد علمت يا أمير المؤمنين أنّه لا يطاق، فقال معاوية: والله لولا حلمي لعلمت أنّه يطاق.
-
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: استأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية فمنعه الحاجب، فكسر أنفه ومعاوية ينظر، فلمّا دخل عليه قال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: وما يمنعني من ذلك وأنا بالمكان الذي أنا به من أمير المؤمنين؟ فقال له أبوه: ويحك، ألا قلت وأنا بالمكان الذي أنا به من عبد مناف بن قصي؟!
-
المدائني عن أبي محمد القرشي عن أبي حرب بن أبي الأسود الدولي قال: وجّه معاوية روح بن زنباع الجذامي إلى بعض الملوك في صلح جرى بينه وبينه ليكتب بينهما كتابا، فلمّا قدم روح على الملك تشدّد في الشرط فقال له الملك: ما هذا التشدّد، وقد بلغني أنّك من صعاليك العرب، وأنّك تريد الركوب إلى صاحبك فتستعير الدوابّ، وأنّك لست تبصر أمرك ولا تقصد لما فيه الحظّ لك، فأصب من هذا المال واعمل لنفسك، فأعطاه عشرين ألف دينار، وليّن له الشرط، فلمّا قدم على معاوية نظر في الشرط فقال: ويحك ما عملت إلاّ له عليّ، ولقد خنتني وغششتني، والله لأعاقبنّك عقوبة أجعلك فيها نكالا لمن بعدك، خذاه، فقال روح، أنشدك الله يا أمير
vol. 6, p. 75المؤمنين أن تبدي منّي خسيسة أنت رفعتها، أو تهدم منّي ركنا أنت بنيته، أو تنقض لي مريرة (١) أنت أبرمتها، وأن تشمت بي عدوّا أنت وقمته وكبتّه، ليأت حلمك على جهلي، وعفوك على ذنبي، وإحسانك على إساءتي، فرقّ له معاوية رضي الله عنه وقال: خلّوه:
*إذا الله سنّى حلّ عقد تيسّرا*
المدائني عن علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه أنّ معاوية قال لعمرو بن العاص رضي الله عنهما : أحبّ أن تصفح لي عن الوهط (٢) ، ضيعتك، فقال: يا أمير المؤمنين أحبّ أن تعرض لي عنها، قال: لا، فأبى عمرو أن يفعل، فقال معاوية: مثلك يا عمرو كمثل ثور في روضة، إن ترك رتع، وإن هيج نطح، فقال عمرو: ومثلك يا أمير المؤمنين مثل بعير في روضة يصيب من أخلاط الشجر فيها، فرأى شجرة على صخرة زلاّء، فرغب عمّا هو فيه وتعاطى الشجرة فتكسّر.
-
المدائني عن علي بن سليم التميمي قال: قال معاوية لقيس بن سعد بن عبادة: والله يا قيس لقد كنت أكره أن تنجلي هذه الغمّة وتنكشف هذه الهبوة (٣) وأنت حيّ، فقال قيس: وأنا والله يا معاوية قد كنت أكره أن تنجلي وأنت أمير المؤمنين.
- vol. 6, p. 76
المدائني عن عبد الله بن سلام عن عبد الملك بن نوفل عن محمد بن كعب قال: تنازع عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فمال معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا معاوية إنّ لنا حقّا وحرمة وطاعة، ما أطعت الله نطعك، إنّا يا معاوية لا ندع مروان يركبنا في جماهير قريش بمشاقصه، ويضرب صفاتهم بمعاوله، ولولا مكانك كان أخفّ على رقابنا من فراشة، وأذلّ في أنفسنا من خشاشة، ولئن ملك أعنّة خيل تنقاد له ليركبنّ منك طبقا تخافه، فقال معاوية: إن يطلب الأمر فقد يطمع فيه من هو دونه، وإن يتركه يتركه لمن هو فوقه، وما أراكم يا معشر قريش بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف على أحد منكم بقرابة، ولا يذكركم في ملمّة، يسومكم الخسف ويوردكم التلف، قال ابن الزبير: إذا والله يا معاوية نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد، لها دويّ كدويّ الريح، تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمّه براعية ثلّة (١) ، فقال معاوية: أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، وأكلت عبيط (٢) السّنام، وشربت عنفوان المكرع، فليس للآكل بعدي إلاّ الفلذة، ولا للشارب إلاّ الرّنق (٣) ، فقال ابن الزبير: ربّ آكل عبيط سيغصّ، وشارب صفو سيشرق ويقال قال: ربّ آكل عبيط سيقدّ، والقداد حرّ في الصدر.
