[تمرد في رستقاباذ ضد الحجاج]

13 paragraphs · vol. 8, p. 284

  1. وأحرز بيت المال، والناس في أمرهم.

    vol. 8, p. 284
  2. فلما أستتب لهم أمرهم أظهروه، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين، وأتى عبد الله بن الجارود عبد القيس، فأخرجهم على راياتهم، وخرج الناس معه حتى بقي الحجاج وليس معه إلا خاصته وأهل بيته.

    وقال المدائني: كان خروجهم قبل الظهر فقال رجل من بني عجل لعبد الله بن الجارود:

    أخلق بعبد الله ان يسوسا … وأن يقود جحفلا خميسا

    أهل العراقين الكرام الشوسا … ويخلعوا الخليفة المتعوسا

    إذ قلدوا أمرهم الرئيسا … أكرم به من قائد قدموسا

    نحن قتلنا مصعبا وعيسى … وكم قتلنا منهم بئيسا

    وقطع ابن الجارود ومن معه الجسر، وكانت خزائن الحجاج من ورائه، وغلبوا على السلاح، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمام أعين وهو في قول الكلبي مولى بشر بن مروان، وفي قول أبي اليقظان مولى سعد بن أبي وقاص إلى عبد الله بن الجارود، فأتى الصف، فرد، فقال: إنما أنا رسول، فأذن له، فقال: أجب الأمير، فقال ابن الجارود: ومن الأمير ولا نعمة عين لابن أبي رغال؟ ولكن ليخرج عنا مذموما مدحورا، وإلا قاتلناه.

    فقال أعين: أما إذ لم تجبه فأنه أمرني أن أقول لك: أتطيب نفسا بقتلك

    vol. 8, p. 285وقتل أهل بيتك وعشيرتك، والذي نفس الحجاج بيده لئن لم تأتني لأدعن قومك عامة، وأهل بيتك خاصة كأمة قد بادت، وحديثا للغابرين. وكان الحجاج قد حمل أعين هذه الرسالة، وقال له: إن لم يأتني فأوردها إليه، فقال ابن الجارود لأعين: والله يا بن الخبيثة لولا أنك رسول لضربت عنقك، وأمر فوجئ في عنقه، وأخرجوه.

    قالوا: واجتمع الناس لابن الجارود، فأقبل بهم زحفا نحو الحجاج، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه، فلما صاروا إليه انتهبوا ما في فسطاطه وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه، وجاء أهل اليمن حتى احتملوا امرأته، ابنة النعمان بن بشير الأنصاري، وجاءت مضر فاحتملوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهل بن عمرو القرشي أخي سهيل فحصنوها مخافة السفهاء.

    وقال ابن الكلبي وأبو اليقظان: هي أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهل بن سهيل بن عمرو، وكانت عند الحجاج، ثم خلف عليها الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك.

  3. ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه، وأتاه قوم من أهل المصرين، فصاروا معه، مستوحشين من محاربة السلطان ومخالفته، فجعل الغضبان بن القبعثرى الشيباني يقول لعبد الله بن الجارود: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك أما ترى من قد أتاه منكم؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره وليضعفن مدتكم. فقال: قد قرب المساء، ولكنا نعاجله بالغداة. وكان مع الحجاج عثمان بن قطن بن عبد الله الحارثي، وزياد بن عمرو العتكي، وكان زياد على شرطه بالبصرة، فقال لهما: ما تريان؟ فقال زياد: أرى أن

    vol. 8, p. 286آخذ لك من القوم أمانا، وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد أرفض جمهور الناس عنك، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك، ولا أحب لك أن تضيع نفسك وتهلكها، فقال عثمان بن قطن: لكني لا أرى ذلك، إن أمير المؤمنين قد أشركك في أمره، وخلطك بنفسه، واستنصحك وسلطك وملكك، فسرت إلى ابن الزبير، وهو أعظم الناس خطرا فقتلته، فولاك الله عز وجل شرف ذلك، وسناه وذخره وأجره، وولاك أمير المؤمنين الحجاز، ثم رفعك إلى ولاية العراقين. أفالآن حين جريت إلى المدى، وأصبت الغرض الأقصى وهابتك العرب، تخرج على قعود تدأدى (١) يوجف بك إلى الشام والله لئن فعلتها لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من السلطان أبدا، وليتضعن شأنك، ولتسقطن عنده، ولتهونن على كل عدو، ولكني أرى أن نمشي بسيوفنا معك، فنضارب هؤلاء القوم، حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما. فقال له الحجاج: قرعتني بما في قلبي قرعا، الرأي ما رأيت. فحفظ هذه لعثمان بن قطن، واحتمل تلك على زياد بن عمرو.