- vol. 6, p. 77
المدائني عن حفص بن عمر عن معاوية بن عمرو عن ابن سيرين قال: دخل معاوية البيت الحرام ومعه عبد الله بن الزبير، فكلّمه ابن الزبير في حاجة للحسين بن علي فأباها معاوية، فأخذ ابن الزبير بيده فغمزها، فقال له معاوية: خلّني ويحك، قال: لا والله أو تقضي حاجة الحسين وإلا كسرتها، قال: فإنّي أفعل، فخلّى يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين أكنت ترى أنّني أكسر يدك؟ قال: وما يؤمنني ذلك منك؟
-
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال حدثني ابن عيّاش عن [أبي] الهيثم الرحبي، قال: دخل ابن الزبير على معاوية وهو خال، فأخذ يده فغمزها غمزة شديدة تأوّه لها معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين ما يؤمنك أن أقتلك؟ قال: لست من قتّالي الملوك، إنّما يصيد كل طائر قدره، قال:
يا أمير المؤمنين إنّي قد استجفيتك، قال: ولم؟ فسأله حوائج فقضاها.
-
وقد قيل: إنّ معاوية خرج من مكّة ليلا مستخفيا، وبلغ ابن الزبير خروجه فلحقه وسايره ساعة، ثم قال: لو شئت يا أمير المؤمنين لقتلتك مذ الليلة، قال: كلاّ لست من قتّالي الملوك، إنّما يصيد كلّ طائر قدره.
قال الهيثم بن عدّي: أراد معاوية أن يأخذ أرضا لعمرو بن العاص فكتب اليه عمرو بشعر [هجي به] خفاف بن ندبة:
أبا خراشة إما كنت ذا نفر … فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (١)
وكلّ قومك يخشي منك بائقة … فانظر قليلا وأبصرها بمن تقع
فالسّلم تأخذ منها ما رضيت به … والحرب يكفيك من أنفاسها الجرع
vol. 6, p. 78المدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني قال: قال معاوية يوما وهو في جماعة من أهل بيته: من يكفيني ابن الزبير، فو الله ما أردت أمرا إلاّ عاند فيه، ولا تكلّمت في شيء إلاّ اعترض في قولي، وهو بعد غلام من غلمان قريش، إلا أنّه غير معروف بالأفن (١) وإن كان حديث السنّ، فقال عمرو بن العاص: ضمنت لك يا أمير المؤمنين أن ألين عريكته، وأذهب نخوته، وأخرس لسانه، وأعدمه بيانه، حتى أدعه ألين من خميرة مريّثة، وأذلّ من نقدة (٢) على أن ترفدني وتقضي حوائجي، قال: نعم؛ وجاء ابن الزبير وقد بلغه الخبر، فنكت عمرو بن العاص في الأرض ثم قال:
إنّي لنار ما يرام اصطلاؤها … لدى كلّ أمر معضل متفاقم
فقال ابن الزبير مجيبا له:
وإنّي لبحر ما يسامى عبابه … متى يلق بحري حرّ نارك تخمد
فقال عمرو: مهلا يا بن الزبير فإنّك لا تزال متجلببا جلابيب التيه، مؤتزرا بوصائل التهكّم، تعاطى الأقورين ولست من قريش في لباب حسبها ولا مؤنق جوهرها، فقال ابن الزبير: أمّا ما ذكرت من تجلببي جلابيب التيه وائتزاري بوصائل التهكّم فمعاذ الله من ذلك، لقد عرف من عرفني أنّ الأبّهة ليست من شأني، وإنّك لأنت المتوّه في وادي الضلالة، المستشعر جخائف (٣) الكبر، اللابس للسّبّة، المتجرثم جراثيم البطالة، الساهي عن كلّ مروءة وخير، وأيم الله لتنتهينّ عن تناولك القلل الشامخة والذرى الباسقة
vol. 6, p. 79أو لأرمينّك بلسان صارم من أريب مراجم، يلدغك بحسبان، فإنّك ذو خدع ومكر، قتّات عيّاب مغتاب، تقلّب لسانك في قريش كتقليب المحالة، و والله لتدعنّ وقيعتك في الرجال أو لأسمنّك بسمة تدعك شنارا وتكسبك عارا، فقال عمرو: كلا يا بن الزبير لقد أحكمتني التجارب، وجرّستني الدهور، وعرفت نظائر الأمور، وحلبت الزمان أشطره، ورضعت أفاويقه، فأغرق سهمي نزعا، ولم تعرف لي نبوة في شدة، ولا جهالة عند الحدّة، ولقد ضربت أمور الباطل بذرب الحقّ حتى أقمت ميلها، وثقّفتها بعد اعوجاجها. فقال ابن الزبير: لقد قرب غورك، وضاق صدرك، فانتفخ سحرك، والتوى عليك أمرك، فأمّا ما ذكرت من تعاطيّ ما أتعاطاه فإنّي امرؤ سمابي إلى ذلك ما لا تصول بمثله: أنفي حميّ، وحسبي زكيّ، وقلبي ذكيّ، وأمري سديد، ورأيي رشيد، ولقد قعد بك عن ذلك ضعف جنانك، وصغير همّتك، وأمّا ذمّك نسبي وحسبي فقد حضرني وإيّاك النظراء الأكفاء العلماء بي وبك وأنشد:
تعالوا فإنّ العلم عند ذوي النّهي … من الناس كالبلقاء باد حجولها
ننافركم بالحقّ حتّى تبيّنوا … على أيّنا تلقي الفروع أصولها (١)
فقال معاوية ومن حضر: أنصفك، فقال ابن الزبير: أما والله لأغصّنّك بريقك، ولأليّننّ أخدعيك، ولأقيمنّ صعر خدّيك، ولأبيّننّ للناس كهامة لسانك، يا معشر قريش أأنا في نفسي خير أم هو، قالوا:
أنت: قال: فأبي خير أم أبوه، قالوا: اللهمّ أبوك حواريّ رسول الله، قال:
vol. 6, p. 80أفأمّي خير أم أمّه؟ قالوا: أمّك والله أسماء بنت الصدّيق، قال: أفجدّتي خير أم جدّته؟ قالوا: جدّتك صفيّة عمّة محمد ﷺ ، قال: فظفر به ابن الزبير فأنشد:
قضت الغطارف من قريش بيننا … فاصبر على رغم لفصل قضائها
وإذا جريت فلا تجار مهذّبا … بذّ الجياد لدى احتفال جرائها
ثم قال: والله يا عمرو لو أنّ الذي أمرك بهذا إيّاي واجه، لقصرت من سامي طرفه، ولجرجرت الغيظ في صدره، فو الله ما استغاث بكهف ولا لجأ إلى وزر، يعني معاوية. فلما خرج ابن الزبير قال معاوية لعمرو:
والله لقد علاك بخصومته. وفلج عليك بحجّته، وما زدت على أن فضحتنا ونفسك، فقال: يا أمير المؤمنين عجل عليّ بالمقالة، فقطعتم عليّ الشهادة، فقال معاوية: لله أبوك أفأردت أن نبهته لك؟!