    وقال المدائني عن أبي اليقظان: إن عثمان أشار عليه بالقتال، وان عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي، وكان على شرطه، قال له: إنما نحن في عصبة وقد حيل بيننا وبين السلاح. فقال له: إن القليل الطيب خير من الكثير الخبيث وكثيرا ما ينصر الله عز وجل القليل على الكثير.

    vol. 8, p. 287قالوا: وأتى الحجاج مالك بن مسمع فقال إني قد أخذت لك من الناس أمانا فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس فيقول: والله لا أو منهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم فإنهما سعرا هذه الفتنة، ودعا الحجاج ابن الغرق مولاه فقال له: ائت عبيد بن كعب النميري فقل له وكان على خمس أهل العالية: هلم إلي فامنعني فقال: قل له: إن أتيتني منعتك، فقال: لا والله ولا كرامة. وبعثه إلى محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس فقال له مثل ذلك، فقال ابن عمير: إن أتاني منعته، فقال: إنه لا يأتيك ولكنك تأتيه في قومك، فقال: لا ناقة لي في هذا الأمر ولا جمل، ثم أرسل إلى عبد الله بن حكيم المجاشعي، وهو رأس تميم، يسأله النصر فقال مثل قول أصحابه: يأتيني. وقال له سحيم بن شعيب الحنفي: إن شئت أخذت لك أمانا ولحقت بصاحبك فلم يجبه الحجاج بشيء، وقال: إن تكلم أو تحرك فاضربوا عنقه، ثم تكلم الحجاج رافعا صوته فقال: إن هؤلاء القوم أرسلوا إلي يطلبون مني الأمان، ولا والله لا أؤمنهم فلم ينطق الحنفي وجلس.

    قالوا: ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن الجارود والهذيل بن عمران وعبد الله بن حكيم وهم يتناجون فقال: أشركونا في نجواكم، فقالوا:

    هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من بني الحبط، فغضب وصار إلى الحجاج في مائة، فقال له الحجاج: أعلي أم لي؟ فقال: لك أيها الأمير، فقال الحجاج: ما أبالي من تخلف بعدك، وتخاذل الناس وسعى قتيبة بن مسلم في أعصر وقال: والله لا أدع قيسيا على الحجاج يقتل وينتهب ماله وأظاهر ابن الجارود عليه، فأقبل في نحو من ثلاثين فسلم على الحجاج بالإمرة، فقال:

    vol. 8, p. 288أقتيبة بن مسلم؟ فقال: نعم، قال: تقدم، وكان الحجاج قد يئس من الحياة فلما جاءه هؤلاء اطمأن وقد كان هم باللحاق بعبد الملك على كل حال، ثم أتاه سبرة بن علي الكلابي فسلم وانتسب، فقال له خيرا، ثم جاء سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي فسلم عليه، فقال: هاهنا ادن مني، وأتاه جعفر بن عبد الرحمن الأزدي فسلم ثم انتسب، فقال له: قف مكانك أما والله لنعم القوم قومك، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع إن شئت أتيتك، وإن شئت أقمت فثبطت الناس عنك، فبعث إليه: أن أقم فثبطهم.