-
المدائني قال: قدم الزعل السّلمي من الأزد على معاوية فقال:
الحمد لله الذي لم يمتك حتى رأيتك، فقال: بك الوجبة، أتنعاني إلى نفسي لا أمّ لك؟! وابنه سفيان بن الزعل كان على شرطة عبد الملك بن المهلّب، وعبد الملك يومئذ خليفة الحكم بن أيّوب.
-
حدثني أبو مسعود الكوفي عن اسماعيل بن عيّاش قال: قدمت رملة بنت معاوية على أبيها فقال: أطلّقك عمرو؟ فقالت: لا، فقال: ليته فعل، وكانت هند بنت معاوية عند ابن عامر، فقال عبد الرحمن بن الحكم:
أيرجو ابن هند أن يموت ابن عامر … ورملة يوما أن يطلّقها عمرو
vol. 6, p. 81وحدثت عن عيسى بن يزيد الكناني قال: كان بين الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص لحاء بين يدي معاوية، فقصبه عمرو، فقال له الوليد: اسكت يا عبد السلطان وأخا الشيطان، يا منزوع الحياء وطوع النساء، يا ألأم أهل بيته وأذلّ عشيرته، لقد بلغ بك اللؤم الغاية القصوى المذلّة لأهلها في الآخرة والأولى، فمنعت الحقوق ولزمت العقوق وماريت أهل الفضل، فقال عمرو: إنّك لتعلم أنّي مرّ المذاقة وأن ليس لك بي طاقة، وأنّي حيّة الوادي، وداهية الأعادي، لا أتبع الأفياء ولا أنتمي إلى غير الآباء، أحمي الذمار في المضمار، غير هيوبة للوعيد ولا فروقة رعديد، أطعم الطعام وأضرب الهام، أفبالبخل تعيّرني وإيّاه حالفت وعليه جبلت؟ ! فقال معاوية: أقسمت لما سكتّما، ثم أنشد:
وليد إذا ما كنت في القوم جالسا … فهن وليكن منك الوقار على بال
ولا يأتينّ الدهر من فيك منطق … بلا نظر قد كان منك وإعمال
لرأيك فيه، خوف ما ليس راجعا … فما كلّ من تلقى ابن عمّ ولا خال
قال لي هشام بن عمّار: نظرت في أحاديث معاوية عندكم فوجدت أكثرها مصنوعا، وذكر هذا الحديث.
-
حدثني العمري عن الهيثم عن يعقوب بن داود عن يزيد بن بشر عن همّام بن قبيصة وعن ابن عيّاش عن [أبي] الهيثم الرحبي قالا: كان عند عبد الله بن معاوية امرأة من بني مخزوم فأغارها، فشكت فعله إلى أخيها، فقال لمعاوية: إنّ عبد الله يسيء إلى أختي، ولولا مكانك لعدلته عن طريقته، فقال معاوية: أما والله إنّي لأقنى العرنين، أصمع (١) الكعبين،
vol. 6, p. 82أحذّ القدمين، أعزّ قرشيّ في الجاهليّة، ولم يزدني الإسلام إلا عزّا، فقال المخزومي: لم أرد هذا يا أمير المؤمنين، فدعا بعبد الله فقال: أحسن إلى امرأتك.
-
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان معاوية معجبا بجارية له، فدخل عليه يزيد يوما وهي جالسة على السرير، ومعاوية على الأرض، وفي يدها قضيب تلويه على رأسه، فقال يزيد: أو هذا أيضا؟! وهمّ بها، فبادرت فدخلت بيتا، فقال معاوية: ويحك شدّي لزاز الباب دونه، وأراد يزيد دفع الباب فنهاه معاوية، ثم قال: من يعذرنا من هذا، يدخل علينا ويضرب جوارينا، ارجع يا بنيّ فإنّ الجواري لعب، والرجل في بيته مع أهله بمنزلة الصبيّ، فاستحيا يزيد وخرج.
-
المدائني عن يعقوب بن عمر قال: قال ابن الزبير لمعاوية: والله لقد قاتلت عليّا لحبّ عثمان فلم تجزني، فقال معاوية: قاتلت عليّا مع أبيك فغلبكما بشماله، و والله أن لولا بغضك عليّا لجررت برجل مع الضبع، فقال ابن الزبير: إنّا قد أعطيناك عهدا سنفي لك به، ولكن سيعلم من بعدك، فقال معاوية: أما إنّي لا أخافك إلاّ على نفسك، وكأنّي بك قد تورّطت في الحبالة فعلقتك الأنشوطة، فليتني عندك فاستشليتك منهما، ولبئس المولى أنت في تلك الساعة.
-
المدائني عن محمد بن علي بن الحكم قال: حضر ناجذ بن سمره وواثلة بن الأسقع الكناني باب معاوية فقال معاوية لآذنه، وهو أبو أيّوب يزيد مولاه: ايذن لناجذ، فأذن له، فمنعه واثلة، وواثلة أحد بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وناجذ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة،
vol. 6, p. 83فدخل الآذن فأعلم معاوية، فأمره أن يدخلهما معا، فقال واثلة: يا أمير المؤمنين لم أذنت لهذا قبلي ولي صحبة برسول الله ﷺ ولي السنّ عليه؟ قال معاوية: إنّي وجدت برد أسنانك بين ثدييّ، ووجدت كفّ هذا تدفع ذلك البرد، يعني يوم الفجار الذي كان بسبب البرّاض، وهو يوم نخلة، فقال:
يا معاوية أبثأر الجاهليّة تطالبني؟ ! أفلا آخذت الذي قال:
أغرّك أن كانت لبطنك عكنة … وأنّك مكفيّ بمكّة طاعم (١)
فقال معاوية:
إذا جاءك البكريّ يحمل قصبه … فقل قصب كلب صاده وهو نائم
فقال واثلة:
فما منع العير الضّروط ذماره … ولا منعت مخزاة والدها هند (٢)
فقال معاوية: سوءة أجهلتنا وأجهلناك، وأسأنا إليك ولنا المقدرة عليك، ارفع إلينا حوائجك، فقضاها ووصله.
-
المدائني عن اسحاق بن أيّوب قال: شهد أعرابيّ عند معاوية بشهادة فقال: كذبت، قال: الكاذب والله المتزمّل في ثيابك، فقال معاوية: هذا جزاء من عجل.
-
حدثني هشام بن عمّار قال: قال معاوية: خير الصنائع ما أبقى ذكرا حسنا، وخير الجود ما لم يعدّ سرفا، وخير السلطان ما لم يورث صاحبه كبرا، وربّ المعروف أفضل من ابتدائه.
- vol. 6, p. 84
المدائني عن مسلمة قال: قال معاوية يوما: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد ابنه: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض لا يدعمه شيء من تحته ولا هو منوط بشيء من فوقه، وقال الضحّاك بن قيس: أعجب الأشياء إكداء العاقل وحظّ الجاهل، وقال سعيد بن العاص: أعجب الأشياء ما لم ير مثله، وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء غلبة من لا حقّ له ذا الحقّ على حقّه، فقال معاوية: أعجب من ذلك إعطاء من لا حقّ له ما ليس له بحقّ من غير غلبة. وإنّما عرّض عمرو بمعاوية وعرّض معاوية بعمرو في أمر مصر.
-
المدائني عن ابن المبارك عن هشام بن عوف أنّ مروان نازع ابن الزبير، فكان هوى معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا أمير المؤمنين إنّ لك حقّا وطاعة، ولنا بسطة وحرمة، فأطع الله نطعك، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، ولا طاعة لك علينا إلاّ في حق الله، ولا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السّخبر (١) فإنّه أقرّ صامت.