  4. فلما رأى الحجاج إنه قد اجتمع إليه عدد يمتنع بمثله خرج إليهم، فكتبهم وعبأهم، وجعل لهم حرسا، وتحارس الآخرون أيضا، وتلاحق الناس بالحجاج فلما أصبح وطلعت الشمس نظر فإذا حوله نحو من ستة الاف وذلك الثبت، وقوم يقولون ألف وستمائة، وقال عبد الله بن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك وقد ذهب الرأي وبقي الصبر فدعا ابن الجارود بدرع فلبسها مقلوبة فتطير، وحرض الحجاج أصحابه وقال: لا يهولنكم ما ترون من كثرة عدد عدوكم فإنه ليس بكم بحمد الله قلة ولا ذلة، فشدوا عليهم يتطايروا تطاير الأجم (١) المنفر، إنهم أخور من اليراع وإن صدقتموهم الضرب سألوكم الأمان، فتزاحف القوم وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل بن عمران، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيان

    vol. 8, p. 289وعلى ميمنة الحجاج قتيبة بن مسلم ويقال عباد بن الحصين وعلى ميسرته سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، وحمل ابن الجارود وأقدم أصحابه حتى جاز أصحاب الحجاج، وعطف عليه الحجاج بأصحابه فاقتتلوا ساعة، ثم إن سهم غرب جاء يهوي حتى أصاب عبد الله بن الجارود وإنه لكالظاهر على الحجاج فوقع ميتا، ويقال إنه لما خرج دخل ديرا قريبا منه ومعه قوم من الهجريين، فأحرق الدير عليهم، فخرجوا فقتل ابن الجارود والهجريون، ونادى منادي الحجاج بإيمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر أن لا يتبعوا، وقال الأتباع لهم من سوء الغلبة.

  5. ولما هلك ابن الجارود قال عبد الله بن فضالة الأزدي لعكرمة بن ربعي من بني تيم الله بن ثعلبة، ولابن ظبيان: قد هلك هذا الرجل، وما أرى لي إلا اللحاق بخراسان، فقال عكرمة: أما أنا فلاحق بالشام فقد كان لي عند عبد الملك بلاء هو راع له، وقال ابن ظبيان: وأنا سأمضي إلى بعض النواحي، فحملوا حتى إذا اختلط الناس وثار الغبار أخذ كل واحد منهم نحو الوجه الذي أراده، فأتى عكرمة يزيد بن أبي النمس الغساني واستجار به فكلم فيه عبد الملك وذكر له بلاءه، وقال: هفا وزل، فآمنه عبد الملك، وكان ابن أبي النمس أثيرا عند عبد الملك سمعه يوما يقول هممت أن أقطع كل حبلة بالشام، فقال: يا أمير المؤمنين من أحب أن يعصى عصي فضحك عبد الملك.

  6. وأتى ابن ظبيان سعيد بن عباد بن زيد بن عبد بن الجلندى الأزدي بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل فاتك فأحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة قد سمها وقال لرسوله: قل له: هذا أول شيء رأيناه من

    vol. 8, p. 290البطيخ العام، فأكلت نصف بطيخة، وبعثت إليك بنصفها فأكل عبيد الله بن زياد بن ظبيان نصف البطيخة فقتلته، ولما أحس بالسم قال:

    أردت أن أقتله فقتلني.

  7. وخرج عبد الله بن فضالة إلى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد إلى خراسان، فكان عنده، ثم أخذه حبيب بن المهلب فبعث به إلى الحجاج فخرجت امرأته فكلمت امرأة عبد الملك فيه، فكلمته فكتب إلى الحجاج في أمره فآمنه، وكلم عكرمة بن ربعي روح بن زنباع في الغضبان بن القبعثري، فسأل عبد الملك أن يؤمنه فآمنه.

  8. وأتي الحجاج برأس عبد الله بن الجارود فقال اغسلوه ثم عمموه، ففعلوا ذلك به فقال: هو هو.