-
المدائني عن مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد قال: كان عبد الرحمن بن أمّ الحكم ينازع يزيد بن معاوية كثيرا، فقال معاوية لأبي خداش بن عتبة بن أبي لهب: إنّ عبد الرحمن لا يزال يتعرّض ليزيد، فتعرّض له أنت حتّى يسمع يزيد ما يجري بينكما، ولك عشرة آلاف درهم، فقال: عجّلها، فحملت إليه، ثم التقيا عند معاوية فقال أبو خداش:
يا أمير المؤمنين أعدني على عبد الرحمن فإنّه قتل مولى لي بالكوفة، فقال عبد
vol. 6, p. 85الرحمن: كذبت يا بن المتبوب التابّ، فقال أبو خداش: يا بن تمدّر (١) ، يا بن البريح يا بن أمّ قدح، فقال معاوية: حسبك رحمك الله، عليّ دية مولاك؛ فخرج أبو خداش ثم رجع فقال لمعاوية: أعطني عشرة آلاف درهم أخرى وإلا أعلمته أنّك أمرتني بالكلام، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ثم قال له: فسّر ليزيد ما قلت لعبد الرحمن، قال: هنّ أمّهات له حبشيات، وقد ذكرهنّ ابن الكلبية الثّقفي فقال:
ثلاث قد ولدنك من حبوش … إذا تسمو جذبنك بالزّمام
تمدّر والبريح وأمّ قدح … ومحلوب يعدّ من آل حام
المدائني عن الأسود بن شيبان، حدثني أبو نوفل عن موسى بن عبيدة أنّ معاوية حجّ فدخل البيت الحرام وأرسل إلى عبد الله بن عمر، وبلغ ابن الزبير ذلك فجاء فحرّك الباب، فقال معاوية: لا تفتحوا له، ثم جاء ابن عمر ففتح له ودخل، فقال معاوية: يا أبا عبد الرحمن أين صلّى النبي ﷺ حيث دخل البيت؟ فذكر السارية اليسرى، ثم دخل ابن الزبير بعد خروج ابن عمر فقال: يا معاوية أما هو إلاّ عبد الله بن عمر؟ ! قال: نعم يا بن الزبير، أمّا عرى الأمور التي هي عراها فلها قوم سواك، وفيما دون تلك أمور يستعان بك فيها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية لقد علمت أنّي أعلم من الذي سألت، ولكنّك حسود فحسدتني، قال: يا أبا بكر لو شئت قلت أحسن من هذا القول.
-
المدائني عن اسحاق بن أيّوب عن خالد بن عجلان قال: قال عبد الله بن الزبير لمعاوية: لقد أعظم الناس ولادة صفيّة إيّانا حتى كأنه لم
vol. 6, p. 86تلدنا حرّة غيرها، فقال معاوية: هي والله أدنتك من الظلّ ولولا ذلك كنت ضاحيا، ويحك هل ولدك مثلها أو تجد مثلها إلا أختها أو عمّتها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية إنّها وبني أبيها مع قولك لرضفة بين جنبيك يوشك أن تطلع على قلبك، فقال معاوية: إنّ بيننا وبين ذلك زمانا وهم الرديف.
-
المدائني عن علي بن سحيم قال: خطب معاوية فقال: الحمد لله الذي أدالنا على عدوّنا وردّ علينا زماننا، فقال رجل من أهل الشام: أما والله ما ذاك لكرامتك على الله يا معاوية، فقال عمرو بن العاص للشامي:
ما أنت والكلام، وأنت من حثالة أهل الشام وسقّاطهم وسفلتهم، فقال الشامي: يا عمرو ما عدوت صفتك، فقال معاوية:
إنّي أرى الحلم محمودا مغبّته … والجهل أردى من الأقوام أقواما
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي أنّ معاوية بعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلّها، وأقسم على ابنه أن يأتي معاوية فيضرب بها وجهه، فانطلق حتى دخل على معاوية، فلمّا رآه قال: ما جاء بك يا بن أخي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ لأبي طيرة وفيه حدّة، وقد قال لي كيت وكيت، وعزمه الشيخ على ما قد علمت، فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك به أبوك وارفق بعمّك، فرمى الدنانير، وأمر معاوية للأنصاري بألف دينار، وبلغ الخبر يزيد فدخل على معاوية مغضبا وقال: لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفا وجبنا، فقال: أي بنيّ إنّه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمّة، فامض لشأنك.
- vol. 6, p. 87
وحدثني هشام بن عمّار عن الوليد قال: بلغنا أنّ يزيد بن معاوية ضرب غلاما له، فقال له معاوية: يا بني كيف طوّعت لك نفسك ضرب من لا يستطيع امتناعا منك؟!
-
المدائني عن أبي زكريّا العجلاني قال: دخل عبد الله بن العجلان أخو يعمر بن العجلان الزّرقي على معاوية فشكا عمرا فقال: يا أمير المؤمنين إنّ ابن العاص بمصر ينبعق منه كلام لهو أشدّ من وخز الأشافيّ، لا يرعوي عن إساءة، ولا يرجو الله في عاقبة، فقال معاوية: يا أبا سعيد إنّ عمرا رجل حديد، فاحمل له قوله فإنّه يفيء إلى خير، فقال: اكففه يا أمير المؤمنين فإنّه راع ونحن رعيّة، وربّما ساق السيء الرّعي الثلّة إلى مجزرها، قال معاوية: أجل ثم تفلت، قال عبد الله: ذاك إذا كنت أنت الجازر، فأمّا اذا كان الجازر من قد كدّحته السّنة الحمراء فمن أنيابه تفلت؟ فقال معاوية: أو يخالف أمري وتهمط (١) رعيّتي؟ إنّي إذا لغافل مضيع، ألي تقول هذا يا عبد الله؟ ! ثم تمثّل:
ألم تك قد جرّبتني قبل هذه … وعضّك منّي حدّ ناب ومخلب
قال: فحلما يا أمير المؤمنين وصفحا، فضحك ثمّ قال: ذاك لك، وتقدّم إلى عمرو في أمره.
-
حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن الكلبي عن عوانة عن أبيه قال:
قال سعد بن أبي وقّاص لمعاوية في كلام جرى: قاتلت عليّا وقد علمت أنّه أحقّ بالأمر منك، فقال معاوية: ولم ذاك؟ قال: لأنّ رسول الله ﷺ
vol. 6, p. 88يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» ، ولفضله في نفسه وسابقته، قال: فما كنت قطّ أصغر في عيني منك الآن، قال سعد: ولم؟ قال: لتركك نصرته وقعودك عنه وقد علمت هذا من أمره.
-
المدائني عن عبد الله بن سلام قال: كتب معاوية إلى مروان «والله لفلان أهون عليّ من ذرّة، أو كلب من الحرّة» ثم قال للكاتب: امح الحرة واكتب «من كلب من الكلاب» .
-
المدائني عن عامر بن الأسود قال، قال عمرو بن العاص لمعاوية:
رأيتك في منامي وقد ألجمك العرق وأنت تحاسب، فقال معاوية: فما رأيت ثمّ دنانير مصر؟
-
المدائني عن جعفر بن سليمان الضّبعي عن مالك بن دينار قال: قال عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب لمعاوية، ولّني، فقال: لام ألف.
-
المدائني عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: لمّا بايع معاوية ليزيد قال رجل: أعوذ بالله من شرّ معاوية، فقال معاوية: تعّوذ بالله من شرّ نفسك فشرّها أضرّ عليك، وبايع رحمك الله فإن الله جعل في الكثرة خيرا كثيرا.