  9. وقال عباد بن الحصين، وسعيد بن أسلم بن زرعة، وقتيبة بن مسلم للهذيل بن عمران، وعبد الله بن حكيم: نحن نكلم الحجاج فيكما فعجلا إلى الحجاج فأتياه وهما يجران مطرفيهما فلما نظر إليهما قال: اضربوا عدوي الله، اقتلوهما، فمشى عبيدة مولى الحجاج إلى عبد الله بن حكيم، فقال عبد الله بن حكيم:

    علي عهد ذي القرنين كانت مجاشع … حتوفا على الأعداء لدا خصومها

    فضربه بالسيف فعثر في مطرفه وقال: إن الراحة منكم لراحة، ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً ١،﴾ وقتل سريع مولى الحجاج الهذيل بن عمران، ثم أمر الحجاج بصلبهم فصلب ابن الجارود بين ابن حكيم

    vol. 8, p. 291والهذيل، وبعث برأس ابن الجارود ورؤوس هذين ورؤوس سواها إلى عسكر المهلب، مع حاتم بن سويد بن منجوف لييأس الخوارج مما بلغهم من فساد أمر الحجاج، ويقوى متن المهلب وأصحابه.

  10. ونادى الحجاج في الناس أن يلحقوا بأمصارهم ففرقهم، وأقبل حتى دخل البصرة، فقتل أشيم بن شقيق بن ثور الهذلي، ويقال إنه دخل في أمانه من آمن، فرآه في مجلسه فقال له: يا أشيم أخرجت مع ابن الجارود؟ قال: نعم وقد أتى عفوك على ذلك، وكان مع الحجاج كراز بن كراز العبدي، وهو صاحب لواء ابن الجارود، وراشد بن عوف العبدي، ومسلم مولى مالك بن مسمع، وعبيد الله بن كعب النميري، والغضبان بن القبعثرى الشيباني، أخذهم برستقاباذ، فحبسهم عنده، ثم حبسهم بالبصرة أيضا، ثم قال لعبيد بن كعب: أنت القائل قل للحجاج يأتيني فإني لا آتيه؟ ومن أنت يا بن اللخناء، هل أنت إلا عبد من أهل هجر وحبسه وعذبه حتى مات، وقال لمحمد بن عمير بن عطارد بن دهمان: أنت القائل لا ناقتي في هذا ولا جملي؟ لا كانت لك في مثلها ناقة ولا جمل ولا رحل وأنشد:

    ثعالب في السنين إذا أحصّت … وأسد حين تمتلئ الوطاب

    وكان يقال: أن عميرا أباه كان صدر عن عكاظ، فمر ببني دهمان فعرضوا لامرأته فأخذوها، ثم ردوها حاملا.

  11. وحدثني المدائني عن سحيم وغيره قالوا: رأى أبو جابر العبدي وكان جسيما ابن الجارود مصلوبا بين الهذيل وبين حكيم وكان عبد الله بن الجارود

    vol. 8, p. 292قصيرا يسمى لقصره بظير العناق فقال: ليتني كنت بينهما فقد فضحنا هذا بقصره.

    قالوا: وكتب الحجاج إلى عبد الملك: «أما بعد فالحمد لله الذي حفظ أمير المؤمنين، إني لما نزلت منزلي من رستقاباذ وثب علي أهل العراق فخالفوني ونابذوني، ودخل فسطاطي، وانتهبت أموالي، وقالوا اخرج من بلادنا إلى من بعثك إلينا، ففارقني البعيد، وأسلمني القريب، ويئس مني الشفيق، فشددت عليهم بسيفي، ولقيتهم بشيعتي، وقلت الموت قبل البراح، فوالله ما رمت العرصة حتى جعل الله لأمير المؤمنين منهم أنصارا، فضربت بمقبلهم مدبرهم وبمطيعهم عاصيهم، فقتل الله عز وجل طاغية القوم عدو الله ابن الجارود، وثمانية عشر من رؤوسهم، وضرب الله عز وجل وجوههم، فأخذوا شرقا وغربا، ثم إني آمنت الناس غائبهم وشاهدهم، فتراجعوا واجتمعوا وألحقت الناس بأمصارهم، ولله الحمد كثيرا، والسلام» .

  12. فكتب إليه عبد الملك: «أما بعد فقد بلغني كتابك، وأنت الناصح النجيب الأمين بالغيب القليل العيب، فإذا رابك من أهل العراق ريب فاقتل أدناهم، يرعب منك أقصاهم والسلام» .

    وقال المدائني: أتي الحجاج بخليفة بن خالد بن الهرماس وقد ضرب على وجهه، فقال له الحجاج: من أنت؟ قال: أحد الكفرة الفجرة، قال:

    خلوا سبيله، فقال له سويد بن صامت العجلي هذا الذي يقول:

    فلله حجاج بن يوسف حاكما … أراق دماء المسلمين بلا جرم

    فأمر بخليفة فقتل.

    vol. 8, p. 293قالوا: وبعث عبد الملك عبد الرحمن بن مسعود الفزاري إلى الحجاج، وأهل العراق لينظر في مظالمهم، وما يشكون من الحجاج، وأمر بإطلاق كراز وقد كان قد كلم فيه، فبلغ الحجاج ذلك فعجل على كراز وراشد بن عوف، ومسلم مولى مالك بن مسمع فقطع أيديهم وأرجلهم، فدخل ابن مسعود ودماؤهم تشخب، ولما قدم ابن مسعود على الحجاج صعد الحجاج المنبر، وصعد ابن مسعود درجتين أو ثلاثا، ثم قال: ألا من كان يطلب الحجاج بمظلمة فليقم، فقال الحجاج: مه، فقال: لا والله ما من مه، ثم قال: يا أهل العراق جمع الله لكم خير الدنيا والآخرة فإياكم والشقاق والفتنة، إني قد تركت ورائي خيلا من حديد وقوما لهم دين وليست لهم دنيا، فإياكم أن تجمعوا دنياكم إلى دينهم، ثم إنه انصرف إلى عبد الملك فأخبره بسوء سيرة الحجاج وظلمه وعذابه الناس، فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عبد الملك: «إن ابن مسعود امرؤ ظنين علي، قد بلغني أنه أساء علي الثناء، وإن شيعة ابن الزبير لن تحبني أبدا، وهو من شرارها وفجارها، وليس مثله قرّب ولا صدق، والسلام» ، فكتب إليه عبد الملك: «أما بعد فقد بلغني كتابك في ابن مسعود، وليس مثله اتهم، ولا ظن به ظن السوء، والسلام» .

  13. وكان ابن مسعود صديقا لحضين بن المنذر، فلقيه فسلم عليه فقال الحضين: ومن أنت عافاك الله؟ فأعلم الحجاج ذلك، فقال الحجاج:

    يا حضين أتعرف هذا، قال: لا، قال: كذبت ولكنك خفت أن يبلغني أنك سلمت عليه فأظن بك أنك تبلغه الأخبار قال: صدق الأمير وبرّ، قال:

    فلا تخف، فسلم عليه حضين وكلمه.

    vol. 8, p. 294وقال الحكم بن المنذر بن الجارود:

    أبا مطر أقررت عين عدونا … وكل إلى ما صرت سوف يصير

    أبا مطر لو يدفع الموت بالفدا … لكان رجال مشفقون كثير

    أبا مطر لو يدفع الموت بالرشا … لقد كان مال سارح وبدور

    وقال الشاعر:

    بكر النّعيّ بسيد الأمصار … حامي الذمار وناقص الأوتار

    بابن المعلى ذي السماحة والندى … كهف الضعيف وطالب الآثار

    عثرت به بعض الجدود وهدّنا … يا للرجال لجدنا العثار

    قالوا: وكان غضبان بن القبعثرى محبوسا عند الحجاج فكلم عكرمة بن ربعي روح بن زنباع في أمره فكلم عبد الملك في إيمانه فكتب بذلك إلى الحجاج فدعا به الحجاج فقال له: قد سمنت يا غضبان وصفا لونك؟ قال:

    القيد والرتعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن، قال: أنت القائل لابن الجارود: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك؟ قال: ما نفعت من قالها ولا ضرت من قيلت له قال: أتحبني قال: أو فرق خير من حب، قال: ولم لا تحبني؟ قال: لأنك أخذت مالي ووضعت شرفي قال: فإن رددت مالك ورفعت قدرك؟ قال: الرضا مع الاحسان والسخط مع الغضب قال:

    لأحملنك على الأدهم قال: مثل الأمير حمل على الأدهم والكميت، قال:

    إنه حديد، قال: يكون حديدا خير من أن يكون تليدا فحمل من بين يديه ليطلق من حديده، فلما استقل به من حمله قال: الحمد لله ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١) فضحك الحجاج.