-
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: مرض معاوية فأرجف به مصقلة بن هبيرة الشيباني وساعده قوم على ذلك، ثم تماثل معاوية وهم يرجفون به، فحمل زياد مصقلة إلى معاوية وكتب إليه: إنّ مصقلة كان يجمع مرّاقا من مرّاق أهل العراق فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليك يا أمير المؤمنين لترى فيه رأيك، ويرى عافية الله بأمير المؤمنين، فلمّا قدم
vol. 6, p. 89بمصقلة جلس معاوية للناس، فلمّا دخل مصقلة عليه قال له معاوية: ادن، فدنا، فأخذ معاوية بيده فجذبه فسقط مصقلة، فقال معاوية للناس:
أبقى الحوادث من خلي … لك مثل جندلة المراجم
قد رامني الأقوام قب … لك فامتنعت من المظالم
فقال مصقلة: قد أبقى الله منك يا أمير المؤمنين ما هو أعظم من ذلك: حلما يزينك، وكلأ ومرعى لأوليائك، وسمّا ناقعا لأعدائك، فمن يرومك وكان أبوك سيّد أهل الجاهليّة، وأنت في الإسلام أمير المؤمنين، فقال له: قم، وأمر بصلته وأذن له، فانصرف إلى الكوفة فقيل له: كيف تركت معاوية؟ فقال: زعمتم أنّه لما به، والله لغمز يدي غمزة فكاد يحطمها، وجبذني جبذة فكاد يكسر منّي عظما.
-
المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري عن زياد بن حدير أنّ معاوية قال لرجل: هل تذكر أبا سفيان؟ فقال: نعم أذكره وقد تزّوج هندا، فأطعمنا في أوّل يوم لحم جزور وسقانا خمرا، وفي اليوم الثاني لحم غنم وسقانا نبيذ زبيب، وفي اليوم الثالث لحم طير وسقانا نبيذ عسل، وإن كانت لذات أزواج، فقال معاوية: كرام (١) .
-
المدائني عن عبد الحميد الأشجّ عن خالد بن سعيد قال: خرج عبد الملك ومعه نافع بن جبير بن مطعم، فوقف على راهب، فذكر الراهب معاوية فأطراه، فقال عبد الملك لنافع: لشدّ ما أطرى هذا الراهب ابن
vol. 6, p. 90هند، فقال نافع: إنّ معاوية كان لذلك أهلا، أصمته الحلم وأنطقه العلم، بجأش ربيط، وكفّ نديّة.
-
المدائني قال: دخل معاوية المدينة فتلقّاه بعض سودانها فقال: والله لكأنّ وجهك وجه هند، قال: وأين رأيتها؟ قال: في مأتم سودة بنت زمعة، فقال معاوية: إن كانت لكريمة المحيا والممات.
قال ابن دأب: خرج نابغة بني جعدة إلى صفّين مع علي، فساق به يوما فقال:
قد علم المصران والعراق … أنّ عليّا فحلها العتاق
أبيض جحجاح (١) … له رواق
إنّ الألى جاروك لا أفاقوا
لكم سياق ولهم سياق (٢) …
-
فلمّا قدم معاوية الكوفة قام النابغة بين يديه فقال:
ألم تأت أهل المشرقين رسالتي … وإنّي نصيح لا يبيت على عتب
هلكتم وكان الشرّ آخر عهدكم … لئن لم تدراككم حلوم بني حرب (٣)
-
وكان مروان قد أخذ أهل النابغة وماله، فدخل على معاوية فأنشده:
من راكب يأتي ابن هند بحاجتي … ومروان والأنباء تنمي وتجلب
فإن تأخذوا أهلي ومالي بظنّة … فإنّي إذا ما ريم ظلمي أغضب (٤)
vol. 6, p. 91فقال معاوية لمروان: ما تقول؟ قال: لا نردّ عليه، فقال معاوية:
وما أهون عليك أن ينجحر هذا في غار فيقطع عرضي بشعر ترويه العرب، فردّ عليه ماله وأهله.